التغير المناخي.. «إعصار» على الاقتصاد العالمي

ت + ت - الحجم الطبيعي

قد يظن البعض بأن تأثيرات التغير المناخي أو «الاحتباس الحراري» ستكون قاصرة على الهواء والأرض والمياه فقط، وأن الاقتصاد العالمي على اختلاف توجهاته سيكون في مأمن منها، لكن الواقع يؤشر إلى عكس ذلك، لا سيما بعد وصول تأثيرات التغير المناخي إلى سبل العيش الاقتصادي حول العالم.

تلك التأثيرات دعت العديد من الخبراء وصناع القرار في العالم، إلى الاجتماع سنوياً لمناقشة التداعيات الاقتصادية لظاهرة الاحتباس الحراري، ومحاولة البقاء عند حدود 2 درجة مئوية، والبحث عن حلول تمكن اقتصادات العالم من الصمود في وجه تأثيرات هذه الظاهرة.

حل

ويبدو أن الحل يسكن بين ثنايا الاقتصاد الأخضر، الذي بدأ نجمه يلمع في سماء العالم خلال السنوات الأخيرة، حيث وجهت العديد من دول العالم عيونها نحوه، في محاولة منها لتطبيقه على الأرض، لتكون هذه بمثابة خطوة أولى مضت فيها العديد من المشاريع والشركات والمؤسسات العالمية، أملاً منها بالمساهمة في تحفيز ودفع عجلة نمو الاقتصاد الأخضر.

منذ رؤية اتفاقيات باريس بشأن المناخ والتي تم تبنيها في مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (COP21)، بهدف الحد من الاحتباس الحراري العالمي، للوصول إلى 1.5 درجة مئوية، والعالم يسعى جاهداً لتحقيق هذا الهدف، ورغم الجهود المبذولة، إلا أن الخطوات تجاه معالجة ظاهرة التغير المناخي لا تزال بطيئة، وهو ما بات يتطلب الالتفات إلى ممارسات الاستدامة والسعي لدمجها في أي مشروع اقتصادي بغض النظر عن حجمه وطبيعته، من أجل تمكين العالم أجمع من إحداث تقدم ملموس على هذا الصعيد، وقد بدا معرض إكسبو 2020 دبي، الذي استضاف في أكتوبر الماضي أسبوع المناخ والتنوع الحيوي، ضمن أسابيع الموضوعات، أفضل مكان لمناقشة تأثيرات هذه الظاهرة وارتداداتها على العالم واقتصاده وحثه على التحرك لحماية الكوكب وصونه، حيث يعي المعرض الدولي، أن العالم بات يقف على مفترق طرق، وإنه يتوجب على المجتمع الدولي اتخاذ خطوات حاسمة لصيانة الكوكب، ما حول المعرض الدولي إلى منصة مؤثرة لإيصال صوت الناس إلى صناع القرار حول العالم.

أرقام

الأرقام والنتائج التي تطل بها الدراسات والأبحاث على اختلافها لا يبدو إنها تحمل «البشرى» للعالم، فجلها تؤكد أن التغير المناخي له تأثير على الزراعة والأمراض والبنية التحتية، والإنفاق الحكومي أيضاً، وأنه في حال عدم التحرك سريعاً سيدفع بالملايين من البشر إلى دائرة «الفقر المدقع»، لا سيما وأن التوقعات تشير إلى أن التغير المناخي سيؤدي إلى خسارة الاقتصاد العالمي لنحو 23 تريليون دولار، أي بنسبة 10% من قيمته، بحلول عام 2050، وذلك وفقاً لدراسة أجرتها حديثاً سويس ريإنشورانس، التي تعد أكبر شركة لإعادة التأمين في العالم، وأشارت إلى أن التزام العالم بأهداف «اتفاقية باريس» للمناخ، المتمثلة في الحفاظ على درجات الحرارة من الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين، سيسهم في منع تراجع الاقتصاد العالمي بنسبة 4.2%، مبينة بأن السيناريو الأسوأ سيحدث إذا ما ارتفعت الحرارة بمعدل 3.2 درجات، حيث سيؤدي ذلك إلى خسارة 18.1% من الناتج الاقتصادي العالمي بحلول منتصف القرن، وبحسب تقارير أخرى صادرة عن صندوق النقد الدولي فإن «الاحتباس الحراري غير المرصود سيقلل 7% من الناتج العالمي بحلول عام 2100»، ليبدو أن دول العالم النامي، ستكون الأكثر تأثراً بالتغير المناخي، حيث يتوقع أن تصل خسائر الإنتاج الإجمالية إلى 15% في معظم أنحاء آسيا وأفريقيا، وترتفع إلى 20% في بلدان الساحل، بينما أشارت ورقة للبنك الدولي المركزي صدرت خلال العام الماضي إلى أن التغير المناخي، سيدفع نحو 132 مليون شخص حول العالم نحو الفقر المدقع بحلول عام 2030.

وطبقا للنظريات الاقتصادية، فإنَّ إحدى نتائج تغير المناخ هو التضخم، بحيث سيتسبب في ارتفاع الأسعار على نطاق واسع ودائم في جميع مجالات الاقتصاد، حيث من المرجّح أن يؤدي تلوُّث الوقود الأحفوري لارتفاع الأسعار.

ارتدادات

ارتدادات التغير المناخي على الاقتصاد، كانت كفيلة بأن تفتح عيون الكثير من الشركات والمؤسسات على أهمية اتباع ممارسات معينة تهدف إلى تحقيق الاستدامة وتقليل البصمة الكربونية والتقليل من كميات الإهدار في الموارد، وبحسب تقرير «الاتجاهات العالمية الضخمة 2022» الصادر عن معهد إدارة المشاريع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن نحو 40% من المؤسسات أبلغت عن وجود حواجز رئيسية تحول دون تحسين التأثير الاجتماعي، وبينت الدراسة أن «33% من المشاريع استطاعت تحقيق تحسينات للبيئة»، كما بينت الدراسة بأن «مديري المشاريع سيحتاجون إلى دمج أهداف الانبعاثات في مؤشر الأداء الرئيسية، وتضمين إدارة الانبعاثات في طرق العمل، بالإضافة إلى إشراك جميع المعنيين في ممارسات الاستدامة، من أجل تحقيق التغيير».

اهتمام

اتساع ظاهرة التغير المناخي وما تحمله من ارتدادات مختلفة، بدا أمراً لافتاً للعديد من المشاريع والشركات، وهو ما تؤكده غريس نجار، المدير التنفيذي لمعهد إدارة المشاريع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لـ«البيان»، حيث قالت: «هناك اهتمام ملحوظ بظاهرة التغير المناخي وتطبيق مفاهيم الاستدامة، من قبل عديد الشركات والمشاريع الكبيرة حول العالم وتحديداً في الإمارات، وقد لاحظنا ذلك من خلال الممارسات التي بدأت بعض الشركات باتباعها، مثل تقليل استخدام البصمة الكربونية وتقليص استخدام الورق والبلاستيك والتوجه نحو المباني الخضراء وغيرها، وبتقديري أن هذا يمثل مؤشرا على مدى ارتفاع وعي الشركات بأهمية هذه الظاهرة وخطورتها وبتأثيرها على العالم والبيئة المحيطة».

غريس أشارت إلى أن «الأبحاث التي قام بها معهد إدارة المشاريع، أظهرت مدى اهتمام الإمارات بمنهجيات الاستدامة».

وقالت: «هناك عدة شركات قامت بتخصيص أقسام لمراعاة ممارسات الاستدامة، وساهمت في إطلاق مجموعة من المبادرات التي تصب في هذا الإطار، وبلا شك أن مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، يعد أحد الأمثلة على نوعية المشاريع التي تهتم بهذا الجانب، حيث يسعى المجمع إلى تنويع مصادر الطاقة في دبي وتوفير 25% من الطاقة في دبي من مصادر الطاقة النظيفة بحلول 2030، و75% بحلول عام 2050. وتعد دبي المدينة الوحيدة في المنطقة التي تطلق مثل هذه الاستراتيجية الواعدة بمستهدفات محددة وبنطاق زمني يرسم ملامح مستقبل الطاقة حتى عام 2050».

في حديثها نوهت غريس إلى أن إكسبو 2020 دبي، يعد النسخة الأكثر استدامة في تاريخ الحدث الدولي الذي يمتد لأكثر من 160 عاماً، وهو ما مكنه من تطبيق معيار «ليد» الذهبي للاستدامة كحد أدنى لكل مبانيه الدائمة في موقع الحدث بحيث تم توليد 50% من الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة».

وفي حديثها استشهدت غريس بتجربة شركة إعمار العقارية، التي تعاونت مع معهد إدارة المشاريع، لوضع استراتيجيات أساسية تهدف نحو الارتقاء بخدمة عملائهم وتطوير فعالية العمل والتي تتضمن تقليص استهلاك الكهرباء والمياه وإتاحة فرص تنمية المعرفة لدى الموظفين بالإضافة إلى توفير بيئة عمل أفضل، مبينة بأن هذا المشروع نجح في الحصول على جائزة PMO of The Year من معهد إدارة المشاريع.

تقييم

في المقابل، تؤكد نيشيتا باليارسينغ، المؤسسة المشاركة والرئيس التنفيذي لشركة «نيكسوس باور» في الهند، بأنه يجب على المؤسسات أن تكون قادرة على تقييم آثارها في مجال الطاقة وتكاليفها وتأثيرها، مبينه بأن عدم اعتماد المؤسسات والمشاريع لهذا الجانب، سيخلق نوعاً من «عدم الشفافية»، وبالتالي عدم إحراز أي تقدم على صعيد مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري.

وتقول: «لقد أسهمت هذه الظاهرة في توفير العديد من موفري التصنيفات والشهادات، والأطر المختلفة للمحاسبة غير المالية، التي تراعي طبيعة المقاييس التي يجب استخدامها»، منوهة إلى أنه تم «تكثيف جهود الرقمنة من أجل إيجاد فهم حقيقي لمستوى استخدام الموارد وإهدارها في كل عملية تجارية، وذلك باستخدام البيانات والتحليلات»، وأكدت بأن «أخصائيي المشاريع يحتاجون إلى العمل بشكل وثيق مع فرق الاستدامة لتحديد أفضل الممارسات وخلق مسار جديد نحو المستقبل»، وقالت: «تقدم أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، بدعم من معهد إدارة المشاريع مخططاً أولياً يتضمن مجموعة من الأهداف، ومن بينها حث المشاريع والشركات على تبني أنماط أكثر استدامة للاستهلاك والإنتاج من خلال إعادة تدوير النفايات الإلكترونية والمواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد».

تخفيف

على المستوى العالمي، العديد من دول العالم بدأت بتبني ممارسات مختلفة تحث المشاريع والمؤسسات على التخفيف من وطأة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتعزيز قدرة صمود العالم في وجه التغير المناخي، وفي هذا السياق، طرح الصندوق العالمي للمناخ، مجموعة من المشاريع الجديدة في كل من الأرجنتين وغواتيمالا والسودان، يصل قيمتها إلى نحو 158 مليون دولار.

المشاريع المطروحة، تساعد على الحد من التصحر وتدهور الغابات في الأرجنتين، ويبلغ قيمته 82 مليون دولار، حيث يسهم المشروع في دعم استراتيجية البلاد الطويلة الأجل لخفض الانبعاثات، بينما يساعد مشروع RELIVE في غواتيمالا البالغ قيمته 66.6 ملايين دولار، المزارعين الضعفاء في «الممر الجاف» على التكيف مع تأثيرات تغير المناخ من خلال ممارسات زراعية ولإدارة المياه قادرة على الصمود في وجه تغير المناخ، ويقدم المشروع مساعدة فنية مباشرة لنحو 000 116 مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة (العديد منهم من مجموعات آشي وكيشي وموبان وشورتي الإثنية للشعوب الأصلية) في خمس مقاطعات في البلاد.

أما «مشروع الأصماغ من أجل التكييف والتخفيف من آثار التغير المناخي» في السودان، فيسعى إلى تعزيز قدرة أصحاب الحيازات الصغيرة في الأرياف على الصمود في وجه تغير المناخ من خلال الزراعة الحرجية للصمغ المقاوم لتغير المناخ وإعادة تأهيل المراعي، ويقدم المشروع الدعم لإعادة تأهيل 000 75 هكتار من نظم الزراعة الحرجية للصمغ لأصحاب الحيازات الصغيرة و000 50 هكتار من الأراضي المتدهورة بموازاة تحسين سلاسل قيمة الصمغ لدى أصحاب الحيازات الصغيرة.

طباعة Email