هل تتحول أوروبا إلى لاعب عالمي؟

لم تكن السنوات الخمس المنصرمة رئيفة بآمال السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. فالمنافسة الجديدة الجارية بين قوى عظمى تنحي جانباً النظام الدولي القائم على القواعد، وتُستَخدَم جوانب من العولمة -من التجارة إلى الإنترنت- لتقسيم البلدان بدلاً من توحيدها. في الوقت ذاته، أصبح الجوار الجغرافي الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي أشبه بحلقة من نار.

تعكس هذه التحديات بشكل أساسي تحولاً في ميزان القوى العالمي، والذي تغير بشكل جوهري من منظور السياسة الخارجية الأمريكية. وكما يوضح المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في تقرير جديد، فإن التطورات العالمية جعلت بلدان الاتحاد الأوروبي عُرضة على نحو متزايد لضغوط خارجية تمنعها من ممارسة السيادة.

ويهدد مثل هذا التعرض مصالح الاتحاد الأوروبي الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، من خلال السماح لقوى أخرى بفرض تفضيلاتها عليه. وما يزيد الطين بلة أن المؤسسات الحاكمة في الاتحاد الأوروبي لم تفعل إلا أقل القليل للتغلب على الانقسامات بين البلدان الأعضاء، ولم تلعب دوراً مؤثراً في الاستجابة لأزمات كتلك في أوكرانيا، وسوريا، وليبيا.

مع ترشيح جوزيب بوريل لمنصب الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، تسنح الفرصة للاتحاد لإعادة إطلاق سياسته الخارجية. في الوقت الحالي، يشغل بوريل منصب وزير خارجية إسبانيا ــ التي تُعَد ذاتها مركزاً جديداً للقوة في الاتحاد الأوروبي ــ وسوف تتلخص مهمته في توحيد مؤسسات الاتحاد الأوروبي ووزراء الخارجية على المستوى الوطني خلف سياسة خارجية مشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي.

علاوة على ذلك، سيواجه بوريل ثلاثة تحديات. يتمثل الأول في تأمين سيادة أوروبا الاستراتيجية. وسوف يحتاج بوريل من اليوم الأول إلى البدء في تطوير استراتيجيات لإدارة القضايا الدبلوماسية والأمنية الأكثر تعقيداً التي تتعامل معها الكتلة، من التهديدات التي تفرضها روسيا والصين إلى براميل البارود في سوريا، وأفريقيا، ومنطقة البلقان.

ويتعين على بوريل أن يرسم مساراً جديداً إلى الأمام، لا يتجاهل الآراء المعارضة من البلدان الأعضاء ولا يرضى بالقاسم المشترك الأدنى لما يقول كل الأعضاء إنهم يمكنهم قبوله.

لتحقيق هذه الغاية، ينبغي لبوريل أن ينظر في عرض صفقة متكاملة، على غرار تلك التي وافق عليها المجلس الأوروبي في ترشيح فريق قيادي جديد للاتحاد الأوروبي. وينبغي لأي تسوية من هذا القبيل أن تحرص على إيجاد التوازن بين الموقف الصارم تجاه روسيا والمشاركة الخلّاقة بشأن الجناح الجنوبي للاتحاد الأوروبي.

لا يحتاج الاتحاد الأوروبي بالضرورة إلى سياسات خارجية جديدة، لكنه يحتاج إلى آليات جديدة لتنفيذ أجندته، فضلاً عن قيادات مقتدرة تلهم الثقة داخل كل البلدان الأعضاء. وفي التأكيد على سيادة الاتحاد الأوروبي، يتعين على الممثل الأعلى الجديد أن يتعامل مع كل شيء من العقوبات الثانوية الأمريكية واستخدام الدولار كسلاح إلى التهديدات المتمثلة في الحرب السيبرانية والهجين الموجهة من مختلف أنحاء العالم.

يتمثل التحدي الرئيسي الثاني الذي يواجه بوريل في إعادة تفعيل الدفاع الأوروبي. فعلى الرغم من التقدم الذي حققه الاتحاد الأوروبي في إطلاق مشاريع صناعية مرتبطة بالدفاع، فقد تقلصت قدرته العملياتية.

