العملة الاحتياطية والملاذ الآمن

من يستطيع تعزيز النمو الاقتصادي السريع الحالي؟ الإجابة على هذا السؤال سوف تحدد جغرافية الازدهار في العقود القادمة، وما سيكون عليه توازن النشاط الاقتصادي العالمي في عام 2030 أو 2050.

من الواضح أن هذا التوازن سوف ينتقل جزئياً من الولايات المتحدة وحلفائها ما بعد الحرب العالمية الثانية ليتجه نحو القوى العظمى الاقتصادية الجديدة المحتملة: الصين والهند. لكن هذا التحول لن يغير النظام العالمي بالضرورة.

على الورق، قد يبدو النمو الاقتصادي بسيطاً -وهو زيادة مطردة في الإنتاجية. إن إنتاجية الاقتصاد، أو نصيب الفرد من الناتج، رهين بمخزون رأس المال، والعمالة «عدد العمال، ومستواهم التعليمي»، وبقايا مبهمة معروفة باسم «إنتاجية العوامل الكلية»، التي تشير إلى كيفية تنظيم رأس المال والعمالة.

إن الفكرة الأساسية وراء النمو الاقتصادي الحديث -التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر- أن هذا النمو يشمل بناء رأس المال المادي «المباني، والآلات، والبنية التحتية»، وتقوية مستويات التعليم، والجمع بين «عوامل الإنتاج» بطريقة تساعد على زيادة الإنتاجية. وعادة ما يساعد الابتكار التكنولوجي، سواء كان محلياً أو مستورداً.

لا توجد أسرار هنا. تنمو الدول بهذه الطريقة منذ أكثر من 200 عام. يمكنك تصميم استراتيجية النمو وفقاً لمواردك الطبيعية، مثل وفرة الفحم أو الوصول إلى البحر. يمكنك أن تنمو من خلال الاعتماد على دور أقوى للحكومة «كما هو الحال في سنغافورة» أو الاعتماد بشكل كبير على القطاع الخاص «كما هو الحال في هونغ كونغ».

فلماذا إذن وجدت العديد من البلدان صعوبة في النمو بطريقة مستدامة؟ لمدة لا تقل عن 50 سنة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كان هناك تقارب ملحوظ في الدخل الفردي. وقد حققت الدول الغنية نجاحاً اقتصادياً ملحوظاً «أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا».

في حين أن معظم البلدان الأكثر فقراً، على الرغم من بعض مراحل النمو، لم تقترب بدرجة كبيرة من مستويات إنتاجية هذه البلدان ودخلها، وقد تحققت مظاهر النمو الإيجابية القليلة نسبياً خلال السنوات الخمسين الماضية كلها في البلدان الآسيوية التي ركزت في البداية على تصدير السلع المصنعة الرخيصة، ثم تمكنت من إيجاد طرق لتحسين الجودة وتقديم منتجات أكثر تطوراً.

يمكن اعتبار اليابان أول دولة غير أوروبية تستخدم هذا المسار التنموي؛ وقد حذت كوريا وسنغافورة وهونغ كونغ وبلدان أخرى حذوها. وفقاً لتقرير حديث لمعهد ماكينزي العالمي، غالباً ما تتبع تنمية الصين نفس الخطوات بشكل عام.

يتمثل التفسير الأكثر وضوحاً في إدراك النخب في تلك الدول بأنها ستحقق نتائج جيدة من الصادرات والنمو الاقتصادي المرتبط بها. وبناء على ذلك، قامت بتقسيم السياسات، والسيطرة على الفساد، وإدارة الحكومة بشكل فعال.

ونظراً إلى البيانات الأخيرة عن الأداء الاقتصادي في جميع أنحاء العالم، أشار أرفيند سوبرامانيان، كبير المستشارين الاقتصاديين الأسبق للحكومة الهندية، وزملاؤه إلى تحقيق التقارب في الدخل الفردي على نطاق أوسع. وهذا أمر منطقي تماماً، وقد يدل على أن المزيد من النخب تفضل النمو أكثر من السابق.

قد يكون التأثير الناتج عن التجربة العملية للصين مقنعاً، فمن الممكن تنفيذ الإصلاحات اللازمة للنمو السريع مع البقاء في السلطة. قد يبدو ذلك ساذجاً، لكنه في الواقع رسالة متفائلة، على الأقل من حيث توقعات الحد من الفقر في جميع أنحاء العالم.

نتيجة لذلك، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن الصين والهند قد تتمكنان من الحفاظ على معدلات نمو سنوية تبلغ حوالي 7٪، في حين أن الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة تميل إلى نمو بمعدل 2-3٪. تشير معدلات النمو هذه إلى أن الأسواق الناشئة يمكن أن تمثل أكثر من 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي المحدد في أسعار صرف السوق بحلول عام 2030. قد تكون هناك عقبات في الطريق، لكن تحقيق التقدم لن يكون مستحيلاً.

قد يكون التأثير على النظام العالمي، مع الهيكل الحالي للمؤسسات المتعددة الأطراف «مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والعديد من المنظمات»، أخف مما يعتقد المرء. ومن الصعب إنشاء قواعد ومعايير جديدة. إذا كان النظام الحالي يسمح بالنمو، فلماذا لا نعمل ضمنه فقط؟

بالنسبة للولايات المتحدة، ما دام الدولار هو العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم والملاذ الآمن للاختيار، فإن تأثير تراجع الناتج الاقتصادي إلى المركز الثاني أو الثالث قد لا يكون ملحوظاً. في الواقع، يمكن للولايات المتحدة أن تعمل بشكل جيد كمصدر للابتكار والمنتجات الجديدة، وبيعها إلى سوق عالمية أكبر.

العوامل الرئيسية التي تقوّض إمكانيات الازدهار في الولايات المتحدة هي في الغالب نتيجة لقراراتها السياسية. فالعجز المالي غير المستدام، والسياسة التجارية غير الموثوقة، ومعدل عدم المساواة المرتفع، والبنية التحتية المُنهارة، والمدارس ذات الأداء الضعيف، وخدمات الرعاية الصحية المكلفة، كلها نتيجة اختيارات داخلية. سواء تمكن الأميركيون من معالجة هذه القضايا أم لا، فليس لذلك علاقة بالصين أو الهند.

* أستاذ في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات