الهند تخصص جدارية لأفلامها.. والسعودية تضيء ليالي السينما

الفن السابع.. حكايات تصنع مليارات

ت + ت - الحجم الطبيعي

السينما حكايات من رحم المجتمعات، بين مشاهدها تحمل نظرة على الواقع، قد تبدو في عيون البعض ترفيهية، لكنها في عيون أهل الاقتصاد ماكينة لتوليد ملايين، بل مليارات الدولارات، وهو ما يشير إلى كم الفرص التي تتضمنها هذه الصناعة، التي كشفت بعض أجنحة الدول المشاركة في «إكسبو 2020 دبي» عن بعض ملامحها. 

تارة تأتينا الأعمال السينمائية حزينة، وتارة كوميدية، وأخرى تذهب ناحية الخيال والرعب، ولوهلة قد تبدو في عيون عشاقها أنها «جميلة ترتدي ثوب الترفيه»، لكنها في عيون أهل الاقتصاد «ماكينة إبداعية»، تشكل عموداً فقرياً لاقتصاديات عديدة، بفضل إيراداتها العالية.

وفي الوقت الذي فتحت فيه الهند أبواب جناحها في إكسبو دبي أمام نجوم بوليوود، أضاءت السعودية «لياليها السينمائية»، كما كشفت نيوزيلندا من خلال السينما عن وجهها الجميل، وروجت فيتنام عبرها لسلامها الخاص.

جماليات حكايات «الفن السابع» لا تقدر فنياً فقط، وإنما تقاس بحجم المردود المادي الذي تعود به على الدول، والذي يقدر بملايين الدولارات، والتي تبدو بمثابة «إكسير الحياة» لبوليوود وأخواتها من سينمات العالم.

عن بوليوود لم يغض جناح الهند طرفه، فقد منحها جدارية كاملة بوصفها «إرثاً هندياً» وأحد أشكال الاقتصاد الإبداعي هناك، وليس خفياً على أحد أن بوليوود تعد واحدة من أقدم سينمات العالم، واستطاعت أن «تغزو» صالات الدنيا من شرقها إلى غربها، لتترك بصمة واضحة في قلوب محبي أفلام «ماسالا»، التي جمعت بين الرومانسية والرقص والغناء أيضاً، ما نصب بوليوود «سفيرة» للثقافة الهندية بفضل غزارة إنتاجها الذي يتجاوز الآلاف سنوياً.

بلغة أهل الاقتصاد، فإن حجم إيرادات بوليوود يبدو كبيراً، وهو ما لا تخفيه الإحصاءات التي تشير إلى أن حجم إيراداتها في 2021 تجاوز حاجز 122 مليون دولار، وذلك وفق تقارير موقع «بوكس أوفيس موجو» الأمريكي، الذي يبين أن هذا الحجم من الإيرادات تحقق على يد 42 فيلماً.

ما حققته بوليوود في العام الماضي بدا أشبه بتعويض للخسائر التي منيت بها خلال عام الجائحة، الذي جمعت فيه نحو 83 مليون دولار، حيث قيس حجم الخسائر بنحو 80% من إيرادات بوليوود السنوية، والتي عادة تتجاوز حاجز 400 مليون دولار.

هذا العام لم يمض منه سوى شهرين فقط، أنتجت خلالهما ماكينة بوليوود 15 فيلماً فقط، من ذات الإنتاج الضخم، وقد نجحت في جمع نحو 9 ملايين دولار، وفق بيانات «بوكس أوفيس موجو»، وهو ما يشير إلى وجود بوادر صعود جيدة في حركة هذه الصناعة.

تدرك الهند جيداً تأثير «ماكينة السينما»، وما تمتلكه من «سحر خاص» قادر على إغراء الناس، لذا لم يكن غريباً أن يفتح جناح الهند أبوابه أمام العشرات من نجوم بوليوود، كان آخرهم «الأخ الأكبر» سلمان خان، وريشا باني، ومن قبلهما حطت الممثلة ديبيكا بادكون رحالها في المعرض الدولي، وكذلك مواطنتها الممثلة جانفي كابور، وشقيقتها خوشي، ووالدها المنتج السينمائي بوني كابور، والقائمة تطول، حيث استطاع الجناح من خلال هؤلاء النجوم وغيرهم جذب مزيد من الزوار للجناح، الذي تخطى أخيراً حاجز مليون و200 ألف زائر.

دولة مسالمة

معروف عالمياً أن هوليوود وبوليوود هما سيدتا الموقف السينمائي، وتتشاركان معاً نصيب «الأسد» من إيرادات شباك التذاكر العالمي، وقد تمكنتا من الهيمنة على الصناعة، بما فيها السينما الأوروبية والآسيوية، وذلك بالنظر إلى حجم الإنتاج الذي تقدمه هوليوود وبوليوود، بغض النظر عن نوعيته ومستوى جودته، التي تعلو تارة وتنخفض تارة أخرى، لكن معرض إكسبو دبي كان بمثابة فرصة بالنسبة لدول أخرى لفتح عيون زوارها على ما تمتلكه من «سحر سينمائي»، كفيتنام التي آثرت أن تستضيف لأول مرة خارج حدودها «أسبوع الأفلام الفيتنامية»، والتي بدت أشبه «بطريقة ترويجية» لفيتنام بوصفها «دولة مسالمة وحيوية»، وفق تعبير نجويين فونج هوا، المفوض العام لجناح فيتنام في إكسبو 2020 دبي، خلال خطابها الذي ألقته في افتتاح فعاليات الأسبوع، حيث أكدت أن الأفلام المختارة «تعكس الحياة الحالية والمعاصرة لفيتنام»، مضيفة أنها «فرصة لإبراز هويتها الوطنية والاحتفاء بالقيم الإنسانية».

ورغم أن «ماكينة السينما» في فيتنام تعمل منذ عشرينيات القرن الماضي، إلا أنها استطاعت أن تتحرر ولو جزئياً من «عباءة الفيلم الهوليوودي»، فقد جنحت الصناعة هناك إلى سلوك طرق مختلفة للتعبير عن حكايات المجتمع الفيتنامي، متأثرة بطبيعة الأوضاع التي عاشتها البلد على مدار الزمن، والحروب التي خاضتها، وهو ما أدى إلى تقلب الصناعة فيها، حيث شهدت ظهور موجات مختلفة، لعل آخرها «الموجة المعاصرة» التي تسعى إلى تقديم إنتاجات قادرة على التماشي مع «المعايير» المحلية الفيتنامية، وكذلك الأوروبية، لتصبح بذلك أقرب بكثير من قلوب الشباب.

الأفلام القصيرة

في ذات السكة، سارت نيوزيلندا، التي لم تكتفِ فقط باستعراض مقدراتها الطبيعية ونهر وانغانوي وصخرة توكا، التي تتوسط القاعة الرئيسية في الجناح، وإنما أتاحت أمام زوار جناحها فرصة «إلقاء نظرة خاصة» على نوعية الأفلام التي تصنع داخل البلد الأوروبي، حيث عرضت ضمن مهرجان الأفلام القصيرة، مجموعة من الأعمال التي تعكس رؤى إخراجية مختلفة جلّها يجنح ناحية «الأعمال الفنية» تحمل على صدرها أوسمة وجوائز عديدة.

نقاشات مختلفة

في «إكسبو 2020 دبي» لم تكتفِ الدول بفتح عيونها على الاقتصاد، واستثمار مشاركتها في جذب استثمارات اقتصادية فقط، وإنما فتحت أيضاً عينها على «سحر الحكاية السينمائية»، الذي توهج بين جنبات جناح المملكة العربية السعودية، الذي اتسعت شاشته الرقمية الضخمة لـ«ليالي الفيلم السعودي»، ففي الوقت الذي كان فيه الزوار يتابعون «حكايات سعودية» مختلفة على الشاشات، كانت قاعة كبار الشخصيات في الجناح تشهد نقاشات مختلفة حول صناعة السينما في المملكة، وتضيء على الفرص التي توفرها لصناع الأفلام سواء كان سعودياً أم أجنبياً، لتعرض أمامهم مواقع تصوير «بكر» لم يسبق لكاميرات السينما أن زارتها، كما في منطقة العلا، ومدينة نيوم الجديدة، وحتى في الرياض وجدة وغيرها.

«هناك 10 مشاريع سينمائية طويلة تصور داخل المملكة، ونتمنى الوصول إلى قدرة إنتاجية بحدود 100 فيلم في 2030»، ذلك التعبير جاء على لسان عبدالله آل عياف القحطاني، الرئيس التنفيذي لهيئة الأفلام السعودية لـ«البيان»، ليبرز من خلاله مدى حجم الفرص المتوفرة في المملكة، مؤكداً في حديثه أن «برنامج الحوافز الذي تقدمه الهيئة لصناع الأفلام يضمن استعادة 40% من حجم المصروف داخل حدود المملكة». النسبة التي ذكرها آل عياف، في الواقع هي الأعلى في المنطقة العربية، التي تعودت أن تقدم 30% فقط، وهي النسبة المتعارف عليها عالمياً.

آل عياف لا ينكر «جميل الإمارات» على صناعة السينما السعودية، حيث يقول: «الإمارات احتضنت صناع السينما الخليجيين لفترة طويلة من الزمن تقدر بعقد كامل، بدءاً من مسابقة أفلام الإمارات في أبوظبي ومروراً بمهرجان الخليج السينمائي، وليس انتهاء بمهرجان دبي السينمائي، حيث أسهمت في ظهور الكثير من صناع الأفلام، وهذا يسجل للإمارات».

عود السينما السعودية، ما قبل إعلان رؤية المملكة 2030، كان يعاني من ضعف التوزيع وقلة الإنتاج، لكن ذلك لم «يمنع القصص السعودية من الوصول إلى العالم»، بحسب تعبير آل عياف، الذي أضاف أنه «بعد تأسيس هيئة الأفلام ومن قبلها وزارة الثقافة أصبح هناك دعم رسمي وممنهج لهذا القطاع، وقد ظهر هذا الأثر، حيث أصبح لدينا إنتاجات عالية الجودة، تتنافس عليها المنصات الرقمية، وأثبتت وجودها في العديد من المحافل الدولية، كما في القاهرة ومراكش السينمائيين وغيرها».

ويؤكد آل عياف أن افتتاح صالات السينما في المملكة مكّن صناع الأفلام من «مغازلة شباك التذاكر»، ويشير إلى أن ذلك «فتح العيون على أن السوق السعودي هو الأكبر في المنطقة». آل عياف لم يغض طرفه عن «صناديق الدعم» التي بدأت تتكاثر داخل حدود المملكة، ويستشهد بمسابقة ضوء التي تطرحها هيئة الأفلام، ويقول إنها رصدت قبل عامين 40 مليون ريال وزعت على 28 مشروعاً.

وتابع: «هناك منهجة لدعم صناعة الأفلام في المملكة، وذلك بهدف تبادل الخبرات والمعرفة والترويج للبلد نفسه، وأصبح لدينا خلال العامين الأخيرين أكثر من منصة لدعم الأفلام، وهذا بلا شك يصب في إطار دعم الصناعة»، مشيراً إلى أن «الأفلام السعودية تمتلك قدرة المنافسة على شباك التذاكر»، ضارباً مثلاً بفيلم «شمس المعارف» للأخوين قدس.

واقعياً، وبعد مرور نحو 5 سنوات على إعادة فتح صالات السينما في المملكة، استطاع السوق السعودي أن يثبت قوته، وبلغة الأرقام، فقد ارتفعت إيرادات شباك التذاكر السعودي بنسبة 95% خلال العام الماضي مقارنة مع 2020، ووصل إجمالي الإيرادات إلى 238 مليون دولار في 2021 مقارنة مع 122 مليون دولار في 2020، وفقاً لبيانات شركة «كومسكور» الأمريكية، فيما ذكرت مجلة فارايتي أن الارتفاع الكبير في إجمالي إيرادات السينما السعودية خلال العام الماضي جاء بفضل افتتاح مزيد من دور السينما في مختلف أنحاء المملكة، حيث ارتفعت دور السينما من 33 في بداية عام 2021 إلى 53 بحلول ديسمبر الماضي.

 

طباعة Email