البلاستيك يهدد المعمورة

صورة

لا شك أن البلاستيك لعب دوراً أساسياً في النمو الاقتصادي العالمي لعقود من الزمن. وتشمل تطبيقاته التي لا تعد ولا تحصى، الأجهزة الطبية المنقذة للحياة، والملابس، ولعب الأطفال، فضلاً عن استخدامات صناعية وزراعية متعددة، وما إلى ذلك.

حتى أن بعض الناس روجوا للبلاستيك على أنه جزء من حل مشكلة تغير المناخ، زاعمين زوراً أن بصمته الكربونية أصغر من مواد أخرى. الواقع أن البلاستيك يطلق قدراً كبيراً من الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي مثل الميثان والإيثلين مع تحلله في البيئات البرية والبحرية.

علمنا منذ زمن بعيد أن تراكم البلاستيك في مدافن النفايات ومحيطات العالم يمثل خطراً بيئياً متنامياً. وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، أصبحنا نفهم أن البلاستيك يشكل تهديداً ملحاً ومهلكاً للصحة العامة أيضاً. ومع ذلك، لا تزال الجهود العالمية لمعالجة أزمة البلاستيك تركز بشكل ثابت على الطرف غير الصحيح من دورة حياة المواد البلاستيكية: إدارة النفايات.

وتمثل المناقشة التي من المقرر أن تُستأنف هذا الشهر في جمعية الأمم المتحدة للبيئة (UNEA-4) مثالاً واضحاً، لأنها ستركز على «القمامة البحرية والجسيمات البلاستيكية المتناهية الصِغَر». وهي قضية مهمة بكل تأكيد، لكنها تشكل جزءاً صغيراً فقط من مشكلة أكبر كثيراً.

في حقيقة الأمر، يُصنَع البلاستيك من الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز. وتُظهِر أبحاث جديدة أن البلاستيك ضار بأجسامنا في كل مرحلة من مراحل دورة حياته، من استخراجه كوقود أحفوري، إلى استخدامه على نطاق واسع كوسيلة لتغليف المواد الغذائية، إلى التعامل معه في إطار عملية إدارة النفايات (التي تتضمن مدافن النفايات، ومراكز إعادة التدوير، والمحارق).

بطريقة أو بأخرى، يتأثر كل كائن حي على كوكب الأرض تقريباً بعمليات إنتاج، أو استخدام، أو التخلص من البلاستيك، والذي تتراكم تأثيراته السامة وتدوم إلى ما لا نهاية في الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والتربة تحت أقدامنا. وتشمل بعض التأثيرات الأبرز التي يخلفها إنتاج البلاستيك إلحاق الضرر بالجهاز المناعي والإنجابي.

والكبد والكليتين، بل وحتى السرطان؛ وبينما نتحرك عبر دورة حياة المنتجات البلاستيكية، تستمر التهديدات للجهاز التناسلي وتهديدات الإصابة بالسرطان، فضلاً عن الضرر الإضافي المتمثل في عرقلة التطور العصبي وإعاقة نمو أجهزة أخرى. وما يزيد الطين بلة أن إنتاج البلاستيك يتزايد، ولن يتوقف عن التزايد. إذ تخطط صناعة البلاستيك في الولايات المتحدة وحدها لتعزيز الإنتاج بنسبة 30% في السنوات القليلة المقبلة.

ورغم أن عامة الناس يربطون بين البلاستيك ومواد عجائبية لإنقاذ الحياة، فإن ما يقدر بنحو 40% من إنتاج البلاستيك العالمي يستخدم لتغليف منتجات الاستخدام الواحد. بحكم التصميم، يستخدم البلاستيك بشكل مؤقت للنقل والتخزين، ثم يجري التخلص منه ببساطة.

ونتيجة لهذا فإن ما يقرب من 80% من كل البلاستيك المنتج ينتهي به المطاف إما إلى مدافن النفايات أو يُطلَق حراً إلى البيئة الطبيعية، على الرغم من سنوات من الرسائل التي تتلقاها صناعة البلاستيك لتشجيعها على إعادة التدوير.

نحن لا نفتقر إلى القدرات في مجال إعادة التدوير لإدارة البلاستيك المتداول بالفعل؛ بل ويبدو أيضاً أن إبداعات حديثة في مجال إعادة التدوير تتسبب في إحداث المزيد من الضرر للبيئة والصحة العامة، من خلال تلوث الهواء، والرماد السام، وغير ذلك من العوامل الخارجية.

من الواضح أن المناقشة التي تركز على النفايات فحسب تناسب صناعة البلاستيك. فلسنوات، كان المنتجون يستثمرون في الحملات التسويقية والإعلانية لإقناع المستهلكين بأنهم أنفسهم يتحملون المسؤولية عن أزمة البلاستيك. وكانوا هم وجماعات الضغط التي تنتمي إليهم مشغولين بإقناع الحكومات ــ بما في ذلك الحكومات المشاركة في جمعية الأمم المتحدة للبيئة ــ بأن إدارة النفايات يجب أن تكون موضع تركيزها الأساسي.

نجحت هذه الجهود حتى الآن في منع اتخاذ التدابير التي كانت لتحد من الإنتاج، وبالتالي الأرباح. عندما تنفق الصناعة مليار دولار أمريكي لإطلاق «تحالف إنهاء النفايات البلاستيكية» الذي حظي بتغطية إعلامية ضخمة، فإن هدفها الحقيقي هو الحفاظ على الوضع الراهن، وحماية استثمارها الذي يعادل 200 مليار دولار في توسيع الإنتاج على مدار السنوات الخمس المقبلة.

رغم كل هذا، تظل أسباب الأمل قائمة. كانت حركة التحرر من البلاستيك العالمية المتنامية التي تتألف من منظمات غير حكومية تعمل على إبلاغ الحكومات وممثليها حول الأضرار والمخاطر المرتبطة بالإنتاج الجديد من البلاستيك.

وفي غضون خمسة عشر شهراً مرت منذ انعقاد النسخة السابقة من جمعية الأمم المتحدة للبيئة، اجتمع فريق خبراء مفتوح العضوية مرتين لتقييم الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة البلاستيك بشكل كلي. وتشير النتائج التي توصل إليها الفريق، والتي تدعمها تحليلات جرت بتكليف من الأمم المتحدة وتقارير مستقلة، إلى فجوات كبرى ونقص في التنسيق بين الهياكل الحاكمة الحالية.

أعطت توصيات فريق الخبراء قدراً كبيراً من الزخم للضغوط من أجل إطار عالمي جديد للحد من إنتاج واستهلاك البلاستيك. وفي إطار جمعية الأمم المتحدة للبيئة المنتظرة، يدعو قرار مقترح من النرويج إلى إنشاء هياكل أقوى للحوكمة العالمية لمعالجة القمامة البحرية والجزيئات البلاستيكية المتناهية الصِغَر.

لكن الأمل يظل قائماً في أن يخدم هذا كخطوة أولى نحو إبرام معاهدة ملزمة قانوناً مع الاستعانة بنهج متعدد الطبقات لحل المشكلة.

إن إبرام اتفاقية عالمية جديدة لمواجهة أزمة البلاستيك من شأنه أن يحسن التنسيق بين الحكومات والهياكل التنظيمية القائمة، ومن شأنه أن يقدم أيضاً دعماً مالياً وفنياً إضافياً. الأمر الأكثر أهمية أن تركيزها الأساسي سينصب على منع نمو تلوث البلاستيك والإضرار بصحة البشر خلال جميع مراحل دورة إنتاجه.

نحن جميعاً لدينا الحق في العيش في بيئة صحية. لكن هذا الحق لن يكون آمناً حتى نتخذ تدابير ملزمة قانوناً للحد من إنتاج المواد البلاستيكية، وتحميل الشركات والحكومات المسؤولية عن الضرر الذي يلحقه البلاستيك بأجسامنا ومجتمعاتنا وأنظمتنا البيئية.

لن يكون تثقيف الناس حول أهمية إعادة التدوير كافياً. ونحن متفائلون بقدرة جمعية الأمم المتحدة للبيئة على إدراك هذه الحقيقة والانضمام إلى أولئك الذين يقودون بالفعل مبادرة رائدة لحماية صحة الإنسان والبيئة.

* رئيسة قسم السياسة البيئية الدولية في مؤسسة هاينريش بول.

* ناشطة عالمية مناهضة للبلاستيك، وهي تشغل منصب المنسق المؤقت لمنطقة الولايات المتحدة لحركة «التحرر من البلاستيك».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات