«إكسبو».. بوابة لاستكشاف الفنون والاقتصاد الإبداعي

الثقافة.. تُطعِم خبزاً

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

السير في دروب الثقافة، أمر ليس هيّناً، في ظل سيادة الاعتقاد بأنها من «المهن التي لا تطعم خبزاً»، ذلك الاعتقاد ظل لسنوات طوال، ساكناً في رؤوس الناس، لكن في «إكسبو 2020 دبي» تبدلت الأحوال، وصارت الثقافة والفنون تطعم خبزاً، بل وأكثر، فصار الاقتصاد الإبداعي حقيقة على أرض الواقع.

أصبح إكسبو دبي رداً بليغاً على الذين يرون في أعمال «نجوم الفن والثقافة»، على اختلاف توجهاتهم «هدراً للمجهود»، ليغمضوا بذلك عيونهم عن الجماليات التي تسكن الأماكن العامة، التي تتزين بأعمال فنية ضخمة، قادرة على فتح العقول والعيون على قضايا عالمية عديدة.

تلك النظرة بدأت تختلف، مع اتساع الاهتمام بـ «الاقتصاد الإبداعي»، الذي تسعى دبي حالياً لأن تكون عاصمة له، في وقت تجتهد فيه إلى مضاعفة مساهمته في ناتجها الإجمالي من 2.6 % في نهاية 2020، إلى 5 % بحلول 2025، لا سيما أن قطاع الثقافة في دبي قد أسهم بحوالي 4 % من إجمالي الناتج الاقتصادي لدبي في 2019، بحسب تقرير «دبي مدينة الإبداع» الصناعات الثقافية المتنامية في الإمارة، الصادر عن هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة)، والذي تشير فيه إلى أن الاقتصاد الإبداعي في دبي، حقق في 2019 إيرادات تجاوزت 37 مليار درهم، ووظف أكثر من 108 آلاف فرد، بينما ساهمت صناعة التصميم بأكثر من 15.6 مليار درهم في الناتج المحلي الإجمالي لدبي في عام 2019.

الاهتمام بالاقتصاد الإبداعي، بدا واضحاً في «إكسبو 2020 دبي»، الذي فتح أبوابه أمام مجموعة من الأعمال الفنية الضخمة، لتسكن جنباته، وتظل هناك إلى أن «يرث الله الأرض ومن عليها»، وهو ما بدا متماشياً مع جهود التزام دبي والإمارات بتطوير الاقتصاد الإبداعي، وقد عبّر الحدث الأروع عالمياً، عن اهتمامه بذلك، من خلال حجم الأحداث الفنية والموسيقية التي يستضيفها، إلى جانب إطلاقه لبرنامج الفنون البصرية، و«منصة التصميم الإماراتي»، التي استقطبت نحو 40 فناناً من الإمارات والعالم، ليقدموا معاً مجموعة من التصاميم والأعمال المبهرة، التي تمثل جزءاً من رسالة المعرض الدولي، الساعية إلى خلق «تواصل بين العقول»، لتحفيزها على «صنع المستقبل».

تطور حضاري

الفنون البصرية والتشكيلية، تشكل جزءاً أصيلاً من الاقتصاد الإبداعي، وبين جنبات المعرض الدولي، سيلتقي الساعي فيه بجملة من الأعمال الفنية، التي ستتحول بعد أن يقفل أبوابه إلى جزء من إرثه المستدام، لتكون جزءاً من تجربته التي يسعى لطرحها حول «علاقة الفن والتطور الحضاري»، وسعيه لضمان وجود الفن داخل النسيج الحضاري للمدينة المستقبلية، ولعل ذلك هو ميزة دبي، التي تتمدد سريعاً بطريقة تضمن خلق مجتمعات وعمارة خاصة بها، ومشاريع مختلفة، ليعكس ذلك تأثير الفن المعاصر بين جنبات منطقة «ديستريكت 2020»، والذي يتوقع أن يتمدد تأثيره نحو الدول المجاورة والعالم برمته، وذلك انطلاقاً من أن الأعمال المعروضة، تمثل وجهات نظر مختلفة، بعضها قادم من صميم الدولة، وأخرى تأتينا من المجتمعات الخليجية، وثالثة قادمة من مجتمعات الدول الأخرى.

