السكان الأصليون «كنز» عالمنا الثمين المُهدَد

صورة

يشكل السكان الأصليون عنصراً أساسياً في التنوع الثقافي والانسجام البيئي، ناهيك عن كونهم كنزاً بيولوجياً للعلماء الساعين إلى إعادة بناء التاريخ التطوري والهجرات البشرية. وأقل ما يستطيع العالَم أن يقوم به الآن هو أن يتركهم يعيشون بسلام على أرض الأجداد التي بجلوها واحترموها وحافظوا عليها لقرون من الزمن.

وقد تصدرت جزيرة نورث سينتينيل النائية التي تحف بها الشعاب المرجانية عناوين الصحف الرئيسية في أواخر العام الفائت، بعد أن انتهت رحلة لأحد رجال الدين إليها، كانت قد ارتبطت بإشكالات وقضايا كثيرة، خصوصاً وأن سكان هذه الجزيرة هم آخر مجموعة قَبَلية يعرفها العالَم تنتمي إلى ما قبل العصر الحجري. وقد سلطت مجريات رحلة ذلك الرجل وحال الجزيرة، الضوء على التهديدات التي تواجه المجموعات السكانية الأصلية في العالَم، والتي أصبحت بالفعل على وشك الاختفاء.

ربما كان أهل الجزيرة تلك، المجموعة الأكثر عزلة بين القبائل النائية المتبقية على مستوى العالَم، وهم حريصون على البقاء على حالهم. ويطلق أهل الجزيرة السهام لتحذير أي شخص يقترب من جزيرتهم، ويهاجمون أولئك من أمثال ذلك الرجل والذي قتل فيها، حين يتجاهلون تحذيراتهم.

لم تكن هذه هي الحال دائماً. فعندما اتصل الأوروبيون بسكان جزيرة نورث سينتينيل لأول مرة، وصفهم القائد البحري البريطاني موريس فيدال بورتمان في عام 1899 بأنهم «خجولون بشكل مؤلم».

وفي الحقيقة تسببت الفظائع التي ارتكبها الاستعمار في تقليص عدد السكان الأصليين على جزر أندامان، التي تضم جزيرة نورث سينتينيل، من أكثر من 24 قبيلة قبل 150 عاماً إلى أربع قبائل فقط اليوم. والواقع أن القبائل التي نجت من الإبادة الجماعية على أيدي المستعمرين لم تتمكن من النجاة إلا بفرارها إلى الأجزاء الأشد عمقاً وتحصناً في الأدغال.

بعد القضاء على الشعوب الأصلية تحت الحكم الاستعماري، انتهجت البلدان حيث لا تزال بعض قبائل منعزلة باقية ــ بما في ذلك بوليفيا، والبرازيل، والإكوادور، والهند، وبيرو ــ سياسة «عدم الاتصال» في التعامل مع هذه المجموعات. وترتكز هذه السياسة على قوانين تقضي بحماية حقوق السكان الأصليين في أرض الأسلاف والحياة في عزلة، وتعززها اتفاقية دولية تلزم الحكومات بحماية أراضي هذه المجتمعات، وهوياتها، وعاداتها العقابية، وأساليب حياتها.

وبذا فإنه من غير القانوني ــ والعقوبة هي السجن ــ أن يدخل غرباء إلى المحميات القَبَلية في الهند. ولكن، وعملياً، فإن المخاطر التي تهدد سكان جزيرة نورث سينتينيل، وكل القبائل المعزولة في حقيقة الأمر، تظل قائمة.

أياً كان الدافع فإن التواصل مع القبائل النائية يرقى إلى الحكم بإعدامها في ظل ما نشهده ويحدث، وقد تسببت الموجات الأولى من الاستعمار الأوروبي في القضاء على سكان المجتمعات الأصلية على نحو فاجع من خلال العنف وجلب أمراض معدية مثل الجدري والحصبة، والتي لا يملك السكان الأصليون أي مناعة ضدها.

في البرازيل، انقرضت ثلاثة أرباع المجتمعات الأصلية التي انفتحت على العالَم الخارجي، في حين تعاني التجمعات السكانية المتبقية من انحدار سكاني كارثي. فعلى مدار القرون الخمسة الأخيرة، انخفض إجمالي عدد السكان الأصليين من نحو خمسة ملايين إلى أقل من 900 ألف شخص، مع إقرار الحماية الدستورية لأراضي الشعوب الأصلية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بهدف وقف الانحدار.

في سلسلة جزر إندامان، من بين القبائل الأربع التي بقيت على قيد الحياة، أصبحت القبيلتان اللتان جرى دمجهما قسراً من قِبَل البريطانيين تعتمدان على المساعدات الحكومية وأقرب إلى التلاشي. والآن تبلغ نسبة المجتمعات الأصلية مجتمعة من سكان العالَم 4.5% فقط.

من المؤكد أن ترك القبائل المنعزلة على حالها لا يضمن لها البقاء. والواقع أن هذه المجموعات الفطرية الداخلية التوالد تشهد تضاؤل أعدادها بالفعل، وتواجه شبح الموت والزوال التام. لكنها قد تموت بسرعة أكبر كثيراً إذا اتصلنا بها بشكل مفاجئ، جالبين معنا مسببات أمراض حديثة لا تحمل أبدانهم أجساماً مضادة لها.

ربما تكون هذه القبائل منعزلة، لكن زوالها سيكون مصحوباً بعواقب وخيمة. فمع تبجيلها للطبيعة ــ وفهمها لها ــ تضطلع هذه المجموعات بوظيفة حراس البيئة في العالَم، فتحمي 80% من التنوع البيولوجي العالمي وتلعب دوراً بالغ الأهمية في التخفيف من حِدة تغير المناخ والتكيف معه.

عندما وقعت كارثة تسونامي المحيط الهندي في عام 2004 مات أكثر من ربع مليون إنسان في 14 دولة، لكن القبيلتين المنعزلتين في سلسلة إندامان اللتين تعتمدان على أنظمة الإنذار التقليدية، لم تتكبدا أي خسائر معروفة.

ولكن كما تؤكد وعود بولسونارو، فقد أصبحت مجتمعات السكان الأصليين مكشوفة بشكل مباشر في مواجهة قاطعي الأخشاب، وأصحاب المناجم، ومزارعي المحاصيل، ومربي الماشية، والمنقبين عن النفط، والصيادين، وغير ذلك من المتطفلين. وفي السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة وحدها، وفقاً لبيانات الأقمار الصناعية، خسر حوض الأمازون في البرازيل مساحة من الغطاء الحرجي تعادل كامل مساحة جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تحتل المرتبة الحادية عشرة بين أكبر دول العالَم مساحة.

براهما تشيلاني -  أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات في نيودلهي، وزميل أكاديمية روبرت بوش في برلين، ومؤلف تسعة كتب، منها «الطاغوت الآسيوي»، و«المياه: ساحة المعركة الجديدة في آسيا»، و«المياه، والسلام، والحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات