الصين والتوازن الخلاق بين التنمية والتطوير

كان يو يونغدينغ

شهد اقتصاد الصين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، استقراراً ونجاحات مهمة فصحيح أنه كان معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يصل سنوياً إلى 6,4%، مماثلاً لنظيره في الأشهر الثلاثة الأخيرة قبل العام نفسه. لكن نمو الإنتاج الصناعي تجاوز التوقعات، إذ حقق ارتفاعاً سنوياً بنسبة 6,5% (وبنسبة 8,5% في مارس). وكان نمو الصادرات إيجابياً أيضاً.

وفضلاً عن هذا، ارتفعت الاستثمارات في الموجودات الثابتة بنسبة تراوحت ما بين 0,2% و6,3% مقارنة بمعدلات الأشهر الثلاثة السابقة، إذ أسرع هذه الاستثمارات نمواً، هي تلك المتعلقة بالعقار (11.8%)، متبوعة بالتصنيع (4,6%)، ثم البنية التحتية (4,4%). وكان النمو في كل من العقار والبنية التحتية أقوى، ليس فقط تباعاً بل أيضاً سنوياً. وكما العادة، كان نمو الاستهلاك مستقراً. وزرعت كل هذه العوامل الثقة في أن الاقتصاد الصيني يمكنه تحقيق هدفه الإرشادي الذي يتمثل في معدل يتراوح ما بين 6 و6,5% في عام 2019.

ويبدو أن معظم الخبراء الاقتصاديين مرتاحون إلى حد ما لهذه النسبة المستهدفة. والتفسير الوحيد هو أن معدل نمو الصين المحتمل يتراوح ما بين 6 و6,5%، ويجب أن يُحدد أي هدف وفقاً لهذه النسبة. والتفسير الآخر، هو أن معدل نمو منخفض من شأنه أن يفسح مجالاً أكبر للقيام بتعديلات بنيوية على المستوى الاقتصادي.

ومنذ عام 1978 حتى عام 2008، حققت الصين معدل نمو سنوياً مبهراً، بلغ نسبة 9,5%. وحينها، اندلعت الأزمة المالية العالمية، مما أدى إلى تراجع النمو من 9,7% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2008 إلى 6,6% خلال الأشهر الثلاثة الثانية من عام 2009، إذ سرعان ما تسببت سلسلة من الإجراءات التحفيزية بقيمة 640 مليار دولار، اتخذت في نوفمبر 2008، في انتعاش قوي، حقق فيه نمو الناتج الوطني الإجمالي 12,1% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2010. وفي العام الماضي، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 6,6%. ومع ذلك، من الصعب فصل العوامل الدورية والصدمات الخارجية عن التوجه البعيد الأمد، واستنتاج أن معدل نمو الصين المحتمل يتراوح حقاً بين 6 و6,5%.

ونظراً لكون مسار نمو الصين معقداً، يبدو أن العديد من الخبراء الاقتصاديين يعتمدون في تقييمهم للإمكانيات على الإنجازات الاقتصادية. وبطبيعة الحال، هناك تقديرات مختلفة لمعدل نمو الصين المحتمل، وتتراوح هذه التقديرات ما بين 5% إلى 8%. لكن من الصعب معرفة التقدير الجدير بالثقة. ولسبب واحد، هناك ما يدعو للاعتقاد أن معظم التقديرات تخفق في تجاهل العوامل الدورية بما يكفي أثناء دراسة التوجه البعيد الأمد.

ومن وجهة نظري، لأنه لا أحد متأكد من المعدل الحقيقي المحتمل لنمو الصين، فإن أحسن استراتيجية هي محاولة تحقيق نمو مرتفع على قدر الإمكان، طالما لا يزيد من سوء التضخم أو يعرقل التعديل البنيوي.

صحيح أن الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019 حققت أكثر من المتوقع. لكن ارتفاع معدل الاستثمارات في الأصول الثابتة كان راجعاً، إلى حد كبير، إلى الارتفاع الكبير في الاستثمارات العقارية، التي من المحتمل أن تتراجع عاجلاً أم آجلاً، بسبب التزام الحكومة بتخفيض حرارة «حمى العقار» في الصين.

ولتعويض تراجع الاستثمارات في العقار وتراجع الصادرات، يجب أن تحافظ الصين على نمو معقول في الاستثمار في البنية التحتية. ولبلوغ هذه الغاية، يتعين على الحكومة أن تسعى إلى الإنفاق أكثر (مستغلة الوضع المالي القوي)، بدعم من سياسة نقدية مناسبة (مادام هناك تضخم مالي منخفض).

قد يرى الخبراء الاقتصاديون الذين يتبنون الآراء السائدة، والذين يُصِرون على أن التعديل البنيوي يجب أن يكون أولوية، أن التوسع المالي والنقدي سياسة عفا عليها الزمن. لكنها قد تذهب بعيداً نحو تعزيز الاقتصاد في عام 2019، دون عرقلة الإصلاح البنيوي. إن التحدي يكمن في تحقيق التوازن الخلاق.

 

الرئيس السابق للمجتمع الصيني للاقتصاد العالمي، ومدير معهد العلوم الاقتصادية والسياسية العالمية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، عضو في جمعية السياسة النقدية لبنك الشعب الصيني من عام 2004 إلى عام 2006.

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات