المجتمعات المحلية بصفتها شريكاً في مسارات التنمية

المناقشات بشأن التنمية حققت خطوة كبيرة خلال الثلاثين سنة الماضية في الكثير من دول العالم، ومن بينها باكستان، وتقوم المجتمعات المحلية، بجانب الجهات الرسمية، بدور يزداد أهمية.

وينبغي الترحيب بمشاركتها وتشجيعها؛ وبالفعل، هذا الترحيب والتشجيع ضروريان لضمان قبول المبادرات التنموية واستدامتها.

في أكتوبر 2018، أذاعت القنوات الإخبارية للتلفزيون الباكستاني تقارير تظهر كيف كانت السلطات المحلية في بيشين، مقاطعة في إقليم بالوتشيستان، تبني سداً صغيراً لمواجهة موجات الجفاف المتكررة في المنطقة، وقد قرر المجتمع المحلي بناء واحد بنفسه بتكلفة قيمتها 2.1 مليون روبية باكستانية فقط، في إطار برنامج تنمية العالم القروي الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي.

وحققت هذه السياسة التنموية المكتفية ذاتياً مكاسب في مناطق أخرى من باكستان أيضاً. ففي مقاطعة هانزا في أقصى شمال البلاد، بلغ معدل معرفة القراءة والكتابة 59% - وهي أعلى نسبة في باكستان - بفضل المدارس الناجحة التابعة للمجتمعات المحلية.

والتي يفوق عددها مدارس حكومية. ولمنافسة مشروع أورانجي بايلوت في ضواحي كراتشي، بنى المجتمع المحلي نظام مجار بدعم تقني من المنظمات غير الحكومية، ومولت 70% من باقي التكلفة.

وليست هذه الأمثلة معزولة عن غيرها، إذ تقوم المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء باكستان بدور كبير في المشاريع التنموية، ويمكن لمثل هذا الالتزام من المجتمعات المحلية، في حال توسع نطاقه، أن يخفف العبء المالي على الدولة، وأن يمكن الدولة من تحقيق تقدم أكثر شمولاً وأكثر استدامة.

إن فكرة أن تضطلع المجتمعات المحلية بدور رئيس في المبادرات التنموية ليست بالجديدة. ففي عام 1993، على سبيل المثال، شددت قمة التعليم للجميع لمنظمة اليونسكو في نيودلهي، الهند، على أن التعليم مسؤولية الأسر والمجتمعات والمنظمات غير الحكومية والحكومات. لكن كان هناك تغيير تدريجي في طريقة التفكير خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشأن كيف يمكن للمجتمعات المحلية أن تقوم بدور أكثر فعالية.

وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اعتمدت المجتمعات المحلية سياسة تنموية متدرجة، وابتعدت عن المبادرات الحكومية. إلا أن هذه السياسة لم تكن ناجحة نظراً إلى التوترات والمشكلات السياسية المتعلقة بمضاعفة هذه الجهود. وبالمقابل، هناك إجماع متزايد على أن المجتمعات المحلية تكون أكثر فعالية عندما تنسق مجهوداتها مع حكومات تشتغل جيداً، ومع منظمات غير حكومية وفاعليي القطاع الخاص.

وينبغي أن تساعد مثل هذه السياسات التعاونية على التخفيف من شعور المجتمعات بالعزلة في المشاريع التنموية. وبخصوص هذا الموضوع، أشار الخبيران الاقتصاديان الحائزان جائزة نوبل للسلام، أمارتيا سين، وإلينور أوستروم، إلى تنمية «رأس المال الاجتماعي»، الذي يسمح للمجتمع بأخذ المبادرة في حال توقف التمويل، أو أي شكل آخر من المساعدة المؤسساتية.

وتعد مبادرة تعليمية أخرى في باكستان، تسمى بمبادرة سترايد، مثالاً آخر يفسر كيف يمكن للمجتمعات المحلية أن تضطلع بدور إيجابي في التنمية. وتهدف المبادرة - التي كانت تدعمها وزارة التنمية الدولية للمملكة المتحدة في البداية، والتي ترعاها الآن الحكومات الإقليمية لبانجاب وخايبر باختونخوا، وامتدت نحو أقاليم أخرى - إلى تحسين آفاق التلاميذ في البقاء في المدرسة، وفي انتقالهم إلى مستويات دراسية أعلى.

وتوفر المبادرة دروساً مسائية، ووسائل نقل للطلاب الذين يقطنون بعيداً عن المدرسة. وأهم ما تسعى إليه المبادرة، هو تحسيس المجتمعات المحلية بتحديات الاحتفاظ والانتقال، وتشجيعهم على الإسهام في الحلول المستدامة.

ويبدو أن هذه الجهود ناجحة. ففي يوسي بيرهار، في مقاطعة موزافارغار، ساهم المجتمع المحلي بـ48000 روبية باكستانية لتغطية تكاليف تَنَقل التلاميذ الذين يحضرون مدرسة مجاورة تابعة لمبادرة سترايد، وأعطى رئيس يوسي بنفسه، عربات لبعض من أفراد عائلته الفقيرة لكسب المال عن طريق نقل تلاميذ سترايد.

وواجهت مدرسة أخرى تابعة لمبادرة سترايد، في مقاطعة سوابي، مشكلات تتعلق بالمحافظة على الأساتذة الذين يعملون في الفترة المسائية، وذلك راجع إلى المسافات الطويلة والطرق الجبلية، إضافة إلى رفض المجتمع وصولَ النساء إلى بيوتهن في وقت متأخر من المساء. ولحل هذا المشكل، أقنع منسق سترايد على صعيد المقاطعات، الذي استشار المواطنين المحليين أولاً، وزارة التعليم ببناء غرف إضافية في المدرسة لإيواء المدرسين.

ومبادرة سترايد أخذت الأمور التي تقلق المواطنين بعين الاعتبار، مما مكن الفتيات من مواصلة تعليمهن.

* زميلة باحثة في معهد العلوم السياسية والاجتماعية في إسلام آباد بباكستان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات