ماكرون والطريق الثالث

لقد كانت التكنوقراطية سمة أساسية من سمات التكامل الأوروبي منذ البداية. وكان جان مونيه، الخبير الاقتصادي الفرنسي الذي يعتبر أحد مؤسسي الاتحاد الأوروبي المعاصرين، معروفًا بقدرته على تحويل الصراعات السياسية الكبيرة إلى قضايا تقنية أصغر. وقد أثبتت هذه الطريقة نجاحاً رائعاً خلال فترة ما بعد الحرب حيث ساعدت في إعادة الإعمار الأوروبي، وسمحت للدبلوماسيين والمسؤولين من مختلف البلدان بتجاوز الخلافات الوطنية أو الاستياء المستمر ومعالجة المشكلات الأكثر إلحاحاً في القارة.

لكن على مر السنين، خرجت مناقشات سياسة الاتحاد الأوروبي عن نموذج مونيه؛ حيث تهدف تلك المناقشات حاليًا إلى الانفصال عن السياسة الوطنية تمامًا مدفوعة بقدرٍ كبير بمنطق مؤسسات الاتحاد الأوروبي حسب احتياجات الدول الأعضاء، وقد ساهمت هذه الاتجاهات مجتمعة في فرض تصور واسع الانتشار بأنه لا توجد أشكال بديلة لحوكمة الاتحاد الأوروبي، وأن أوروبا تحكمها نخب لا تهتم بمصالح الشعب.

لذلك نجد الكثير من قادة الاتحاد الأوروبي راضين عن انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسًا لفرنسا، أملاً في أن يعيد المشروع القديم إلى الحياة من جديد بدلاً من نبذ الماضي تمامًا. ولتحقيق التغيير الحقيقي سيتعين على ماكرون تجاوز النموذجين السياسيين المتناقضين «التكنوقراطية والشعبوية».

إذا كان ماكرون سيسعى لتنفيذ وعده بعدم انحيازه إلى التكنوقراطيين أو الشعبويين فهو سيتبنى طريق ثالث صادق وحقيقي، علماً أن ذلك المصطلح يتم استخدامه بطريقة مبالغ بها. لكن ماكرون يمكن أن يصبغه بمعنى جديد إذا تمكن من الجمع بين الخيارات الكاذبة بدلا من قبولها، وسيتعين عليه سد الفجوة الجغرافية في الاتحاد الأوروبي، ووضع نفسه كشخص موالٍ لأوروبا ووطني في الوقت نفسه، ومؤيد للانفتاح والحمائية ويدعم النمو والقيود المالية.

 مارك ليونارد  - مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات