علاقة محسوبة وتبادلية

صورة

قيل إن هارولد براون وهو وزير الدفاع الأميركي إبان فترة حكم الرئيس جيمي كارتر قد وصف سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بهذه العبارات: «عندما نبني هم يبنون وعندما نتوقف عن البناء، هم يبنون».

إن وضع العلاقات الحالية مع باكستان حسب المنظور الأميركي يشبه ذلك القول إلى حد كبير فعندما ندعم باكستان، هم يقومون بأشياء لا نحبها وعندما نعاقب باكستان، هم يقومون بأشياء لا نحبها.

إن الماضي حسب المنظور الباكستاني يتألف في معظمه من قصص الخيانات المتعددة حيث تقوم الولايات المتحدة بالاقتراب من باكستان لفترة ما ومن ثم تقطع المساعدات عنها عندما يحين الوقت المناسب حسب ما يراه القادة الأميركان. فعلى سبيل المثال قامت الولايات المتحدة الأميركية بتسليح المتمردين الذين قاتلوا السوفييت في أفغانستان المجاورة في الثمانينيات ولكنها تخلت عن المنطقة بعد وقت قصير من الخروج العسكري السوفييتي سنة 1989، ولكن هذا الطرح الباكستاني يتعمد إغفال نقطة أن تطوير باكستان للأسلحة النووية والذي شكل انتهاكا للقانون الأميركي هو الذي استلزم سحب المساعدات.

لقد تم استئناف معظم المساعدات الأميركية في السنوات اللاحقة ولكن انعدام الثقة المتبادل بقي وهذا يعود جزئيا إلى أن الأب الروحي للبرنامج النووي الباكستاني (من المحتمل بمعرفة الحكومة) عمل على مساعدة البرامج النووية لليبيا وكوريا الشمالية وإيران وتشجيعها.

لقد تحسنت العلاقات بين البلدين بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر حيث وجهت إدارة الرئيس جورج بوش الابن إنذارا نهائيا للحكومة الباكستانية وهو الاختيار بين علاقتها مع الولايات المتحده الأميركية وعلاقتها مع طالبان والتي فتحت الأراضي الأفغانية للقاعدة. لقد وعدت الباكستان بأن تكون شريكة في الحرب على الإرهاب حيث تمت مكافأتها سنة 2004 عندما تم اعتبارها «حليفا رئيسيا من خارج حلف الناتو» ما أهل باكستان للحصول على بعض من أكثر المعدات والتقنيات العسكرية تطورا.

واليوم هناك رئيس أميركي آخر يشعر بالإحباط من باكستان، ولكن عوضا عن إبلاغ الرسالة خلف الأبواب المغلقة في واشنطن أو إسلام أباد، اختار دونالد ترامب أن يقول وبشكل علني «إن الولايات المتحدة قد قدمت بغباء لباكستان أكثر من 33 مليار دولار أميركي على شكل مساعدات خلال السنوات الخمس عشرة المنصرمة ولم يقدموا لنا شيئا بالمقابل سوى الكذب والخداع، وكأنهم يعتقدون أن قادتنا هم مجموعة من الأغبياء. لقد قدموا الملاذ الآمن للإرهابيين الذين نقوم بمطاردتهم في أفغانستان بدون مساعدة تذكر، إن هذا يجب أن يتوقف».

لو سألوني - علما أنه لم يتم سؤالي - لكنت قد أوصيت بنقل مثل هذه الرسالة من خلال القنوات الدبلوماسية لأن النقد العلني والمشحون سيصعب الأمر على باكستان لتغيير مسار سياستها- على افتراض أن ذلك هو الهدف الأميركي - خشية أن ينظر إليها كدولة عميلة، كما لكنت عارضت كذلك قطع العلاقات الأمنية وأيدت ربط الدعم الأميركي بأفعال باكستانية محددة.

إن الخطأ الكبير الذي ارتكبته الولايات المتحدة الأميركية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر هو التعامل مع باكستان وكأنها دولة حليفة لأنه مع الدول الحليفة فإن من الممكن الافتراض أنه هناك درجة كبيرة من تداخل السياسات ولكن مع باكستان لا يوجد مثل هذا الافتراض.

تمتلك باكستان واحدة من أسرع الترسانات النووية نمواً، وهي موطن بعض من اكثر الإرهابيين خطورة على مستوى العالم (بما في ذلك ولبعض الوقت أسامة بن لادن) وكما ذكر ترامب فهي توفر الملاذ لطالبان والتي تفعل ما بوسعها لزعزعة الإستقرار في أفغانستان. إن السياسة الباكستانية لا تهدد خمسة عشر عاما من الجهود الأميركية في أفغانستان فحسب ولكن أيضا حياة الآلاف من الجنود الأميركيين الذين ما زالوا متمركزين هناك.

لكن حتى علاقة محسوبة وتبادلية بشكل أكبر لن تؤدي إلى جعل الولايات المتحدة الأميركية أقرب لباكستان وهي دولة ديمقراطية، وذلك نظرا للهيمنة السياسية للأجهزة العسكرية والاستخباراتية فيها. فباكستان تريد أن تلعب طالبان دورا مهيمنا في أفغانستان وهذا شيء لا تريده الولايات المتحدة الأميركية لأسباب عديدة.

بالإضافة إلى ذلك قامت الولايات المتحدة الأميركية في السنوات الأخيرة بتعزيز علاقاتها مع المنافس الرئيسي لباكستان الهند، علماً أن الكثير من الزخم الاقتصادي والاستراتيجي اليوم يعزز من تلك العلاقة. لقد أصبحت الصين وبشكل متزايد الحليف الطبيعي لباكستان وهي تستثمر بالفعل وبشكل مكثف في البنية التحتية الباكستانية، كما أصبحت مصدرا رئيسيا للمعدات العسكرية. إن الصين كذلك تشعر بالقلق من الهند والتي ستتفوق عليها قريبا في حجم السكان كما أصبحت منافسا اقتصادياً واستراتيجياً لها، علما أن هناك نزاعات حدودية بينهما.

يجب أن يستمر الدعم الاقتصادي والإنساني بالتدفق على باكستان ولكن بمراقبة لصيقة لكيف تنفق تلك الأموال. فربما بعض التعاون المحدود في مواجهة الإرهاب في أفغانستان قد يكون ممكنا، وحتى نقلل من فرصة نشوب حرب بين الهند وباكستان، يتوجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تستمر في العمل مع الهنود والباكستانيين لتقوية علاقتهم (والتي لا تزال أقل تطورا بكثير مقارنة بالعلاقات الأميركية السوفييتية في ذروة الحرب الباردة).

ربما سيكون من المنطقي بالنسبة لباكستان أن تصبح جزءا اعتياديا من الأجندة الأميركية الصينية. فالولايات المتحدة الأميركية والصين تناقشان سيناريوهات مختلفة على شبه الجزيرة الكورية تتعلق بقواتهما والأسلحة النووية وانعدام الاستقرار المحلي. إن إجراء محادثات تتعلق بكيفية تجنب حدوث أزمة تضم باكستان وكيفية إدارة مثل تلك الأزمة في حال فشلت الوقاية هي أيضا مسألة ملحة كذلك.

ريتشارد ن هاس -  رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية

 

تعليقات

تعليقات