وعلى سبيل طمأنة جناحه المواجه لروسيا، يتعين على جميع الدول الأعضاء أن تعمل على زيادة وجودها الأمامي هناك؛ ومجرد إنشاء «معسكر شارلمان» صغير في بولندا سيكون كافياً كلفتة رمزية قوية. وبوسع الأوروبيين أن يتسلموا أيضا بعض العمليات العسكرية من الولايات المتحدة، وخاصة المهمة في كوسوفو، حيث يوفر الأوروبيون بالفعل أغلب القوات.

علاوة على ذلك، مع استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد دعم الأمم المتحدة لمجموعة الخمس في منطقة الساحل (بوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر) وربما التخطيط لخفض عدد القوات في بعض هذه الدول، فقد يكون لزاماً على الاتحاد الأوروبي أن يعمل على زيادة تواجده في أفريقيا.

في الواقع، ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لكي يتبنى الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي فكرة إنشاء «مجلس أمن أوروبي»، والتي طرحتها في الأصل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الخريف الماضي. ومن الممكن أن تقدم هذه الهيئة منتدى للمناقشات الاستراتيجية الصريحة بين البلدان الأعضاء، في حين تتولى أيضا قيادة التواصل الدبلوماسي مع المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

أما التحدي الثالث الذي يواجه بوريل فسوف يكون استعادة الثقة بين وزارات الخارجية في البلدان الأعضاء وهيئة العمل الخارجي الأوروبي. وهو لا يستطيع معالجة جميع قضايا السياسة الخارجية التي تشغل الاتحاد الأوروبي بمفرده؛ وسوف يحتاج إلى فريق قوي ودعم عريض القاعدة داخل الاتحاد الأوروبي.

وعند تعيين نوابه، ينبغي له أن يختار أعضاء اللجنة الذين يتمتعون بالفعل بتفويض يغطي القضايا الإقليمية الرئيسية التي تخص منطقة الساحل، والبلقان، والشراكة الشرقية.

الأفضل من ذلك أن يسند قضايا سياسية بعينها لوزراء الخارجية فرادى، والذين سيكون لزاماً عليهم أن يرفعوا التقارير إلى البلدان الأعضاء واللجنة السياسية والأمنية في الاتحاد الأوروبي.

ولن يكون هذا بلا سابقة، كما حدث عندما كلفت الممثلة العليا السابقة كاثرين أشتون وزير الخارجية البولندي راديك سيكورسكي ووزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير بمعالجة قضية جورجيا، ثم كلفت سيكورسكي ووزير الخارجية السويدي كارل بيلت بتولي مسألة مولدوفا.

أخيراً، ينبغي لبوريل أن ينظر في تعيين مجموعات أساسية من البلدان الأعضاء لعقد ورش عمل حول القضايا المثيرة للخلاف، بهدف تحديد المواقف المشتركة ورفع مستوى القاسم المشترك الأدنى. وهذا من شأنه أن يمنح كل بلد عضو، كحد أدنى، «بعض المصلحة في الأمر»، وربما يثني البلدان الأعضاء عن إساءة استخدام عمليات الاتحاد الأوروبي لملاحقة تحركات أحادية.

من خلال تبني الأجندة العريضة المبينة أعلاه، يستطيع بوريل أن يعين الاتحاد الأوروبي على مواجهة تحديات السنوات المقبلة ككتلة موحدة. ولابد أن يكون هدفه الرئيسي تأمين سيادة أوروبا الاستراتيجية. لا يزال الاتحاد الأوروبي يُعَد أكبر سوق في العالم.

حيث يضم بعضاً من أكبر ميزانيات المساعدات الوطنية، ويمثل ثاني أعلى مستوى من الإنفاق الدفاعي، وبوسعه أن ينشر أكبر جهاز دبلوماسي. وإذا كان بإمكانه أن يضع هذه الأصول في خدمة أجندة استراتيجية أكبر، فمن الممكن أن يصبح لاعباً أساسياً في القرن الحادي والعشرين، بدلاً من كونه ألعوبة في أيدي قوى عظمى أخرى.

* مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمؤلف المشارك (مع كارل بيلت) للتقرير الصادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بعنوان «من ألعوبة إلى لاعب: السنوات الخمس المقبلة في السياسة الخارجية الأوروبية».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات