عجز الموازنة والمديونية واستعصاء الحلول خليط يهدّد الدولار والاقتصاد العالمي

واشنطن تتخبط في دوامة المآزق المالية المتناسلة

تعيش أميركا منذ فترة، في وضع مالي مستعصٍ. ما إن تطلع من مأزق حتى تعود لتدخل فيه من جديد. تزيحه من طريقها بالـتأجيل وشراء الوقت، لمواجهة غيره المشتق عنه؛ بالترحيل أيضاً.

وهكذا دواليك. دوّامة تعذّر الخروج من دورتها حتى الآن. وأدّى غياب الحلول إلى التعامل معها بالالتفاف عليها. فقط لتجنّب عواقبها الكارثية. تضافر العجز في الموازنة وتراكم المديونية العامة الهائل، مع التناحر السياسي بين الرئيس وخصومه في الكونغرس؛ ليقفل باب التسويات ومواجهة هذه التحديات، التي تنطوي على تهديدات خطيرة تشمل الساحتين الأميركية والدولية إذا ما بقيت تتفاقم وتتعالج بالتخدير والتنويم فقط، حسب التحذيرات المتزايدة لأهل الاختصاص والخبرة.

وزاد من تحكّم العقدة، أن المخارج الكبيرة مفقودة. المطروح لا يتعدّى الأطر المعمول بها، الصالحة لمعالجة معادلة أرقام. بينما الحلقة المفرغة ليست سوى تعبير عن أزمة نظام يصطدم بانسدادات سياسية واقتصادية تقتضي الإصلاح والتغيير، فيما يقف أهله عاجزين عن مثل هذه المهمة التاريخية. كلاهما يمارس لعبة العضّ على الأصابع حتى اللحظة الأخيرة، لكسر عظم مناوئه السياسي أولاً، وإن كان طرح أوباما أكثر تقدماً باتجاه تجاوز الأزمة.

وفي المدة الأخيرة، تسارعت وتيرة دوران حلقات هذا المسلسل وبما رفع من منسوب القلق، الذي تبدّى في الأرقام الهابطة للمؤشرات الاقتصادية الرسمية الأخيرة. قبل شهرين كانت أزمة ما عرف باسم " الهاوية المالية ".

بعد غد الجمعة، أميركا على موعد مع مقصّ الخفض الإجباري في نفقات الموازنة وما قد يرافقه من ارتدادات اقتصادية سلبية، إذا غاب التوافق على بديل. ويتبع ذلك، أواسط مايو المقبل، التحدّي الأخطر المتمثل برفع سقف الاقتراض العام لتمكين الحكومة الفيدرالية من النهوض بالتزاماتها المالية اليومية الروتينية وتسديد فوائد وأصول ديونها المتوجبة.

بخلافه تقع أميركا في ما يشبه الإفلاس، مع كل ما يترتب على ذلك من تدهور في سمعة ورصيد ودولار أميركا. وهذا أمر يدور حوله خلاف كبير نابع من تضارب المقاربات بشأن شقّي الإيرادات والنفقات في الموازنة؛ كما بشأن دور الدولة، الاجتماعي والمالي والاقتصادي.

«الهاوية المالية» في أواخر 2012

مع اليوم الأخير من العام المنصرم وبعد عشر سنوات على إقراره، انتهى مفعول قانون خفض الضرائب الذي مرّره الرئيس بوش في بداية عهده. أعطى الطبقة الوسطى مساحة لالتقاط أنفاسها.

لكنه من جهة ثانية وكانت هذه غايته الأساسية وفر على أصحاب المداخيل العالية أكثر من 800 مليار دولار، حرمت منها الخزينة بذريعة أن ترك هذه المليارات في جيوب المتمولين، من شأنه حملهم على استثمارها في مشاريع تخلق المزيد من فرص العمل.

لم يحصل شيء من ذلك. ثم جاءت حروب بوش وزلزال 2008 وما تبعه من عمليات تعويم رسمي لكبريات المصارف والشركات، لترهق الخزينة وتوقعها تحت مديونية، ما زالت تتراكم حتى اللحظة وبمعدل ما يزيد على تريليون دولار في السنة.

مع مجيئه تعهد أوباما بعدم تجديد الخفض للأغنياء والإبقاء عليه لغيرهم. لا الوضع يحتمل ولا الإنصاف يسمح بمعاملة الاثنين بنفس المقياس، على ما قال. وقف له المحافظون بالمرصاد. تمسكوا بالخفض للجميع وإلاّ العودة إلى الضريبة العالية على كافة الأميركيين. هدّدوا، خاصة في مجلس النواب الذي يسيطر عليه عتاة اليمين، بإسقاط أي مشروع قانون مخالف. بقي الأخذ والردّ وشدّ الحبال حتى آخر لحظة.

