إنقاذ أميركا من الإصلاح الضريبي - البيان

إنقاذ أميركا من الإصلاح الضريبي

صورة

كانت الفرصة سانحة للرئيس الأميركي دونالد ترامب والجمهوريين في الكونغرس للاضطلاع بالمسؤولية المتمثلة في إصلاح قانون الضرائب الأميركي، لمعالجة ثلاثة تحديات اقتصادية رئيسية: تباطؤ النمو، واتساع فجوة التفاوت، وأزمة مالية تلوح في الأفق.

ومن المؤسف أنهم تخلوا عن مسؤوليتهم بإقرار مشروع قانون أهدر هذه الفرصة، ففي وقت حيث ارتفع الدين العام في الولايات المتحدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي فعلياً إلى مستوى ما بعد الحرب، فإن هذا التشريع من شأنه أن يضيف من 1.5 تريليون دولار إلى 2.2 تريليون دولار إلى العجز خلال السنوات العشر المقبلة.

من المؤكد أن التخفيض الكبير لمعدل ضريبة الشركات كان مستحقاً منذ فترة طويلة. ومن المرجح أن يعمل التشريع على تحفيز الاستثمار وتشجيع الشركات المحلية والأجنبية على ممارسة الأعمال في الولايات المتحدة، ولكن بأغلبية ساحقة، يتوقع خبراء الاقتصاد أن تكون الزيادة في معدل النمو أقل كثيراً من المكاسب السنوية بمقدار نقطة مئوية واحدة (أو أكثر) التي روجت لها دعاية ترامب ومستشاريه الاقتصاديين الصاخبة.

وعلاوة على ذلك، لا توجد أدلة معقولة تدعم إعلان إدارة الرئيس ترامب بأن الفوائد المتقاطرة إلى الأسفل والمترتبة على النمو السريع سوف تعمل على «زيادة متوسط دخل الأسر في الولايات المتحدة، وبتقدير متحفظ للغاية، بنحو 4000 دولار سنوياً».

وتُظهِر مجموعة كبيرة من البحوث الاقتصادية أن 20% إلى 25% على الأكثر من الفوائد المترتبة على تخفيض ضرائب الشركات سوف تذهب إلى العمالة، أما البقية فسوف تذهب إلى حاملي الأسهم، ونحو ثلثهم من الأجانب. وسوف يكون أكبر المستفيدين أولئك المنتمون إلى أعلى 1% دخلاً بين الأسر المحلية والتي تمتلك نحو نصف الأسهم الجارية.

ولا يوجد من الأدلة ما قد يدعم زعم الإدارة بأن التشريع سوف يغطي تكاليفه ذاتياً فكما يعلم كثيرون من أولئك الذين صوتوا لصالحه، سوف تحقق المكاسب المتوقعة نحو ثلث الإيرادات المفقودة على الأكثر، ولكنهم يمارسون لعبة هازئة، فمن خلال خفض العائدات الآن، يصبحون في موقف يسمح لهم بتبرير خفض الخدمات التي يستفيد منها الأميركيون من الطبقتين الدنيا والمتوسطة على طول الطريق- وكل هذا باسم «المسؤولية المالية» و«إصلاح الاستحقاقات».

الأسوأ من ذلك أن التشريع الضريبي عامر بالفقرات التي من شأنها أن تزيد بشكل كبير من التفاوت وأن تحد من الحراك الاقتصادي والاجتماعي، فمن خلال خفض المعدل الأعلى لضريبة الدخل، ومضاعفة العتبة التي تخضع عندها التركات للضريبة، وخفض الضرائب على الأعمال العابرة، يرقى التشريع إلى صدقة توزع على الأثرياء، ويتحمل تكاليفها أبناء الطبقة المتوسطة والأجيال المقبلة.

كما يعطي التشريع الأولوية للاستثمار في رأس المال المادي والمالي، وليس ما تحتاج إليه الولايات المتحدة حقاً: المزيد من الاستثمار في رأس المال البشري والتعلم مدى الحياة لمساعدة العمال والمجتمعات في التكيف مع التأثيرات المعطلة الناجمة عن انتشار الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

وبدلاً من توسيع الإعفاء الضريبي للدخل المكتسب لتشجيع العمل، يفرض التشريع لأول مرة في التاريخ الأميركي على دخل العمالة معدلا ضريبيا أعلى من ذلك، الذي يفرضه على الدخل المكتسب من قِبَل أصحاب الأملاك والشراكات، إضافة إلى هذا، يشكل التشريع هجوماً حزبياً وقحاً على الولايات والمدن الديمقراطية.

على سبيل المثال، يفرض مشروع القانون حداً شاملاً على اقتطاعات الرهن العقاري، وهو ما من شأنه أن يخلف تأثيراً سلبياً غير متناسب على الناس الذين يعيشون في المعاقل الديمقراطية التي تتسم بارتفاع التكاليف مثل نيويورك وكاليفورنيا. يبلغ سعر المسكن المتوسط في سان فرانسيسكو حالياً 1.5 مليون دولار، وفي كنساس، وهي ولاية جمهورية يمكن التعويل عليها، يهبط السعر إلى نحو 187 ألف دولار.

وإن لم يكن هذا سيئاً بما فيه الكفاية، يعاقب مشروع القانون عمداً الولايات التي تفرض ضرائب أعلى مثل كاليفورنيا ونيويورك، من خلال تحديد سقف للخصم الفيدرالي على الضرائب العقارية وضريبة الدخل المحلية في الولاية. ومن عجيب المفارقات أن هذا الشرط من شأنه أن يلحق الضرر بالنمو، من خلال زيادة معدل الضريبة الهامشية على الملايين من العمال .

الواقع أن أغلبية الأميركيين يدركون بالفعل أن قانون الضرائب معيب تماماً وعامر بالوعود الكاذبة. وبعد فشلهم في إلغاء قانون الرعاية الميسرة «أوباما كير»، ألقى الجمهوريون في الكونغرس بحزمة ضريبية معقدة من شأنها أن ترضي مانحيهم الأثرياء، ولكنها تخيب رجاء كثيرين من ناخبيهم.

ونظراً لعدم شعبية القانون الضريبي، فسوف يكون من المثير للاهتمام أن نرى ما سيحدث في انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس في شهر نوفمبر من عامنا هذا.

في هذه الأثناء، يتعين على الفيدراليين التقدميين في الولايات والمدن التي تتطلع إلى المستقبل أن يشرعوا في العمل على التقاط قطع الحطام التي تخلفها الحكومة الفيدرالية في أعقابها. ولننتظر هنا الطرق العديدة التي ستنتهجها الولايات لإعادة توجيه أنظمتها الضريبية بعيداً عن ضرائب الدخل، ونحو الضرائب العقارية وضرائب المبيعات، بما في ذلك على الخدمات، والتي تمثل أكثر من 70% من النشاط الاقتصادي ولكنها كانت تقليدياً خاضعة لضريبة خفيفة على مستوى الولايات والمحليات.

في بعض الولايات، ربما نستمع حتى إلى أحاديث عن إعادة تصنيف الضرائب المفروضة في الولاية حتى تصبح مؤهلة كتبرعات خيرية يمكن خصمها من الضرائب. وعلى نحو مماثل، اقترح بعض المراقبين الاستعاضة عن ضرائب الدخل التي تفرضها الولايات بالضرائب على المرتبات والتي يمكن لأصحاب العمل خصمها على المستوى الفيدرالي.

ولنتأمل هنا أيضاً الزيادات الكبيرة في التمويل الموجه نحو الناتج على مستوى الولايات والمحليات للجهود الرامية إلى الحد من التشرد فضلاً عن إصلاح نظام العدالة الجنائية.

ونظراً لمعدلات ضريبة الدخل الهامشية المرتفعة في ولاية كاليفورنيا والقيود المفروضة على الضرائب العقارية السكنية هناك، فمن المرجح أن تكون الولاية في طليعة الابتكار المالي.

وبالفعل بدأت مقترحات إصلاحية متعددة تنتشر، بما في ذلك مبادرة الاقتراع لتعديل الاقتراح الثالث عشر الذي من شأنه أن يخفف إلى حد كبير القيود الحالية المفروضة على الضرائب العقارية التجارية، وفي ظل سيطرة الديمقراطيين الكاملة على حكومة الولاية، فيكاد يكون من المؤكد أن الولاية سوف تتبنى بعض التدابير لإبطال القانون الفيدرالي.

من جانبه، وَصَف حاكم ولاية كاليفورنيا جيري براون تشريع الجمهوريين بأنه «فُحش ضريبي». وهو محق: فهي سياسة مروعة، فقد عمدت دول أخرى خفضت الضرائب المفروضة على رأسمال الشركات المنقول إلى تغطية تكاليف التخفيضات من خلال زيادة ضريبة القيمة المضافة والضرائب على الكربون، والأرباح، والمكاسب الرأسمالية، والتركات.

وفي المقابل، اختار الرئيس ترامب والجهوريون خفض الضرائب المفروضة على كل من الشركات ومالكيها، في حين أحدثوا ثغرة لا يمكن تحملها في الميزانية الفيدرالية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم التفاوت، وفرض أعباء جديدة على الأجزاء الأكثر إنتاجية في البلاد. بيد أن الضرورة أم الاختراع. ومن منظور الفيدراليين التقدميين في المدن والولايات الأميركية- مختبرات الديمقراطية- أصبح من الضروري الآن أكثر من أي وقت مضى تكثيف الجهود وتوظيف الإبداع.

ليني مندونكا -  رئيسة مجلس الرئيس الأميركي للمستشارين الاقتصاديين سابقاً، وأستاذة في كلية هاس لإدارة الأعمال في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكبيرة مستشارين لدى مجموعة روك كريك

لورا تايسون -  كبير زملاء معهد بريسيدو، وكبيرة الشركاء الفخريين في ماكينزي آند كومبني

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات