مخاطر الاقتصاد الشعبوي

صورة

نادراً ما كان الاقتصاد الشعبوي ناجحاً للغاية. يعرف الاقتصاد الأميركي ازدهاراً ملحوظاً، والأسواق المالية آخذة في الارتفاع، ومن الواضح أن السياسات الحمائية لإدارة ترامب، ليس لها سوى تأثير ضئيل في معدلات النمو.

أصبح شعار المرحلة «الحروب التجارية أمر جيد» مقبولاً سياسياً، الأمر الذي يحير بعض المنتقدين. ما زال هؤلاء يصرون أن التعريفات غير مرغوب فيها بشكل عام، ولكنهم يدركون الآن أن مثل هذه التدابير، قد تكون مناسبة ومفيدة لمنع صعود الصين.

في ظل هذه الظروف، تظل أقوى حجج الشعبويين التي تكمن في الإشارة إلى أن كل تحذيرات النخبة العالمية، وخبراء دافوس العالميين، والنيوليبراليين، حول مخاطر الاقتصاد الشعبوي، غير صحيحة. لقد بالغ مؤيدو الحفاظ على العضوية البريطانية في الاتحاد الأوروبي - إثر استراتيجية «مشروع الخوف» - في تكاليف بريكسيت، لأن الاقتصاد البريطاني لم ينهَر.

لكن، بطبيعة الحال، السؤال المطروح هو، متى سيحين وقت الحساب الاقتصادي؟، وليس هل سيأتي أم لا؟. لا تقتصر الشعبوية على الوعود بتقديم المزيد لعدد أكبر من الأشخاص، لكن بدون هذه الوعود، فاٍن جميع العناصر الثقافية للشعبوية سوف تبدو قديمة ورجعية. وحتى الرجعيون لا يحبون السياسة الرجعية، إذا أساءت إلى جيوبهم.

في الولايات المتحدة، تعتمد نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، على قوة الحماس بشأن حالة الاقتصاد، والتي يجب أن تكون كافية للتعويض عن أسلوب الخطاب الانقسامي، ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بهذه المسألة، تنهار الحكمة التقليدية.

تفترض الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية، أن تعاقَب السياسات السيئة بنتائج سيئة على الفور. على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، أشار خبراء سوق السندات، إلى أن الأسواق المالية التي تتسم بالرؤية الثاقبة، تتنبأ على الدوام بالعواقب المستقبلية للسياسات الشعبوية، وتتفاعل معها من خلال تحديد المخاطر.

ووفقاً لهذا المنطق، ومع ارتفاع تكاليف الاقتراض، تفقد الحكومات الشعبوية القدرة على الوفاء بوعودها المتسرعة، وتظهر الحكمة والحقيقة في نهاية المطاف، وعادة ما يستخلص علماء الاقتصاد الذين يدرسون الشعبوية، دروساً من تجربة أميركا اللاتينية، حيث أدت الوعود القومية الكاذبة إلى عجز مالي ضخم لا يمكن تمويله.

في هذه الحالات، عملت الاقتصاديات الشعبوية على بدء دورات التضخم، وانخفاض قيمة العملة، وعدم الاستقرار، لأن الأسواق المالية العالمية والفاعلين الخارجيين الآخرين، كانوا متشككين منذ البداية.

إن المشكلة هي أن تجربة أميركا اللاتينية ليست عالمية. إن أسواق السندات ليست متوقعة، كما يعتقد الكثيرون، كما لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر رئيس للانضباط.

مثل الأسواق بشكل عام، يمكن أن يتم الاستحواذ على أسواق السندات، من خلال المنطق الشائع «أو ما يمكن أن يُطلق عليه مجازياً اسم إدارة التوقعات»، الذي يبالغ في تقدير احتمالات التوصل إلى نتيجة معينة.

لقد توقع الليبراليون في فترة ما بين الحربين العالميتين، أن الرد غير التقليدي للكساد العظيم، سينتهي بشكل مأساوي، وقد تبين أنهم ينشرون الأكاذيب، عندما لم تتحقق توقعاتهم على الفور، فقد كان رد ألمانيا في عهد هتلر على الكساد مبالغاً فيه.

لم يفوت النازيون أي فرصة للتفاخر بالسرعة التي تمكنت بها برامجهم من القضاء على البطالة، وبناء بنية تحتية جديدة. مع استمرار الحكومة الألمانية في رصد التضخم، من خلال مراقبة الأسعار والأجور على نطاق واسع، كان هناك جدل كبير حول حدوث معجزة اقتصادية.

بدا النجاح الظاهري للنازيين في دحض النظرية الاقتصادية، كأنه وهم في نظر العديد من المحللين التقليديين. لم يشاهد النقاد خارج ألمانيا سوى نظام سياسي غير أخلاقي، يسعى وراء مشروع محكوم عليه بالفشل. كانوا محقين بشأن الفساد الأخلاقي، لكنهم كانوا مخطئين بشأن الانهيار الاقتصادي الوشيك لهذا المشروع.

ففي عام 1939، نشر عالم الاقتصاد من جامعة كامبريدج، كلود جيلبو، كتاباً بعنوان «الانتعاش الاقتصادي لألمانيا»، حيث قال إن الاقتصاد الألماني قوي للغاية، ولن ينهار في حالة نشوب نزاع عسكري. كان جيلبو ذميماً للغاية.

قامت الصحيفة البريطانية «دي إيكونوميست»، معقل الليبرالية الكلاسيكية، بإدانته في مقال غير مسبوق من صفحتين، وخلصت إلى أنه حتى وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، لم يستطع إعطاء تفسير متفائل للأحداث.

كان عمله، كما يقول المحررون، رمزاً «لميل خطير بين الاقتصاديين الديمقراطيين للعب لعبة النازيين»، وقد تعرض جيلبو لانتقادات حادة من قبل علماء آخرين أكثر شهرة منه، على سبيل المثال، الخبير الاقتصادي البريطاني دينيس روبرتسون. لكن غيلبو كان محقاً في الأساس: لم يكن اقتصاد ألمانيا النازية على حافة الانهيار، وكان من الأفضل للقوى الغربية أن تبدأ في حشد الدفاع المناسب.

يعد النقاش المعاصر مشابهاً. إن سجل الاقتصاد الشعبوي في أوروبا ليس سيئاً ولا متميزاً. والأهم من ذلك أن الشعبويين اليوم استفادوا من الانتعاش العام الذي بدأ قبل وصولهم إلى السلطة،عند حلول كساد آخر، سيدركون أن سياساتهم المتهورة قد حدّت بشدة من قدرتهم على الاستجابة، عند هذه النقطة، سيقوم البعض من القادة الشعبويين في أوروبا الوسطى، باتخاذ خيارات أكثر عدوانية.

رمزياً، يمكن تشبيه الشعبوية بشخصية الكراكيز وايل اٍي. كايوتي، الذي ينتقل بشكل روتيني فوق حواف الجرف، ويستمر في المضي قدماً، في سعيه للنيل من عصفور نقار الخشب دون جدوى، مع إيمانه الكبير بمنطقه الخاص. في نهاية المطاف، يدرك أنه لا توجد أرض تحت قدميه، فيسقط. لكنه لا يقع على الفور.

في تسعينيات القرن الماضي، عندما شعرت روسيا بوطأة الإصلاحات الاقتصادية، طرح السياسي الروسي فلاديمير غيرينوفسكي السؤال التالي: «لماذا ينبغي أن نتسبب في المعاناة لأنفسنا؟ دعونا نجعل الآخرين يعانون». دائماً ما يظهر التهديد الرئيس للشعوبية القومية في أوقات الفشل. عندما تسوء الأمور، يكون السبيل الوحيد للمضي قُدُماً، هو التضحية بالآخرين.

وكما كان الحال في الماضي، عندما تتبخر أوهام النمو الحالي المريح للاقتصاد، ستعود السياسة إلى المقدمة، وقد تؤدي الحروب التجارية إلى نشر الجيوش.

 هارولد جيمس -  أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون وزميل في مركز ابتكار الحكم الدولي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات