الثورة الرقمية ليست ثورية بالقدر الكافي

بنظرة أوسع، نجد أن القفزات التكنولوجية في عصرنا قد صنعت معضلة فيما يتعلق بالاقتصاد الكلي، حتى أن اتجاهات النمو والإنتاجية تبدو ذاهبة في الاتجاه الخاطئ. وبعيداً عن قضية التلكؤ في توفير المهارات، هناك تفسير محتمل واحد ــ لكنه ليس بالتأكيد رأي الأغلبية ــ وهو أن «الثورة» الرقمية ليست ثورية بالقدر الكافي.

يوجد تفسير آخر وهو أن التقنيات الرقمية تكون لها في الغالب هياكل تكلفة غير عادية، في ظل إفساح التكاليف الثابتة العالية المجال للتكاليف الهامشية التي تتفاوت من صفرية إلى منخفضة. لذا يكون متوسط التكاليف لبعض التقنيات الرئيسة ضئيلاً، عند النظر فيها عبر مجموعة واسعة من التطبيقات والمواقع الجغرافية. ففي حقيقة الأمر، يجري تسعير الخدمات «المجانية» عالية القيمة التي نستخدمها بتكلفتها الهامشية على نحو ملائم.

بالمثل، يمكن أيضاً تحقيق طفرات مطردة في قوة وفائدة المنتجات الرقمية بتكلفة زهيدة. فهواتف اليوم الذكية تعد أكثر قوة من الحواسب العملاقة التي ظهرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، رغم أن تكلفتها لا تتعدى نسبة ضئيلة من تكلفة تلك الحواسب. ومن الوارد جداً الآن أن تكون الزيادة في القدرة الحاسوبية، التي بلغت 10 آلاف ضعف، بتكلفة إضافية ضئيلة على مدار العشرين عاماً الماضية لم تثمر إلا عن الحد الأدنى من الفوائد للمستهلك، غير أن هذا مستبعد للغاية.

الأهم من هذا وذاك أنه لا يتم تسجيل أي من هذه المكاسب في حسابات الدخل القومي. من المعقول حقاً أن نتوقع بمرور الوقت خروج معظم فوائد التقنيات الرقمية عن نطاق البعد الضيق للرفاهية المادية القابلة للقياس. وهذا لا يعني تجاهل التحديات الواجب مواجهتها في هذا المجال أو التقليل من شأنها، خاصة فيما يتعلق بعدم المساواة. لكن معالجة تلك المشكلات بحكمة من شأنها أن تعكس إعادة التوازن المطرد بين الفوائد والتكاليف والمخاطر وأوجه الضعف في العصر الرقمي.

 

ـــ مايكل سبنس حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك

طباعة Email
تعليقات

تعليقات