تغيير التفويض واستهداف النمو

رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة إلى 0.75% هذا الشهر، على اعتقاد بأن التضخم سيتجاوز مستواه المستهدف عند 2% في غضون عامين تقريباً. لكن رفع أسعار الفائدة يميل إلى تثبيط النشاط الاقتصادي، والنمو ليس جامحاً في المملكة المتحدة. فهل ينبغي لبنك إنجلترا أن ينظر في تغيير تفويضه بحيث يشمل النمو الاقتصادي؟

في الولايات المتحدة، يعمل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وفقاً لتفويض مزدوج: استقرار الأسعار والحد الأقصى من تشغيل العمالة. كما رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة هذا العام، لكن الاقتصاد الأميركي ينمو بنسبة تتجاوز 4%، ومن المتوقع أن يكون الناتج المحلي الإجمالي أعلى بنحو 3% هذا العام.

في المقابل، لم يسجل اقتصاد المملكة المتحدة نمواً يتجاوز 0.2% في الربع الأول من هذا العام. وفي حين يتوقع بنك إنجلترا أن ينتعش النمو ويبلغ نحو 1.5% لهذا العام، فإنه يصف هذا المعدل على أنه «الحد الأقصى للسرعة». فالنمو الأسرع من شأنه أن يعزز الضغوط التضخمية، وفي ظل معدل بطالة يبلغ 4.2% في المملكة المتحدة ــ وهو المستوى الذي يتوافق مع التشغيل الكامل للعمالة من منظور بنك إنجلترا ــ فإن توظيف العمال يعني ارتفاع الأجور. ولأن زيادة الأسعار تمثل دالة الأجور بالإضافة إلى هامش ربح، فسوف يرتفع التضخم. والواقع أن القرار الذي اتخذه بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة على الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي يعكس قلقه بشأن هدف التضخم الذي حدده عند مستوى 2%.

ولأن الاقتصاد البريطاني نما بمتوسط 2.5% في الفترة من 1980 إلى 2007، فإن توقعات بنك إنجلترا بنمو محتمل بنسبة 1.5% تُعَد انحداراً كبيراً. والجاني هنا هو نمو الإنتاجية الهزيل، فقد حدث تباطؤ الإنتاجية في مختلف الاقتصادات المتقدمة، لأسباب ــ اتجاهات ديموغرافية سلبية، أو انخفاض الطلب على الاستثمار، أو أي عدد من تفسيرات محتملة أخرى ــ تظل غير واضحة. لكن بريطانيا هي الأشد تضرراً. ويُفضي تباطؤ النمو الاقتصادي إلى توقع انخفاض أسعار الفائدة.

لأول مرة، يصدر بنك إنجلترا تقديراً لسعر الفائدة «الطبيعي الجديد» المرجح، بما يتماشى مع توقعاته للنمو. وبدلاً من المعدل المتوسط الذي ساد خلال العقود التي سبقت الأزمة المصرفية بنحو 5%، يتوقع بنك إنجلترا الآن أن تكون أسعار الفائدة من 2% إلى 3%، وهذا يعني ضمناً سعر فائدة حقيقياً (معدل تبعاً للتضخم) أقل من 1%. ولا يتعارض هذا مع التقديرات لاتجاهات أسعار الفائدة المحتملة في اقتصادات متقدمة أخرى تشهد تباطؤ الإنتاجية، ولكن لأن بنك إنجلترا يعتقد أن الاقتصاد ينمو بالفعل بكامل إمكاناته، فقد رفع أسعار الفائدة الآن، حتى برغم أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بطيء وتشير التقديرات إلى أنه لن يتجاوز 1.7% أو 1.8% في الفترة من الآن حتى عام 2021، وهي نهاية فترة توقعاته. ولهذا السبب تبدو آخر تحركات بنك إنجلترا غريبة. أفلن تؤدي التأثيرات التي تخلفها أسعار الفائدة الأعلى على الاقتراض، والإنفاق، والاستثمار من قِبَل الأسر والشركات إلى نمو أبطأ؟

بطبيعة الحال، تؤثر السياسة النقدية على دورة الأعمال، وليس آفاق الاقتصاد الطويلة الأجل، والتي تعتمد، بين أمور أخرى، على الإبداع التكنولوجي ومهارات قوة العمل. ولهذا فإن تصرفات بنك إنجلترا لن تغير معدل نمو الاقتصاد البريطاني المحتمل. ولكن هل يعطي تفويض النمو بنك إنجلترا مهلة أكبر قبل رفع أسعار الفائدة عندما يكون النمو هزيلاً؟

لنتأمل هنا سيناريو حيث يُعطى بنك إنجلترا التفويض لتعظيم النمو الاقتصادي وتحقيق هدف التضخم عند مستوى 2%. إذا توقع صناع السياسات أن يصل التضخم إلى مستوى 2%، في حين يظل النمو الاقتصادي أقل من 2%، في غضون عامين، فيتعين عليهم أن يعملوا على موازنة القدر الذي قد يجلبه رفع سعر الفائدة من تثبيط الاقتصاد. بعبارة أخرى، ربما يمكن تلبية هدف التضخم الذي يحددونه، لكن إذا كان النمو فاتراً، فإن مواجهة المقايضة بين الهدفين ربما تُفضي إلى تقييد يد بنك إنجلترا لفترة أطول، تماماً كما يراقب بنك الاحتياطي الفيدرالي تشغيل العمالة، حتى برغم أن السياسة النقدية لا تؤثر حقاً على النمو في الأمد البعيد.

ما يجعل هذا الأمر معضلاً هو أنه من الصعب تقدير معدل النمو المحتمل لأي اقتصاد، والذي يمكن أن يتغير. وإذا ارتفع نمو الإنتاجية، فربما يمثل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.5% «السرعة القصوى» مرة أخرى. ولهذا فإن أي بنك مركزي يحمل تفويض النمو ربما يتوخى قدراً أكبر من الحذر في حال تسببت تصرفاته في تثبيط النشاط الذي ربما كان ليزيد الناتج الوطني إلى معدله الجديد المحتمل.

سبب آخر ربما يدفع بنك إنجلترا إلى النظر في تفويض يتضمن النمو الاقتصادي هو ضعف العلاقة بين التضخم وبقية الاقتصاد. بعبارة أخرى، على النقيض من الماضي فإن نمو الأسعار لا يرتبط بشكل وثيق بالبطالة أو الناتج. على سبيل المثال، كان التضخم مرتفعاً في أعقاب أزمة 2008، ما يشير إلى أن اقتصاد المملكة المتحدة كان مزدهراً عندما لم يكن مرتفعاً؛ وكانت البطالة مرتفعة إلى حد ما أيضاً. وكانت الأسعار في ارتفاع لأن الجنيه الإسترليني كان ضعيفاً، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات، وكانت أسعار النفط العالمية مرتفعة.

خلال هذه الفترة، أخطأ بنك إنجلترا غالباً هدف التضخم، ما أثار انتقادات مفادها أن الهدف لم يكن فعّالاً. لكن السبب وراء عدم رفع أسعار الفائدة كان واضحاً: إذ كان الاقتصاد يحاول التغلب على آثار الركود العظيم. ومع اعتبار النمو الاقتصادي جزءاً صريحاً من تفويضه، يصبح بوسع بنك إنجلترا أن يفسّر تصرفاته على نحو أفضل في مثل هذه الظروف ــ ويصون بشكل أفضل مصداقية التزامه باستقرار الأسعار.

ربما كان استهداف استقرار الأسعار وحده ناجحاً عندما كان التضخم وكيلاً أكثر جدارة بالثقة لدورة الأعمال. لكن الأمر لم يعد كذلك الآن، ولهذا ينبغي لبنك إنجلترا ــ وربما بنوك مركزية أخرى ــ أن ينظر في تغيير التفويض لاستهداف النمو أيضاً.

 

* زميلة الاقتصاد في سانت إدموند هول في جامعة أكسفورد، وأستاذة الاقتصاد في كلية لندن لإدارة الأعمال. وهي مؤلفة كتاب «عظماء الاقتصاد».

opinion@albayan.ae

تعليقات

تعليقات