دبلوماسية المياه.. أمل من سويسرا

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

حوالي ثلثي الأنهار العابرة للحدود في العالم ليس لديها إطار إدارة تعاونية (وفق معهد ستوكهولم الدولي للمياه)، وتشكل الزراعة 70 في المئة من المياه المستهلكة (وفق الأمم المتحدة). إذا كان هذا حال العالم الآن، فإن مستقبلاً قاتماً يرتسم في الأفق، لكن هناك بارقة أمل، وهو نموذج سويسرا في إدارة المياه المتنازع عليها بين سكانها، وتعميمه كمنهج دولي.

يُعد مشروع «ليين - راسبيل» حلقة أخرى ضمن سلسلة «دبلوماسية المياه» التي تكتسب زخماً مُتزايداً على نحو لافت في سويسرا خلال السنوات القليلة الماضية. ويهدف المشروع إلى تنظيم مياه الري بين الفلاحين والمُزارعين في بلدية «كران مونتانا»، بمنطقة «سيير»، التي تتبع «فاليه»، إحدى المُقاطعات «كانتونات» الـ26 التي تتكون منها سويسرا.

والتقت «البيان» المدير الإقليمي للمشروع، دانييل أنتيل، في فعالية أقيمت في «كران مونتانا»، بدعوة من الجناح السويسري في «إكسبو 2020 دبي» لوفد إعلامي من منطقة الشرق الأوسط لعرض تجارب سويسرا في استدامة المياه، وأيضاً في تطبيق مفهوم دبلوماسية المياه.

ويُجسد مشروع «ليين - راسبيل» اهتمام سويسرا البالغ بقضية نُدرة الموارد المائية، وسعيها النشط للتصدي لهذه القضية، من خلال منهج يمزج بين الجانب التقني المُتمثل في مشاريع تنظيم المياه بين سكان القرى وتوزيعها عليهم بالعدل، ويُمثل «ليين - راسبيل» واحداً من أبرز الأمثلة على هذه المشاريع، والجانب الدبلوماسي المُتمثل في مساعي تقريب وجهات النظر بين الأطراف المُتشاركة في الموارد المائية المحدودة، للحيلولة دون اندلاع أي نزاع بينها في المُستقبل.

ويتجلى الهدف من المشروع بوضوح في اسمه «ليين - راسبيل»، الذي يعني باللغة الفرنسية «حلقة الوصل بين ضفاف نهر راسبيل». ومن الجدير بالذكر أن «نهر راسبيل» هو الذي يروي غالبية السكان في كانتون «فاليه»، ويمد غالبية مُزارعيه باحتياجاتهم من مياه الري. ومن المنُتظر أن يضمن المشروع بعد إتمامه الأمن المائي على ضفاف «نهر راسبيل» لمدة 80 عاماً على الأقل.

ويفصل «نهر راسبيل» بين الجزء الشمالي من «فاليه»، الذي يتحدث سكانه اللغة الألمانية، والجزء الجنوبي، الذي يتحدث سكانه الفرنسية.

وينبع «نهر راسبيل» من «نهر بلين مورت» الجليدي الذي يتدفق بدوره عبر جبال «الألب»، فيما يصب «راسبيل» في نهر «رون» الشهير، أحد أشهر وأهم أنهار أوروبا، الذي ينبع من سويسرا، ويصب في جنوب شرق فرنسا.

ومن الجدير بالذكر أن القرى الواقعة بين سلاسل جبال «الألب» في سويسرا تُعاني جفافاً شديداً خلال شهور الصيف، الأمر الذي يُوضح أهمية مشروعات الري مثل «ليين - راسبيل».

وأكد دانييل أنتيل أن أهمية «ليين - راسبيل» لا تقتصر فقط على كونه مشروعاً إقليمياً يوزع مياه «نهر راسبيل» بالعدل على سكان «كران مونتانا»، أو حتى مشروعاً وطنياً يُسهم في تعزيز كفاءة أنظمة الري في سويسرا، وإنما تمتد أهميته إلى السياق العالمي الأشمل، فهو يُقدم نموذجاً عملياً صالحاً للتطبيق في كل مكان في العالم لتطبيق دبلوماسية المياه بصورة مثالية.

وقال أنتيل: «نسعى من خلال المشروع لبث رسالة إلى العالم، مفادها أن التعاون في حل المشاكل الناجمة عن نُدرة الموارد المائية سيُفيد الجميع وسينزع فتيل أزمات وصراعات محتملة. فعلى سبيل المثال، في المنطقة التي أعيش فيها ضمن «كران مونتانا»، كانت كل قرية تحفر قناة خاصة بها للري، وهذا أمر مُكلف للغاية، لكننا لو أنشأنا منظومة موحّدة لقنوات الري، لبات الأمر أقل كُلفة وأكثر إفادة للجميع، وهذا تحديداً السبب الذي أسّسنا مشروع «ليين - راسبيل» من أجله».

وأضاف: «على الرغم من أن «ليين - راسبيل» مشروع إقليمي صغير، فإنه حقق نجاحاً لافتاً يتمثل في تزويد الإدارة بفهم مُتعمق للمشاعر السلبية التي تنتاب سكان كل قرية من القرى المستفيدة من المشروع حيال انخفاض أو نضوب الموارد المائية، كما استوعبت إدارة المشروع أيضاً المشاعر السلبية التي قد يشعر بها سكان القرى حيال سكان القرى المجاورة، باعتبارهم مُنافسين مُحتملين على الموارد المائية الشحيحة أصلاً. وبناءً على هذا الفهم، نجحت إدارة «ليين - راسبيل» في إقناع سكان القرى بأن الماء للجميع، وأن التعاون فيما بينهم سيجعله يكفي الجميع، وإنما النزاعات ستقضي على الجميع. وعليه، اقتنع الأهالي بجدوى التعاون والحوار، وتخلصوا من إرث مخاوف الماضي. وهنا يتجلى التجسيد الحقيقي لمفهوم دبلوماسية المياه».

معلومات عن المشروع

يُفيد «ليين - راسبيل» أكثر من 10 بلديات ضمن «سيير»، وليس «كران مونتانا» فقط، وتتجاوز المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية المُنتظر أن تستفيد من المشروع 1000 هكتار، وتُقدّر الاستثمارات الإجمالية في المشروع بما يتجاوز 50 مليون فرنك.

يستغل المشروع تدفق مياه «نهر راسبيل» عبر قنوات تنظيم وتوزيع الري في توليد الكهرباء، وذلك من خلال 3 محطات للطاقة الكهربائية تُقدّر طاقاتها الإنتاجية الإجمالية بحوالي 35 غيغاوات سنوياً، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات حوالي 6500 أسرة من الكهرباء.

طباعة Email