حيث جرى التصويت قبل عشرين دقيقة من دخول العام الجديد على مشروع أوباما، لكن بعد تقديم تنازل بشأن الحدّ الفاصل في الدخل بين الفئتين، حيث صار الدخل الخاضع للضريبة العليا 39% -- هو الذي يزيد على 400 ألف دولار للفرد 450 للعائلة، سنوياً بدل 250 ألف دولار.

طيلة فترة التفاوض، حبس الأميركيون أنفاسهم وسيطر الجمود النسبي على الأسواق، مخافة الزيادة الضريبية . لكن ما أن تراجعوا عن هذه الحافة حتى برز استحقاق آخر لا يقل عن الأول من حيث ضغوطه على الطبقة الوسطى التي تشكل عماد الاقتصاد الأميركي، كمستهلك وكمنتج.

الخفض الإجباري في النفقات

بموجب قانون صدر في صيف 2011، يبدأ اليوم الجمعة الأول من مارس 2013، قطع النفقات في الموازنة بقيمة 85 مليار دولار للمتبقي من السنة الجارية على أن تتوزع على كافة بنود الموازنة؛ إذا تعذر التوافق على صيغة مقبولة توازن بين الإنفاق والإيرادات العامة للموازنة العامة. وقد جاء هذا القانون آنذاك كمخرج يحفظ ماء الوجه، لتجاوز الخلاف حول رفع سقف الاقتراض بين المحافظين المعترضين وحزب الرئيس. كان عملية شراء وقت، علّ الظروف تتكفل بحلحلة المواقف.

الآن حان الموعد والخلاف ما زال على حاله. ما كان صيغة لتجاوز عقدة، تحوّل ذاته إلى عقدة، لا حلّ لها إلاّ بالتنازل المتبادل المفقود. الصيغة كانت مجازفة من الأساس. قبلها الجانبان كتكتيك لتسجيل موقف ثم توظيفها لوضع الخصم في الزاوية. فوجد كلاهما نفسه فيها.

حتى اللحظة، التسوية مستبعدة بين البيت الأبيض وحزبه الديمقراطي وبين الجمهوريين وجناحهم اليميني المتشدد ربما توصّلا إليه في اللحظة الأخيرة، كما حصل في " حافة الهاوية المالية ". كل واحد يلعب أوراقه حتى آخر ساعة. لكن الضرر وقع. التناحر صار من يوميات الحياة السياسية الأميركية.

لا يحصل التوافق على شيء إلاّ على عتبة الوقوع في الهوّة ومن باب عدم التفريط بالرصيد السياسي والتخوف من تحمل ثمن المسئولية. وقد لا يتم التوصل إلى اتفاق هذه المرة، حسب معظم التوقعات بالرغم من تحذيرات مدير المصرف المركزي من مضاعفات مثل هذا الخفض العشوائي، على صعيد البطالة خسارة 750 ألف وظيفة كما على صعيد معدل النمو هبوط أكثر من نصف بالمئة .

علماً أن هذه الخسارة تطول قطاعات حساسة، أمنية وعلمية وتدريبية وغيرها، سيتوقف معظم العمل فيها. الكونغرس، أمين ومفتاح الخزينة، لا يفرج عن المال إلاّ إذا وافق البيت الأبيض على الخفض في البرامج الاجتماعية التي يصرّ عليها المحافظون.

والرئيس لا يوافق إلا على خفض مقبول مرفق برفع الضرائب على المقتدرين. النتيجة، أزمة جديدة مفتوحة ومرشحة للمزيد من التعقيد، إذا ما تعذر التوصل إلى تسوية قبل حلول موعد الطلب من الكونغرس في أواسط مايو القادم لتفويض الإدارة باقتراض المبالغ اللازمة لمواصلة تسيير أعمالها.

رفع سقف الديون العامة

في أواخر يناير الماضي جدّد الكونغرس الصلاحية للإدارة كي تواصل الاقتراض عبر بيع سندات الخزينة أو الاستدانة من صناديق الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وغيرها المؤتمنة عليها ، لغاية 19 مايو القادم. وعادة لا تجد واشنطن صعوبة في ذلك. الثقة بسنداتها عالية وتعتبر ملاذاً آمناً للاستثمارات المحلية والأجنبية. خاصة الصينية.

حتى في الوقت الراهن حيث وصل مستوى الديون إلى ما يعادل الانتاج المحلي القومي: حوالي 16 تريليون دولار. في حالات أخرى مثل اليونان، يؤدي مثل هذا المنسوب إلى العجز عن سداد الديون وفوائدها. الحالة الأميركية، مختلفة.

الأصول والبنية الانتاجية التحتية الأغنى في العالم، تسمح بتجاوز الحدود. ثم أن عملتها أساسية في التعاملات الدولية. بيع النفط يجري بالدولار. 75% من احتياطات البنوك المركزية في العالم، بالدولار. الاقتصاد العالمي ومبادلاته التجارية، بالدولار. القدرة متوفرة. لكن القرار السياسي معطّل نتيجة المناطحة بين البيت الأبيض والكونغرس. رخاوة اوباما ساهمت أحياناً في تشجيع اليمين على الاستئساد والتشبث بخفض النفقات كشرط لفتح باب الاقتراض الذي لا فكاك منه ولغاية أن يتعافى الاقتصاد.

من دونه تصل أميركا إلى حالة من الإفلاس. يهبط تصنيفها الائتماني أكثر. وكان قد نزل لأول مرة في تاريخه من خانة الممتاز بعد أزمة سقف الديون عام 2011 .العجز عن خدمة الديون يفاقم هذا الوضع ويؤدي، حسب مراجع المال والاقتصاد، إلى ارتفاع الفوائد وبالتالي إلى ضمور الاستثمارات وانكماش التسليف المصرفي. بل إلى " أزمة مالية حادة " تحاكي 2008؛ مع كل ما يجره ذلك من تداعيات مالية واقتصادية عالمية.

قد لا تصل الأمور إلى هذا الحدّ. المحافظون لا يقوى معظمهم على التسبب في وصول الحال إلى هذه النقطة. رصيدهم هابط. صفوفهم تعاني من التخبط والانقسام بعد الهزيمة في معركة الرئاسة. في الواقع الفرصة مناسبة للرئيس كي يمضي في مقارباته المالية من غير تنازل. تحثه على ذلك مرجعيات معروفة، مثل بول كروغمان، الأستاذ في جامعة برنستون والحائز على جائزة نوبل.

 أوباما: الاقتطاعات التلقائية ستشكل صدمة كبيرة للاقتصاد

حذر الرئيس الأميركي باراك أوباما أول من أمس، من أن الاقتطاعات التلقائية في المصاريف اعتباراً من الجمعة ستشكل «صدمة كبيرة» للاقتصاد الأميركي، ووصف هذه الاقتطاعات بأنها غير ضرورية، وتأتي بسبب الخلافات الدائمة بين البرلمانيين.

وشدد أوباما مرة جديدة أمام رجال أعمال في واشنطن على النتائج الملموسة لهذا الإجراء الذي سيدخل حيز التطبيق اعتباراً من الجمعة إلا في حال التوصل إلى اتفاق، وهو احتمال مستبعد، بين الديمقراطيين والجمهوريين.

وأشار الرئيس الأميركي إلى أن تأثير اقتطاع مبلغ الـ85 مليار دولار من المصاريف الفيدرالية قبل نهاية السنة المالية في سبتمبر سيكون بمثابة «كرة ثلج».

وقال الرئيس الأميركي أيضاً إن النتائج لن تظهر «في الأسبوع الأول ولا في الأسبوعين الأولين والأسابيع الثلاثة، إن لم تكن مؤسستكم مرتبطة مباشرة بوزارة الدفاع» التي ستتأثر ميزانيتها بشكل أكبر من غيرها.

وحتى على المدى الطويل «سيكون هذا الأمر صدمة كبيرة للاقتصاد. طالما أن القطاع الخاص والقطاع العام يعتبران أننا سنفقد 0,6 نقطة من النمو الاقتصادي»، حسب أوباما.

وأضاف: «هذا الأمر يعني أنه سينخفض عدد المستهلكين الذين سيحصلون على الأموال. وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي سيكون أضعف».

وأوضح الرئيس الأميركي أن «الأسوأ هو أن هذا الإجراء ليس ضرورياً»، مكرراً مطالبته بـ«مقاربة متوازنة» لتقليص العجز في الميزانية: اقتطاعات ولكن أيضاً رفع الضرائب على المكلفين الميسورين.

وقال أيضاً: «هذا ما اقترحته على أصدقائي الجمهوريين في ديسمبر». وأضاف: «المسألة ليست تقنية، إنها مسألة سياسية. المسألة هي معرفة ما إذا كانت الإرادة متوافرة عند جميع الأطراف للتوصل إلى تسويات حقيقية». وسيلتقي الرئيس أوباما اليوم في البيت الأبيض زعماء الكونغرس.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات