زواج الأقارب وإهمال فحص المواليد وبعض الأدوية أهم عوامل الخطورة

الأمراض الجينية والوراثية معاناة صحية ونفسية ومادية تثقل كاهل الأسر

لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

تشكل الأمراض الجينية والوراثية معاناة صحية ونفسية ومادية تثقل كاهل أسر المصابين، فيعيش الطفل المصاب بأحد هذه الأمراض ما بين ألم مستمر، واحتياج لرعاية طبية فائقة، وتأهيل في مراكز طبية وتعليمية متخصصة.

مئات الأمراض الوراثية يحملها بعض الآباء في أجسادهم، من دون أن يعانوا آثار تلك الأمراض، ولا يشعرون بأية أعراض أو مضاعفات لها، لكنهم يورثونها لأبنائهم، ليولدوا مصابين بأمراض مزمنة وخطرة وإعاقات تعذبهم في حياتهم.

العديد من الدراسات العالمية، وتلك التي تم إجراؤها في الدولة، بينت أن زواج الأقارب يأتي في مقدمة أسباب الأمراض الجينية والتشوهات الخلقية.

من جانبها، أوضحت الدكتورة فاطمة البستكي، استشارية أمراض الأطفال والوراثة الإكلينيكية في مستشفى لطيفة، أن بعض التشوهات الجينيّة تحدث خلال نموّ الجنين وتطوّر أعضائه في رحم والدته، ما قد يؤثر في شكل الأعضاء المختلفة أو عملها، كما قد تؤثر في التطورات الجسميّة والعقليّة للجنين، وفي الغالب تحدث هذه التشوّهات خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، وتُعرف هذه التشوّهات بالعيوب الولاديّة أو التشوّهات الخِلقيّة.

وأشارت إلى أن عيادة الأمراض الوراثية في مستشفى لطيفة تستقبل أكثر من 400 حالة سنوياً لأسر لديها أكثر من طفل مصاب بذات المرض الوراثي.

وتابعت: هناك العديد من الأطفال الذين يولدون سنوياً في مستشفيات الدولة يحملون أمراضاً ورثوها عن آبائهم، تبدأ من أمراض الدم، وتتنوع ما بين تشوهات وأمراض تسبب التشوه والموت المبكر، لافتة إلى أن قائمة الأمراض الوراثية التي يحملها المواليد في الدولة طويلة، وكثير منها يصاب بها الأطفال نتيجة لجهل الآباء، أو إهمالهم في فحص مواليدهم، أو بسبب زواج الأقارب المنتمين إلى عائلات ظهرت فيها أمراض وراثية.

كما أكدت الدكتورة البستكي أن بعض الأمراض الوراثية يحملها الوالدان في جيناتهما بصورة متنحية، ولا تظهر عليهم أية أعراض، لكن عند الحمل ينتقل المرض إلى بعض المواليد، بنسبة إصابة تقدر بـ25% في كل حمل، وأكثر الأمراض الوراثية شيوعاً في الإمارات عن طريق الصفة المتنحية هي أمراض الدم المنجلية، والثلاسيميا، والأمراض التي تسبب خللاً في عمل الأنزيمات، ما يحوّل بعض الأغذية في الجسم إلى سموم قاتلة.

والنوع الثاني من الأمراض الوراثية يحملها أحد الوالدين بصفة سائدة في الجينات، وهي تصيب الأجنة بنسبة 50% في كل حمل، مثل «متلازمة مارفان» التي تسبب طولاً شديداً في القامة والأطراف وأمراضاً قلبية، والتقزم. أما النوع الثالث من تلك الأمراض فيكون عن طريق بعض الكروموسومات مثل الكروموسوم «اكس الهش»، الذي يتسبب في إصابة المولود بعرض التوحد والإعاقة الذهنية.

ويعيش الطفل المصاب بأحد هذه الأمراض سنوات عمره القصيرة، في عذاب دائم، ما بين ألم مستمر، واحتياج لرعاية طبية فائقة، وتأهيل في مراكز طبية وتعليمية متخصصة. ويصبح هذا الطفل، دون ذنب منه، سبباً في شقاء وعناء والديه وأشقائه، الذين تنحصر حياتهم بين البيت والمستشفى.

وقالت الدكتورة فاطمة البستكي: إلى جانب ألم الطفل ومعاناة أسرته، تتسبب الأمراض الوراثية والجينية في أعباء مالية كبيرة، فالطفل الواحد يحتاج إلى عشرات الآلاف من الدراهم لعلاجه ورعايته شهرياً، وتتحمل الجهات الصحية الحكومية نفقات علاج الأطفال المواطنين، بينما يبحث مقيمون عن جمعيات ومؤسسات خيرية تسدد بعض تلك النفقات، التي لا يستطيع تحملها أي موظف.

وأوضحت أنّه يمكن الكشف عن التشوّهات الجنينيّة خلال الحمل، أو عند الولادة، أو خلال السنوات الأولى من حياة الطفل، وفي الحقيقة يوجد العديد من الأنواع للتشوّهات الجنينيّة قد تصل إلى أربعة آلاف نوع، منها أنواع بسيطة، ولا تحتاج إلى أي نوع من أنواع العلاج، بينما توجد بعض الحالات الشديدة والخطرة التي تحتاج إلى علاجات طبيّة أو جراحيّة.

وأضافت أنّ التشوهات الجنينية قد تُسبّب للطفل الإعاقة البدنيّة أو العقليّة، إضافة إلى الموت في بعض الأحيان، مشيرةً إلى أنه يولد 3 أطفال بهم عيوب خلقية لكل 100 حالة ولادة، ويُعتقد أن هذا الرقم يتضاعف في المجتمعات التي يكثر فيها زواج الأقارب.

أسباب بيئية

وبيّنت الدكتورة البستكي أسباب تشوهات الجنين، وأنه بالرغم من عدم معرفة سبب حدوث مُعظم حالات التشوّهات الخَلقيّة، هناك عوامل وراثيّة، نظراً إلى أنّ الجنين تتحدّد صفاته وخصائصه المميّزة عن طريق الكروموسومات أو الصّبغيات الوراثيّة الموجودة على شكل أزواج في جميع خلايا الجسم؛ إذ يأخذ الجنين أحد الكروموسومات التي تحمل الجينات الوراثيّة من والدته والآخر من والده، وفي حال حدوث خلل ما في عمليّة توريث الكروموسومات للجنين خلال الحمل، يسبب حدوث تغيّرات في عددها أو تلفها، أو حدوث طفرات جينيّة فيها، أو في حال تمّ نقل جين مَعِيب يُسبب مرضاً مُعيّناً من كلا الأبوين، فهذا يُؤدّي إلى التشوّهات الخِلقيّة، أما فيما يتعلق بالأسباب البيئيّة، فهناك مجموعة واسعة من العوامل البيئيّة التي قد تسبّب التشوّهات الجنينيّة إذا تعرّضت الأم لها خلال الحمل.

ومن أهمّها الإصابة بالعدوى في حال أُصيبت الأم خلال الحمل بالحُميراء أو الحصبة الألمانيّة، أو الجدري، فهذا قد يؤدّي إلى حدوث التشوهات الخِلقيّة، ويعتمد نوع التشوه الناتج عند الجنين على وقت الإصابة بالعدوى خلال الحمل، إذ تتسبّب الإصابة بعدوى الحُميراء في الأسبوع السادس من الحمل إلى إعتام عدسة العين، بينما تُسبّب الصمم في حال الإصابة بها في الأسبوع التاسع، وهذه الأنواع من العدوى نادرة الحدوث بسبب تلقّي اللقاحات الخاصّة بها مُسبقاً.

وأضافت أن الحالة الغذائية للحامل مهمة خلال فترة الحمل لتفادي حدوث التشوّهات الجنينيّة، إذ يتسبّب نقص حمض الفوليك إلى زيادة احتمالية حدوث عيوب الأنبوب العصبي، أمّا زيادة تناول فيتامين (أ) فقد يؤثّر سلباً في النموّ والتطوّر الطبيعي للجنين.

كما أن التعرّض للإشعاع يُشكّل خطراً على الحمل، خاصّةً خلال الأشهر الثلاثة الأولى منه، إذ من الممكن أن يُؤدّي إلى الإصابة بصغر حجم الرأس، أو السنسنة المشقوقة، أو العمى.

وأضافت أنه يجرى مسح على المواليد الجدد، لـ ‬16 مرضا، الأكثر شيوعا في الإمارات، موضحة أن فحص الأمراض الوراثية يجرى في اليوم الخامس من الولادة، في جميع المستشفيات الحكومية، وقالت: إن المسح يأتي للتعرف إلى معدلات الإصابة، وليس الوقاية منها، كما هي الحال في الفحص قبل الزواج.

 

استخدام الأدوية

بدورها، قالت الدكتور نبيلة المشعراوي، استشارية أمراض النساء والولادة في مستشفى لطيفة: إن الجميع يعلم أن بعض الأدوية قد تكون مضرة خلال الحمل، ومع ذلك تستمر القصص عن الأم التي تناولت دواء وهي لم تعلم أنها حامل، فهناك العديد من الأدوية العلاجية التي قد تتسبّب في حدوث التشوّهات الجنينيّة إذا تم استخدامها خلال الحمل، خاصّةً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، ومن الأدوية الأكثر شيوعاً مشتقات فيتامين (أ)، منها حبوب رواكتين الذي يصرف لعلاج حب الشباب، ويعد من أخطر العلاجات التي يجب التنبه لآثارها السلبية على تكوّن الأجنة، فتناولها أثناء فترة الحمل أو قبل حدوث الحمل بفترة تقل عن ستة أشهر، يعرض الأجنة لتشوهات خلقية بنسبة تتراوح بين 45 و50% في بعض الأعضاء المهمة، مثل الوجه والجهاز العصبي المركزي، لذا يجب على المرأة تجنب تناول هذا العلاج دون الإشراف الطبي، كما يجب تجنب حدوث الحمل بعد التوقف عن تناوله فترة لا تقل عن ستة أشهر، حتى يتم التخلص من آثاره في الجسم بشكل كامل، ويصيب الجنين بتشوهات خلقية عدة أكثرها في الوجه والأذنين والأطراف، لافتة إلى أنه من المفترض ألا يؤخذ هذا الدواء إلا مع استعمال مانعين للحمل، وأن يتم منع الحمل خلال ستة أشهر بعد التوقف عن الدواء.

وقالت: إن الدواء يجب ألا يؤخذ إلا بوصفة طبية، وعلى المرأة أن تنتبه لاحتمال حدوث الحمل في أي وقت ما دامت متزوجة.

وأوضحت: أن هناك دواء يُطلق عليه ثاليدوميد كان يُستخدم سابقاً لعلاج الغثيان في حدوث حالة تفقّم الأطراف، كما أن تناول الكحول خلال فترة الحمل يسبب متلازمة الجنين الكحولي التي تتمثّل بالتخلّف العقلي، وصعوبات التعلّم، وفرط الحركة، وضعف التنسيق، وتشوّه في ملامح الوجه.

وأضافت أن هناك بعض العوامل التي تزيد احتمالية حدوث تشوّهات جنينيّة في حال وجودها عند الأم الحامل، ومنها وجود تاريخ عائلي لحدوث تشوّهات خِلقيّة أو أمراض وراثيّة، والحمل بعد سن 35 سنة أو أكثر، مع عدم تلقّي الرعاية الكافية خلال فترة الحمل، والتعرّض للعدوى الفيروسيّة أو البكتيريّة دون تلقّي العلاج المناسب.

الإصابة بالسكري

وقالت الدكتور نبيلة المشهراوي: «من المفترض على الأم التي لديها مرض السكري أن تخطط لحملها، فلا تقدم على الحمل إلا إذا أصبح مستوى السكر لديها ضمن معدلات مقبولة، لأنّ تَخلّق أعضاء الجنين يحدث في الأسابيع الأولى من الحمل، كذلك على من تصاب بالسكري خلال الحمل الحرص والمتابعة وعدم التساهل والتراخي في مثل هذه الأمور حتى لو احتاج الأمر إلى أخذ دواء الأنسولين، فهذا الأمر يؤثر في حياة الإنسان مدى العمر.

وأوضحت أنه «يُمكن للطبيب تشخيص العديد من التشوّهات الجنينيّة خلال مرحلة الحمل، باستخدام جهاز الموجات فوق الصوتيّة العادية أو الثلاثية الأبعاد أو بالفحوص المخبريّة للدم المسحية».

 

استشارة طبية

بدوره قال الدكتور محمود طالب آل علي، مدير المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة حمدان للعلوم الطبية: «لا شك أن زواج الأقارب يعد أحد أبرز الأسباب الرئيسة في إصابة الأجنة بهذه الأمراض، كما أن تناول الأمهات بعض الأدوية خلال فترة الحمل من شأنه أيضاً التسبب في إحداث مشكلات صحية وتشوهات في الأجنة، لذا على كل أم تحري الدقة قبل الحصول على أي دواء، واستشارة الأطباء المختصين قبل تناوله».

 

16 طفرة جينية جديدة تسبب 12 مرضاً

أكد الدكتور محمود طالب آل علي، مدير المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة حمدان للعلوم الطبية، أن المركز العربي للدراسات الجينية، بالتعاون مع مستشفى لطيفة التابع لهيئة الصحة بدبي، أجرى 13 بحثاً علمياً أدت إلى اكتشاف 16 طفرة جينية جديدة تسبب 12 مرضاً وراثياً نادراً تم اكتشافها في 14 جيناً.

جاء ذلك ضمن نتائج 13 بحثاً علمياً أجريت ضمن هذا المشروع العلمي المهم على عينة بحثية مكونة من 20 مريضاً من الإمارات والأردن والسودان واليمن، ونشرت مؤخراً في عدد من أهم المجلات العلمية العالمية المتخصصة والمحكمة دولياً.

كما أوضح أن هذا المشروع البحثي المهم يعزز الجهود المبذولة للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية النادرة، والتوصل إلى علاج فعال لها، مشيراً إلى خطورة هذه الأمراض التي تظهر أعراضها عقب الولادة، وتزداد حدتها مع مرور الوقت لتؤدي أحياناً إلى الوفاة في سن مبكر.

طفرات

بدورها، أكدت الدكتورة فاطمة البستكي، استشارية أمراض الأطفال والوراثة الإكلينيكية في مستشفى لطيفة، أن إحدى الطفرات الجينية المكتشفة في جين (INSR) تؤدي إلى الإصابة بمتلازمة «رابسن - مندنهول»، موضحة أنه من بين أعراض الإصابة بهذه المتلازمة ظهور مبكر لداء السكري مع مقاومة عالية جداً من الطفل للأنسولين إلى جانب حدوث تشوهات بالجلد وقصر القامة وضعف العضلات.

ولفتت إلى أن الطفرة المكتشفة في جين (CDKN1C) فهي تتسبب في الإصابة بمتلازمة «بيكويث- ويدمان»، والتي تكمن خطورة الإصابة بها في ازدياد خطر تعرض المريض للإصابة بمرض السرطان إلى جانب معاناته من فرط نمو أعضاء جسمه بشكل غير متوازن.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات