المحاربات الورديات.. 4 قصص ملهمة تهزم المرض بحب الحياة (4- 4)

أصيبت بالخبيث في سن الـ29 وهزمته في الـ45

صور النساء المحاربات وكلماتهن المشعة بالأمل والحياة، ظلت عالقة في بالي، وبينما أفكر بإرادتهن الحديدية أطلت واحدة منهن، وبدت وهي قادمة من بعيد، برشاقة جسمها الذي اكتسى باللون الوردي، كأنها فراشة تطير بلا هوادة. هي غدير كنا، (45 عاماً) سيدة سودانية تنقلت بين أميركا ودبي، وهي تعمل الآن اختصاصية استراتيجيات وسياسات حكومية، في دبي. نتعرف إلى هذه البطلة بحق، وقصتها المؤثرة.

تقول غدير: «تجربتي مختلفة بعض الشيء فأنا مصابة بالمرض منذ سنوات طويلة، كان عمري حينها 29 عاماً، عندما كنت في كاليفورنيا، ولم يخطر ببالي أبداً أن أكون مصابة فأنا امرأة رياضية بامتياز، وأحرص على تناول الطعام الصحي، لم يكن من السهل التعايش مع شيء قاتل استحل جسمي، فالأورام كانت منتشرة في الثدي، ومع مرور السنوات تطورت الحالة من نوع حميد إلى خبيث، إلى أن دخل الغدة اللمفاوية».

تعود لتصف مواقف لا يمكن للذاكرة نسيانها، وأهمها: «لا يمكن للشخص العادي أن يشعر بشعور المريض، وأذكر عندما عرفت أنني مريضة توقف الزمن ولدقائق شعرت أنني غبت عن الوعي، وشل تفكيري تماماً، وامتلئ قلبي بشحنات من الخوف، وأكثر شيء فكرت فيه هم أمي وعائلتي، التي تعيش في السودان، وأنا كنت بعيدة عنها لسنوات، اتصلت بأمي وقلبي يرتعش يا ترى ماذا سأقول لك أمي الحبيبة! وفور محادثتي لها ومصارحتها، ردت علي وقالت (لا حول ولا قوة إلا بالله) ثم أتبعتها بجملة ثانية (احجزي لي في أقرب طائرة)، ومن ذلك الوقت وأمي لم تفارقني أبداً».

هي رحلة طويلة من العلاج، تتالت فيها مواقف وعبرات ومشاهد لا تنسى، خاصةً في المرحلة التي تلي العلاج الكيمائي، تضيف: «تعالجت في أكثر من مستشفى على مدار سنوات، وآخرها كان مستشفى توام في مدينة العين، حيث طلب مني إجراء الاختبارات مرتين، للتأكد من الحالة، وتشخصيها من جديد، وكانت شراسة السرطان غير متوقعة إذ ازدادت الأورام، الأمر الذي جعل الأطباء يستعجلون بإجراء العلاجات اللازمة، وحين أعيد شريط المواقف خاصة بعد تعاطي العلاج الكيميائي، شعرت بمشاعر مأساوية، قاسية، لا تحتمل، خاصةً عندما يسري مفعول الدواء ويبدأ الشعر بالتساقط، وفي هذه اللحظات بالذات، لم أفكر بشيء سوى بكلمة أحبك، أحبك أمي، أحبك أبي، أحبكم أخوتي وأخواتي، أقاربي وصديقاتي، تمنيت لو يقدر لي الشفاء لأعبر عن الحب بصدق وتواصل بشكل كبير، لكل من حولي، فالحياة غالية جداً ولا تحلو من دون من نحبهم».

تتابع: «أدرك أننا جميعاً سنموت كلاً في يومه، هذا قدر مكتوب، لكن يبقى الشخص متعلقاً بالحياة حتى آخر نفس فيه، أشياء كثيرة أود تقديمها لكل أحبابي، بالتعبير من القلب، والتقدير حتى لو ببضع كلمات مثل: صباح الخير أمي، كيف والدي، أنا هنا إلى جانبكم، وأحبكم. مع المرض بدأت شخصيتي تتغير للأفضل فقد ازددت تعلقاً بكل أحبابي، خاصةً أنني عشت سنوات طويلة لوحدي وبعيدة عن أهلي، وبالرغم من أنني كنت أتصل بهم، لكن المرض جعلني أحب، وأسامح، وأتغاضى عن كل من أساء لي، وأبدأ مع نفسي ومع من حولي قصص من الحب التي تستحق أن نعيشها ونحيا بها ولها بدون أية منغصات تذكر، فنحن لا نحيا الحياة إلا مرة واحدة، وهذا يكفي».

مع كل موقف وحدث تستذكره تتوقف بين سطوره، لتقول «أمي كم أنت قوية»، «أحبك أمي» بالصبر والحب تغلبت غدير على مرضها، ويداً بيد تحولت الصدمة الكبرى مع مرور الوقت إلى تحدً كبير لقهر المرض، والتغلب عليه، وتكمل حديثها: «بكيت كثيراً لكن أمي لم تبك إلا مرة واحدة، وعلى طول السنوات كانت تراني فتاتها الجميلة، وابنتها القوية التي لم يتغير شكلها، والواقع عكس ذلك، فلم أكن أنا وطرأت تغييرات كثيرة، فقدت شعري وازداد وزني وظهرت بقع سوداء على جلدي، والآن وأنا قد تعديت الأربعين من عمري لم أيأس وتبدلت لحظات الخوف لفرح كبير، والمرارة التي كانت تمر علي وكأنها جبال من السنوات الصعبة بفضل من الله تحولت إلى فرح بألوان الطيف».

وتنهي حديثها: «أتمنى أن تكون قصتي مصدر إلهام لغيري من النساء في محاربة المرض القاتل، الذي أصبح من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين السيدات على مستوى العالم، وأقول لكل امرأة عانت لحظات المرض الصعبة: أنت الأجمل بإرادتك القوية، وحاولي أن تقفزي بعزيمتك بكل إصرار، وتمسكي بالحياة، واكسري كل القيود لأنك حرة وستبقين كذلك».

تعليقات

تعليقات