الساعي بين جنبات المعرض، لا بد أن يتلمس تركيز «إكسبو 2020 دبي» بالشباب، والدور الذي يلعبونه في دفع عجلة التنمية المستدامة، مستفيداً بذلك من طاقاتهم الإبداعية، وأعمالهم الفنية التي تمتلك قدرة عالية على جذب العيون، كما منحوتة «كِمِّير» الضخمة، التي أبدعتها الفنانة التشكيلية الكويتية منيرة القادري، والتي حاولت عبر هذه المنحوتة، أن تقدم قراءة في تاريخ منطقة الخليج، حيث تتأرجح فيها بين مرحلتي ما قبل اكتشاف النفط وما بعدها، تجمعهما معاً في عمل واحد، تستحضر فيه فكرة رؤوس حفارات آبار النفط، والقشرة الداخلية لصدف رخويات «عرق اللؤلؤ»، حيث الأولى تشير إلى الوقت الراهن، بينما الثانية تذكرنا بمهنة الغوص القديمة، التي سادت لفترة من الزمن في منطقة الخليج، حيث كان الرجال «يناطحون» أمواج البحر، ويغوصون داخله بحثاً عن اللؤلؤ، الذي كان حينها مصدر رزقهم الأساسي. هذا العمل الفني، يربط بين تاريخ منطقة الخليج، حيث الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وحاضرها كمنطقة اقتصادها ثري بالبترول.

تعايش البشر

كيف يمكن استكشاف العلاقة بين الأشكال الهندسية ونظيرتها الطبيعية؟، سؤال يبدو محيراً، ولكن إجابته بدت واضحة لدى الفنانة الإماراتية زينب الهاشمي، وهي المتخصصة بالفن المفاهيمي، حيث أبدعت مجسمها «التكوين»، الذي يستقر عند مدخل جناح تيرا، لتعكس من خلاله رسالتها التي تدور حول «تعايش البشر مع الطبيعة في وئام»، تلك الرسالة بدت جزءاً أساسياً من تصميم الجناح برمته، وهو ما يمكن اكتشافه خلال رحلة السير حول وداخل جناح «تيرا».

الفن طريق لكشف بعض القضايا التي يتقاسمها العالم برمته، وهو طريق أيضاً للتغلغل في تفاصيل الثقافات، تلك المهمة تتجلى تماماً في «قلعة من الوسائد»، ذلك العمل المنحوت من الرخام، وقد أبدعته الفنانة عفراء الظاهري، عبره تقدم لنا بيئتها، وبعضاً من ملامح التقاليد الإماراتية، فقد استوحته من «الوسائد التقليدية»، التي لا يكاد يخلو منها البيت الإماراتي، وفيه سعت إلى دمج مفاهيم متنوعة حول التراث الإماراتي، وعلاقته مع ألعاب الأطفال التقليدية، والتي دمجتها بطريقة تتواءم مع الإبداع الفني. في حين ذهبت الفنانة الإماراتية شيخة المزروع، إلى تصميم منحوتة رخامية أسمتها «ركيزة تمثال»، وقد استوحتها من دعائم التحف والتماثيل، التي تستخدم ضمن فنون العمارة في واجهة المباني. شيخة المزورع سعت عبر عملها هذا، إلى «تغيير مفهوم عمل ركيزة التماثيل، وكيف يمكن استخدامها بشكل منفصل في الفن العام».

4 أعمال

تلك هي 4 أعمال ضخمة، وزعت في أرجاء المعرض الدولي، لكل واحدة منها هدفها وفكرتها الخاصة، لتجسد مفاهيم حديثة، تتناول «كيفية تغيير مفهوم البيئة المحيطة»، ولعل ما يميز هذه الأعمال، هو أنها تقوم على أساس قوة وأهمية التخيل، وتعكس كيف يمكن مشاهدتها من اتجاهات مختلفة، وبطرق متعددة، الأمر الذي يساعد على خلق نوع من الرؤية والإدراك المختلف لدى زوار المعرض، وهو هدف قد سعى إليه الحدث الأروع عالمياً، لتحفيز الناس على استخدام «قوة التخيل»، والمساهمة في بناء المستقبل.

طباعة Email