الشركات الأمريكية بين نيران متقاطعة

صورة

قد ترغب الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية في إجبار الصين على تغيير السياسات والممارسات - من الإعانات للمؤسسات المملوكة للدولة إلى فرض مشاركة الشركات الأجنبية في تكنولوجيا الملكية مقابل الوصول إلى السوق الصينية .

لكن مع استمرار تصاعد الحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالسؤال المطروح هو: ما الثمن الذي ترغب هذه الشركات في دفعه بالفعل؟

كان النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية مدعوماً بثلاث شبكات متداخلة من التبادل العالمي -التجارة، الاستثمار والتمويل، والمعلومات- حيث لعبت الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات دوراً كبيراً في تطويرها.

ومع ذلك، في الآونة الأخيرة، عرفت تدفقات البيانات والمعلومات زيادة ملحوظة. وفقاً للبحث الذي أجراه معهد ماكينزي العالمي، كان للتدفقات الرقمية تأثير أكبر على نمو الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالتجارة في السلع بحلول عام 2016. وتشمل هذه التدفقات المعلومات والأفكار، وكذلك المكونات الرقمية للمعاملات الخارجية التي تنطوي على سلع أو خدمات أو تمويل.

لكن بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة، لن تلحق هذه التدفقات أي ضرر بالاقتصاد الأمريكي. يجادلون بأنهم لا ينظرون إلى أبعد من العجز التجاري الأمريكي الضخم، الذي بلغ أكثر من 622 مليار دولار في عام 2018، حيث تمثل الصين حوالي 378 مليار دولار منه.

لكن هناك مشاكل خطيرة تتعلق بمقياس العجز التجاري عبر الحدود، وليس أقلها فشله في تبرير الأعمال التي تتم داخل حدود بلد أجنبي.

في عام 2016، (آخر سنة تتوفر فيها البيانات)، حققت الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة، بما في ذلك الشركات الأجنبية التابعة لها، مبيعات بلغت 5.8 مليارات دولار في البلدان الأجنبية.

هذا الرقم لا يضعف الصادرات الأمريكية المباشرة، التي بلغت 2.2 مليار دولار في عام 2016؛ بل يتجاوز 4.1 مليارات دولار من إجمالي المبيعات من قبل جميع الشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات في السوق الأمريكية.

عندما يتعلق الأمر بالمبيعات في الأسواق الخارجية، كان لدى الولايات المتحدة «فائض» بلغ في عام 2016 ثلاثة أضعاف العجز التجاري الأمريكي البالغ 502 مليار دولار في ذلك العام. هذا يعني تحقيق أرباح كبيرة للشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية: ما تعنيه نسبة المبيعات الخارجية إلى الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) هو أن الشركات ضاعفت استثماراتها الأولية.

من الناحية الجغرافية، تتركز المبيعات الأمريكية المتعددة الجنسيات والاستثمار الأجنبي المباشر بشكل أساسي في أوروبا. في عام 2016، بلغت المبيعات الأوروبية للشركات متعددة الجنسيات الأمريكية 2.8 مليار دولار، أو أقل بقليل من نصف الإجمالي العالمي.

لكن الاستثمار الأجنبي المباشر بلغ 3.3 مليارات دولار، وهذا يعني أن كل دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر ينتج 0.85 دولار من المبيعات. وبالتالي تمثل أوروبا سوقاً أقل من المتوسط للشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية.

تعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ (APAC) - التي تحتل المرتبة الثانية في كل من التجارة والمبيعات الأمريكية من قبل الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية - أكثر ربحية. شكلت منطقة آسيا والمحيط الهادئ ما يزيد عن 29٪ من الصادرات الأمريكية في عام 2018، و39.5٪ فقط من الواردات، ما أدى إلى عجز تجاري إجمالي قدره 506.8 مليارات دولار.

ولكن نظراً إلى أرقام عام 2016، سجلت الشركات المتعددة الجنسيات في الولايات المتحدة 1.58 مليار دولار من المبيعات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بينما حققت 881 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر. مقابل كل دولار من الاستثمارات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، كسبت الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية 1.80 دولار في المبيعات.

في الواقع، لقد تمكنت دولة واحدة من رفع هذا المتوسط: الصين. في عام 2016، حققت الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية 345.3 مليار دولار من المبيعات، بينما استثمرت 97.3 مليار دولار. و

هذا يُترجم إلى نسبة مبيعات هائلة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 355٪، من أصل 267٪ في عام 2009. (تعكس النسبة الأوروبية المنخفضة -85٪ في عام 2016- في الاتجاه التنازلي، من 123٪ في عام 2009).

علاوةً على ذلك، تُقوض مبيعات الشركات الأمريكية في الصين مبيعات الشركات الصينية في الولايات المتحدة، التي بلغت 35 مليار دولار فقط في عام 2016.

في الواقع، نظراً لهذه النسبة، لدى الولايات المتحدة «فائض» يبلغ 310 مليارات دولار، والذي يمثل ملياري دولار أكبر من العجز التجاري الأمريكي الثنائي مع الصين، وهذا يعني أنه نظراً إلى التجارة عبر الحدود والمبيعات الخارجية، فإن مواقف الولايات المتحدة والصين متعادلة تقريباً.

وفي هذه الأثناء، تواصل الشركات المتعددة الجنسيات في الولايات المتحدة جني أرباح ضخمة في الصين، الأرباح التي ستستمر في النمو، مع تجنب التدخلات غير المناسبة.

المشكلة هي أن حرب ترامب التجارية هي عبارة عن تدخل غير ملائم، وإذا استمرت بالتصاعد، فستكون الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية، على حد تعبير ترامب، أكبر الخاسرين.

سوف تمتد هذه الخسائر إلى ما هو أبعد من انخفاض المبيعات في الصين، وستؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي العالمي وأسعار الأصول، حيث إن مزيجاً من ارتفاع الأسعار وانخفاض حجم التجارة يعكس بفعالية وفورات الحجم، ما ينتج عنه تراجع الأرباح والاستثمار.

على عكس آمال ترامب، فإن خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لن تتصدى لآثار هذه التطورات. سوف تضطر الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة إلى تقليص عمليات إعادة شراء حصتها، التي ارتفعت في السنوات الأخيرة بما يتجاوز 806 مليارات دولار في عام 2018. ومن شأن الانكماش الناتج عن سوق الأسهم أن يضر المتقاعدين الأمريكيين الذين يستثمرون بكثافة في الأسهم الأمريكية.

على المدى الطويل، من المرجح أن يؤدي بناء جدران بين أكبر اقتصادين في العالم إلى زيادة الخلافات والصراعات في جميع أنحاء شبكات التبادل العالمي التي لا تسعى وراء الازدهار فحسب، بالإضافة إلى أرباح الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية، بل أيضاً إلى السلام والتعاون.

يمكن تقسيم الإنترنت، وهو أمر بالغ الأهمية لعمل كل هذه الشبكات، إلى أربعة أنظمة معيارية أو أكثر، يحكم كل منها مجموعة مختلفة من القواعد والمبادئ والمُحاطة بجدران الحماية.

إدراكاً للخطر الذي ينتظرنا، وقَّعت أكثر من 500 شركة أمريكية و140 مجموعة تمثل المصنعين وتجار التجزئة على عريضة تطالب بعدم فرض رسوم إضافية على البضائع الصينية، والتفاوض بدلاً من ذلك على صفقة تجارية مع السوق الاستهلاكية الأسرع نمواً في العالم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات