تايلاند ترسي معايير عالمية لإصدار شهادات المنتجات الحلال

تشتهر تايلاند على نطاق واسع بقدرتها على تقديم وصفات طعام مبتكرة إذا ما صادفت وصفة جديدة. إننا لا نقصد هنا الطعام حصرياً، مع أن هذا البلد يحظى بسمعة طيبة في هذا المجال، ولكن الأمر يتسع أيضاً ليشمل التسويق الناجح لأي شيء، تماماً مثل نهجها للترويج للتقاليد الغنية التي تمتاز بها أطباقها الشعبية، ولشواطئها الأسطورية والعديد من وجهاتها السياحية.

وعند إمعان النظر في هذا النهج، نجدها تستخدم صيغة النجاح ذاتها لدعم صناعة الحلال التي تزداد انتشاراً على نطاق واسع. ورغم وجود أقلية مسلمة من سكانها، تبادر تايلاند باستمرار لتطوير صناعة الحلال الموجهة للتصدير.

ولقد لعبت حكومة البلاد دوراً رئيساً في تطوير صناعة الحلال، وذلك من خلال توفيرها نظاماً مناسباً لدعم ما يزيد على 5,000 شركة لا تزال في طور النمو، ولكنها تنتج طيفاً واسعاً من المنتجات الحلال للعالم. وإضافة إلى أنشطة الترويج القوية لهذه المنتجات في الخارج، واستفادتها من بعثاتها التجارية العديدة والمعارض التي تشارك حول العالم، قامت باتخاذ خطوات مؤسسية استراتيجية لتعزيز قدرة منتجاتها على المنافسة في سوق الحلال العالمي.

وكان المجلس الإسلامي المركزي التايلندي قد وضع معايير الاعتماد ومنح شهادة الحلال في البلاد في وقت مبكر من عام 2001. وبعد ذلك بعامين فقط، قدمت الحكومة الدعم المالي للبدء بتطوير نظام الحلال المتوافق مع نقاط التحكم الحرجة لتحليل الأخطار. ليس هذا فحسب، بل وفرت الرعاية اللازمة لإنشاء المعهد الوطني لمعايير الحلال على أرضها.

مما لا شك فيه أن هذه المبادرات الجريئة تحمل أهمية حاسمة لأي دولة تتطلع إلى اقتحام ميدان صادرات المنتجات الحلال، لأن الشهادة التي تبرز ذلك تكون مهمة للغاية لدعم الأعمال التجارية، ولا سيما أن دولاً عديدة حول العالم، وعلى وجه التحديد الأسواق الإسلامية، أنشأت هيئات اعتماد مماثلة، لضمان تقديم منتجات الحلال، وأن جميع مكونات تصنيع أي منتج، يتم إنتاجها بطريقة آمنة وأخلاقية تتوافق تماماً مع تعليمات الشريعة الإسلامية.

إن الهدف الأسمى من شهادات الحلال يتمثل بحماية المسلمين للحيلولة دون تناولهم منتجات قد تحتوي على مكونات «حرام». ومن ذلك على سبيل المثال أن العديد من منتجات كولاجين في السوق تأتي من دهون الخنزير، كما أن معظم تركيبات الخل تعد أيضاً منتجاً ثانوياً للنبيذ. وتقدم شهادة الحلال ضماناً للعملاء، في حين تساعد المصدرين أو المنتجين على تعزيز أعمالهم وعلاقاتهم بعملائهم.

وفي عام 2009، وضع المجلس الإسلامي المركزي التايلندي تدابير لمراقبة جودة جميع المنتجات الحلال في البلاد، إلى جانب صوغ المبادئ التوجيهية لاستخدام شعار «حلال»، وسيؤدي ذلك إلى تعزيز آفاق وفرص دخول المنتجات التايلندية الأسواق الإسلامية حول العالم.

واتخذ المجلس خطوة مهمة أخرى، حينما اتسع نطاق تفويضه خارج حدود سلطاته، من خلال تأمين الحصول على الاعتماد من سلطات إصدار شهادات الحلال في الدول الإسلامية. وعلى سبيل المثال، نال المجلس الاعتماد من قبل هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس، إذ تعد الإمارات أحد أكبر الأسواق المستوردة للمنتجات التايلندية سنوات عديدة. وتخضع جميع المنتجات الغذائية الحلال المصدرة إلى الإمارات لشروط الاعتماد التي وضعها المجلس للتأكد من تلبيتها المعايير والأنظمة التي تطبقها هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس.

ولم تتوقف جهود الحكومة التايلندية عند هذا الحد، بل أطلقت مبادرات مهمة أخرى وكان في طليعتها إنشاء مركز علوم المنتجات الحلال في جامعة شولالونغكورن في العاصمة بانكوك، وهو أحد أفضل معاهد التعليم العالي في تايلاند.

ويهدف هذا المركز الذي يعدّ الأول من نوعه عالمياً، إلى دعم عمليات فحص المنتجات الحلال، ومن ثم إصدار الشهادات بناءً على تحليل مخبري مناسب، لضمان تطبيق أعلى مستوى من معايير الحلال.

ويعتمد المركز على أحدث التقنيات والتجهيزات حتى يتمكن من تحليل واكتشاف أي مكونات تندرج على قائمة العناصر المحرّمة شرعاً، مثل تلك التي قد توجد في الأحماض الدهنية الحيوانية والبروتينات، فضلاً عن التلوث بالكحول والميكروبات.

ويضم المركز فريقاً من العلماء الحاصلين على درجات علمية متقدمة في الكيمياء الحيوية والغذاء والتغذية والعلوم الصيدلانية والتكنولوجيا الطبية، وخضعوا جميعاً للتدريب المتخصص في التحليل المختبري والبحث، إضافة إلى طلبات الاستشارة بشأن معايير الأغذية الحلال، وتمثل مجتمعة رصيداً قيماً لمصدري الأغذية الحلال في تايلاند.

ويرتبط المركز بعلاقات مع ما يزيد على 10 مختبرات في العديد من الجامعات والمؤسسات في جميع أنحاء البلاد، لتساهم هي الأخرى في تعزيز المعرفة والابتكار حول تطوير المنتجات الحلال من خلال البحوث والندوات.

وبفضل نظام الدعم الشامل، نجحت تايلاند في ترسيخ صناعاتها للمنتجات الحلال، وإكسابها القدرة على خوض المنافسة العالمية، كما تمكنت من تحقيق المزيد من النمو مع التوسع في الأسواق العالمية بسبب ارتفاع عدد السكان المسلمين، والإقبال على استهلاك الأغذية الحلال في جميع أنحاء العالم.

طباعة Email