أعمال فنية فريدة تعبّر عن رسائل «إكسبو» الثلاث

التصميم شيفرة فنية للتاريخ والطبيعة

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

بين جنبات معرض إكسبو 2020 دبي، أوجد الجمال له أشكالاً تغري العين وتفتنها، يتوزع بين جنبات الحدث، تارة تراه في شكل عمل فني ضخم، وتارة تقرأه من خلال جدارية، وتارة تكتشفه من خلال منحوتة أو تصميم يتوسد شكل الماضي ويرتدي ثوب الحداثة، وتارة تجده ساكناً بين ثنايا نوافير المياه التي تروي ظمأ زوار الحدث الأروع عالمياً.

إرث

لقد نجحت منصة التصميم الإماراتي في تغيير النظرة لدى الناس ونجوم التصميم أيضاً، كما نجحت في تقديم أعمال ونماذج فريدة من نوعها، قادرة على التعبير عن رسائل إكسبو 2020 دبي الثلاث، فهي مستدامة بموادها وجسر عبور للأفكار وفرصة لكل من يبحث عن الإبداع، وهو ما عبر عنه ثلة من الذين عملوا في مجال التصميم، في حديثهم مع «البيان» إذ أكدوا أن لكل عمل قصته، وأن التصميم يسهم في إعادة سرد الموروث الشعبي المحلي والعالمي على حد سواء.

تؤكد الدكتورة حياة شمس الدين، نائبة رئيس أول الفنون والثقافة في إكسبو 2020 دبي أن «الحدث وفر فرصة حقيقية لدمج الرؤية المستقبلية والابتكار في الهوية الإماراتية». وقالت: «هذه الفرصة مكنتنا من إبراز هويتنا المعاصرة في مجالات التصميم الحرفي، وقد أفضت هذه الفرصة إلى خلق منصة التصميم الإماراتي التي ستعبر بطريقة أو بأخرى عن إرث إكسبو 2020 دبي».

د. حياة شمس الدين أشارت في حديثها مع «البيان» إلى أن برنامج التصميم والحرف، يضم بين جنباته أكثر من 40 مصمماً من داخل الدولة، وأنه يدعم الحرف التراثية الإماراتية كافة. وأضافت: «نجحت منصة التصميم الإماراتي في عكس أفكار المصممين ونقل قصص الحرفيين ومزجها ببعضها بعضاً، وتقديمها للجمهور بطريقة معاصرة، وقد أسهم ذلك في تمكيننا من التعمق في قصص الموروث الإماراتي وكذلك العالمي وإعادة تقديمه إلى العالم بثوب الحداثة».

الزائر لمقر منصة التصميم الإماراتي في معرض إكسبو 2020 دبي، سيشعر بمدى توغلها في الحرف التراثية الإماراتية، فمعظم القطع المعروضة جاءت مستوحاة من سبع حرف رئيسة في الدولة، ومن بينها الغوص على اللؤلؤ، وصناعة القهوة، وصناعة القرقور، والسفيفة، والتلي، والسدو، ومن خلالها استطاعت «منصة» أن تعيد سرد هوية وموروث الإمارات بطريقة مبتكرة، عبر استخدامها التقنيات التكنولوجية الحديثة.

حوار إبداعي

في حديثها، نوهت الدكتورة حياة إلى أن منصة استطاعت أن تغير وجهات النظر حيال قطاع التصميم داخل الإمارات. وقالت: يمكن حسبان «منصة» بوابة الحوار الإبداعي، الذي يعزز بدوره دوره الاقتصاد الإبداعي، وقد استطاعت أن تشرع الأبواب أمام الجميع للتعبير عن إبداعاتهم، وهو ما يدعونا إلى وصفها بـ«المحرك»، الذي استلهم من طبيعة المعرض الدولي. وقالت: برنامج التصميم والحرف استطاع أن يغير وجهات النظر لدى المصمم والجمهور في الوقت نفسه، من ناحية أن كل ما يقدم من مجموعات وتصاميم ليس للعرض فقط، وإنما يمكن الحصول عليه بأسعار في متناول اليد، الأمر الذي يسهم في خلق حراك اقتصادي، وهو ما يمكن التصميم من أداء دوره في الاقتصاد الإبداعي.

وتوقعت الدكتورة حياة أن تواصل منصة نجاحاتها حتى بعد انتهاء المعرض الدولي. وقالت: أتوقع لـ«منصة» مستقبلاً كبيراً، فمن خلالها نجحنا في إثبات قدراتنا على جمع مصممين من داخل الدولة وخارجها للعمل معاً ضمن مجموعات استطاعت أن تقدم تصاميم معاصرة، قادرة على إعادة سرد الموروث الشعبي والحرف اليدوية سواء الموجودة داخل الدولة أو خارجها. وواصلت: من خلال هذا البرنامج أعتقد أننا نجحنا في أخذ خطوة متقدمة في عوالم التصميم، عبر جمع مصمم إماراتي وآخر عالمي، ليعملا معاً من أجل تقديم منتج يتمتع بمستوى عالمي، وبلا شك فإن ذلك يسهم بطريقة أو بأخرى في تحفيز الشباب على إنعاش الحرف اليدوية التقليدية، وهو ما يوسع الآفاق أمام الجميع.

تصاميم كثيرة تعرضها منصة وجميعها تعبر في تفاصيلها عن رسائل إكسبو 2020 دبي الثلاث، وبحسب الدكتورة حياة فإن المجموعات المقدمة كافة تحقق رسالة الاستدامة، سواء من ناحية المواد المستخدمة أو طرائق التغليف، كما تمثل رسالة التنقل من خلال عملية نقل الأفكار والمزيج بين الثقافات واستحضار ما هو قديم وإلباسه ثوب الحداثة، أما الفرص فالمنصة برمتها تعد شكلاً من هذه الفرص.

إلهام

للوهلة الأولى قد لا يدرك زائر المعرض الدولي حجم الإلهام الذي يقف وراء نوافير سبيل التي تتوزع بين جنبات المكان، حيث بدت معالم بارزة تحمل بصمات خاصة من ناحية تصميمها، لتجمع بين تقاليد وأصالة المجتمعات العربية وملامح التصاميم العصرية، ولكن ما يميز هذه النوافير أن لكل واحدة منها تصميمها وشكلها، ورسالتها الخاصة، إيماناً بأن الماء مصدر الحياة.

في الواقع أن معرض إكسبو 2020 دبي يضم مجموعة أعمال فنية أصلية أكثر من أي معرض إكسبو آخر مر على التاريخ، بهذا التعبير وصفت أنطونيا كارفر، المديرة التنفيذية لمؤسسة فن جميل، مجموعة التصاميم التي يضمها المعرض الدولي، وتقول: نوافير سبيل لمياه الشرب، إحدى المبادرات الفنية التي أطلقها المعرض الدولي، وهي بمقام دليل على الالتزام العميق بدعم المشهد الثقافي المحلي والعربي والعالمي أيضاً، وخاصة أن نوافير سبيل الموزعة في أرجاء المعرض، تشهد تفاعلاً واضحاً من قبل الزوار، وذكرت أنطونيا أن النوافير من تصميم مجموعة من الفنانين، أركيتكتشر وأذر ثينغز بالتعاون مع فيصل الملك وعلياء بن عمير.

وقالت: نوافير سبيل لم تكن على سوية واحدة في تصاميمها وإنما اختلفت من منطقة إلى أخرى، رغم كونها تشترك في الفكرة ذاتها، وهناك مثلاً إحدى النوافير التي ابتكرت تصميمها دانا عورتاني وناصر نصر الله، لم تكتفِ بكونها نافورة سبيل ومصدراً للمياه، وإنما تحولت أيضاً إلى عمل فني يمكن الاستمتاع به وبرؤيته، وأشارت أنطونيا كارفر إلى أن تجربة التعاون مع فريق معرض إكسبو 2020 دبي، كانت إيجابية.

وتابعت: تجربة التعاون مع إدارة المعرض كانت بالنسبة لنا في «فن جميل» إيجابية، سواء كان ذلك من ناحية إدارة المسابقة العامة وعملية التحكيم الدولية الصارمة، أو من ناحية تطوير هذه النوافير وتصاميمها، معبرة عن سعادتها بصفتها جزءاً من المجتمع الثقافي المحلي. وقالت: نوافير سبيل 2020، بلا شك ستظل موجودة وستكون جزءاً من إرث المعرض للأجيال القادمة.

تشكيلة نبت

بين ثنايا منصة كشفت المصممة الشيخة هند بنت ماجد القاسمي، عبر منصة، عن ملامح تشكيلتها الجديدة نبت التي تعكس مدى اهتمامها بإبراز الطابع الإماراتي التراثي وتقديمه ضمن قوالب عصرية. الشيخة هند في حديثها مع البيان رأت في منصة مبادرة مهمة جداً، تتكاتف مع بقية المبادرات التي تقام على مستوى الإمارات في إبراز إبداعات المصممين الإماراتيين. وقالت: «منصة» تعد واحدة من أهم المبادرات التي أطلقت على مستوى الإمارات، وبتقديري فإنها الأجمل في ما بينها كونها تتيح تقديم مجموعة من الأفكار الإماراتية أمام العالم أجمع، كما تتيح الفرصة أمامنا لتقديم تصاميم جديدة تدمج الأفكار المحلية والعالمية، وبينت أن منصة تمثل بوابة لتبادل الأفكار.

وقالت: أتاحت لي التعرف إلى رؤى وأفكار جديدة لمصممين آخرين، تعودوا تقديم أفكارهم بطرائق مختلفة، بعضها دمج في التكنولوجيا. الشيخة هند بنت ماجد القاسمي، التي تعودت أن تقدم تصاميم خاصة مستلهمة من البيئة الإماراتية، بينت أن أي تصميم تقدمه عادة ما تقف وراءه قصة ما، ويتم تقديمه بطريقة تعكس نوع الحرف الإماراتية اليدوية، وهو ما تجسد في تشكيلة «نبت» التي جسدت التراث الإماراتي بطابع عصري. في منصة لم تعرض الشيخة هند تصاميمها فقط، وإنما أفكارها أيضاً، والتي استثمرتها في تصميم الهدايا الخاصة بكبار الزوار ومن بينها مفتاح إكسبو وصحن الطيور المصنوع من بورسلان، والذي يحمل تصويراً لعدد من الطيور الإماراتية.

وقالت: سعدت جداً باختياري لتولي مهمة تصميم هدايا كبار الزوار، وأعدّه علامة مضيئة في مسيرتي، إذ استطعت من خلالها أن أعبر عن عمق وأصالة التراث الإماراتي وما يتميز به من حكايات وإرث عميق.

احتراف

تجربة ملهمة وثرية، هكذا وصف المصمم الإماراتي أحمد الفارسي تجربته مع منصة والتي تحتضن مجموعة من أعماله وتصاميمه، ويقول: وجدت فيها ميلاً لناحية الاحتراف، ولا سيما أنها أتاحت أمامنا فرصة للتعاون مع مصممين من العالم، فأصبح هناك إمكان لتبادل الأفكار، وذلك أدى إلى مزيج من الثقافة المحلية بنظيرتها القادمة من العالم، وهو ما أعدّه إثراء ثقافياً لمشهد التصميم المحلي.

في أعماله سعى الفارسي إلى الاستعانة بالتاريخ القديم الذي يشكل العمود الفقري للدولة، وبحسب قوله فقد بدأ من العصر البرونزي والحديدي، وقد اطلع على تجربة السكان في تلك الحقبة الزمنية وتعاملهم مع الأشياء والرموز المختلفة، ويضيف: في عملية البحث سعيت لتجاوز حدود الثقافة المحلية والتوغل في ثقافة الدول المحيطة بنا، وهو ما يمكن لأي شخص أن يلحظه في مجموعة التصاميم التي قدمتها، إذ يوجد فيها لمسة فرعونية وأخرى خليجية وثالثة عربية وكذلك لمسات عالمية، ووضعتها جميعها ضمن قوالب واحدة، أفضت إلى تقديم مجموعتي ومن بينها «حاملة الشموع»، التي استلهمتها من قرون المها، الذي توجد صورته على فئة 50 درهماً، في المقابل في تصميم آخر استلهمت شكل الرأس فيها من منحوتة قديمة في باكستان وأفغانستان.

يعتقد الفارسي بأن أي تصميم ينبع من قيمة الروح التي يضمها بداخله والتي تعبر بدورها عن طبيعة الثقافة ومدى تغلغلها في النفس.

ويقول: بتقديري أن منصة التصميم الإماراتي استطاعت أن تخلق إرثاً جميلاً، من خلال تقديمها قوالب وتصاميم مختلفة تضم بين ثناياها مجموعة من الذكريات العابرة للمكان، فضلاً عن كونها تعبر عن الثقافات المختلفة، وهو ما يخرج هذه الأعمال من إطار السلعة التجارية لتصبح شخصية، كونها تسافر من مكان لآخر، ويتابع: معظم هذه التصاميم تسافر من مكان لآخر، وهي ليس قاصرة على حدود معرض إكسبو 2020 دبي، ويرى الفارسي أن الحدث الأروع عالمياً شكل بالنسبة له مكاناً ملهماً من خلال ما تعرضه الأجنحة الدولية بداخلها من مقتنيات مختلفة تعبر عن روح الثقافات العالمية.

ويقول: إكسبو 2020 دبي أضاف لي الكثير، بأن جعل التصميم مرتبطاً بهذا المكان، وهو ما سيثير مستقبلاً عاصفة من الأسئلة في نفوس كل من يشاهدون هذه التصاميم، عن طبيعة الفكرة المستخدمة ونوع الرموز التي تم الاستناد إليها، وهو ما يرجعهم إلى حقبتنا الزمنية الحالية. ويبين الفارسي أن المجموعات التي قدمتها منصة بمقام بذرة لفتح الأبواب بين الثقافات المختلفة. وقال: لقد أتاح لنا ذلك رؤية التداخلات بين الثقافات والتعاون مع حرفيين من دول مختلفة، والتعرف إلى أفكار جديدة، يمكن لها أن تفضي يوماً ما إلى تصاميم جديدة.

قصص الحِرف

تمثل سلسلة قصص الحِرف وهي مُعدة بتكليف من «منصة»، حواراً بين المصممين والحِرفيين المحليين والدوليين المدعوين، لاستكشاف الحِرف والثقافة الإماراتية وتمثيلها بأسلوب جديد، ويمكن الاستماع والتعرف إلى هذه القصص من خلال الاستمتاع بمشاهدة مجموعة من الأفلام الوثائقية المصورة في مواقع مختلفة من الإمارات، إلى جانب مجموعات التصاميم، إذ يشكل ذلك نظرة خاصة على العوالم الخاصة للحِرفيين وحِرفهم وتقاليدهم.

ومن بين هذه القصص 8000 موجة: قصة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وهي عبارة عن عمل مشترك بين استوديو التصميم الإسباني تودوموتا واستوديو التصميم الإماراتي أساطير، الذي أسسه محمد السويدي، المتخصص في صناعة منتجات مصنوعة يدوياً من عرق اللؤلؤ والمواد الخام. وهناك أيضاً مجموعة مصمم الأسبوع التي تقدم صورة عن تنوع المشهد التصميمي في أنحاء الإمارات كافة، عبر تقديم أعمال 24 مصمماً مقيماً في الإمارات، فضلاً عن المؤسسات العامة والخاصة.

واجهة زجاجية

يضم برنامج التصميم والحرف في معرض إكسبو 2020 دبي أكثر من 40 مصمماً من داخل الدولة، فيما تأتي مجموعته المختارة من المصممين والمؤسسات الحِرفية المشاركة في «منصة»، من 11 دولة و4 قارات، وتضم قائمة المصممين الإماراتيين والمؤسسات الإماراتية المشاركة فيها كلاً من: الغدير للحِرف الإماراتية، وعلياء بن عمير، وعمار كالو، وبالعربي، ومجلس إرثي للحِرف المعاصرة، وخالد الشعفار، ومركز تشكيل، وغيرها، وتعرض القطع ومجموعات التصاميم كافة، في صالة «منصة»، التي تضم واجهة زجاجية ضخمة، يبلغ حجمها 13 متراً، وصممها كل من كارميلو زابولا ورامي العلي، وتجمع الطباعة ثلاثية الأبعاد بالحِرف المحلية.

كتاب يوثق بصمات مبدعي التصميم في «منصة»

إبداعات المصممين ونوعية القصص التي تقف وراء كل تصميم، تجلّت بين دفتي كتاب «منصة التصميم الإماراتي»، الذي تم إطلاقه أمس، خلال حلقة نقاش تحدث فيها ريكاردو ديفيسيا، رئيس التحرير في دار أكتار للنشر، حيث تولى تحرير الكتاب الجديد.

الكتاب الذي يتألف من 252 صفحة، حمل تقديما بقلم معالي ريم الهاشمي، وزير الدولة لشؤون التعاون الدولي، مدير عام «إكسبو 2020 دبي»، حيث كتبت في مقدمتها: «نحن في دولة الامارات وفي «إكسبو 2020 دبي»، ندرك تمام الإدراك قيمة الحرف التقليدية التي لا تقدّر بثمن، وكذلك الإرث المعرفي الذي تمثله، الذي يتعين علينا أن نحافظ عليه ونتناقله عبر الأجيال، فيتغير اتجاهه إثر ذلك بما يتناسب مع رؤى كل جيل جديد».

من جانبها، ذكرت د. حياة شمس الدين، نائب الرئيس الأول -الفنون والثقافة- إكسبو 2020 دبي، في مقدمتها، أنه خلال «نصف القرن الماضي، شهد مجتمعنا وثقافتنا تحولاً لم يسبق له مثيل.. وعلى الرغم من الدور الاجتماعي والاقتصادي الذي تلعبه الحرف التقليدية في قلب المجتمع الإماراتي، فقد شهد تحولاً جذرياً، إلا أن الحرف ظلت حتى وقت قريب جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية».

طباعة Email