«الاقتصاد الدائري».. طريق الإمارات إلى التنمية المستدامة

لمشاهدة الملف ...PDF اضغط هنا

تخطو دولة الإمارات خطوات متسارعة نحو تبني نموذج الاقتصاد الدائري، من أجل تحقيق النمو المستدام طويل الأمد، وبما يتماشى مع التوجهات العالمية في التنمية المستدامة والقيم الإنسانية وتحسين جودة الحياة.

وكشفت دراسة حديثة حصلت «البيان الاقتصادي» عليها، أن الإمارات قد تتمكن عبر توظيف نموذج الاقتصاد الدائري في مدنها، من تحقيق توفير يصل إلى 28 مليار دولار (102.8 مليار درهم) خلال الفترة من أعوام 2020 - 2030، تتوزع على 7.2 مليارات دولار في البيئة العمرانية، و11 مليار دولار في نظم النقل، و9.8 مليارات دولار في المنازل.

ووفقاً لتوقعات حديثة لشركة «استراتيجي آند» فقد تتمكن الدولة من توفير 23 مليون طن من انبعاثات الكربون خلال الفترة ذاتها، على شكل 1.3 مليون طن في البيئة العمرانية، و4.5 ملايين طن في نظم النقل، و17 مليون طن في المنازل.

ويظهر اهتمام الدولة بهذا التحول الاقتصادي والتنموي، ضمن الرؤى الوطنية والاستراتيجية الاقتصادية للبلاد، وخاصة رؤية الإمارات 2021 ورؤية أبوظبي الاقتصادية 2030 واستراتيجية دبي الصناعية 2030 واستراتيجية الإمارات لاستشراف المستقبل والرؤية البيئية لإمارة أبوظبي 2030 وغيرها.

وتناولت الاستراتيجية الوطنية للطاقة، والتي تستهدف زيادة مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني إلى 50% بحلول عام 2050 ورفع كفاءة الاستهلاك بنسبة 40%، مشاريع تحويل النفايات إلى طاقة، وتحويل مخلفات الصناعة إلى موارد في صناعات أخرى ضمن مفهوم الاقتصاد الدائري.

أكد سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، لدى استعراض المبادئ السبعة الرئيسة لمدن المستقبل على هامش القمة العالمية للحكومات التي عقدت في دبي فبراير الماضي، أن الاقتصاد الدائري يُمكن مدن المستقبل من مواجهة تحدي التغير المناخي عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية واستهلاك الطاقة، ويمثل مجالاً خصباً للابتكار وخلق الثروة الاقتصادية وكذلك محدداً رئيساً لتحسين مناخ وجودة الحياة داخل المدن.

وأشار سموه إلى أن مساهمة الاقتصاد الدائري في زيادة إنتاجية استغلال الموارد في أوروبا تقدر بـ3% بحلول عام 2030، ويمثل هذا الرقم توفيراً في التكلفة بقدر 600 مليار يورو و1.8 تريليون يورو في منافع اقتصادية أخرى.

أرض جديدة

قال سعود أبو الشوارب، المدير العام لمجمّع دبي الصناعي، أحد أكبر المجمّعات الصناعية في دبي والعضو في مجموعة تيكوم، إن نموذج الاقتصاد الدائري يكتسب أرضاً جديدةً في الإمارات يوماً بعد يوم، ليس فقط لاعتبارات اقتصادية تتعلق بكفاءة استخدام الموارد المتاحة، وإحداث خفض في تكاليف الإنتاج، ولكن أيضاً لآثاره الإيجابية الجيدة على البيئة ومساهمته في الحفاظ على الموارد الطبيعية.

وأضاف إن الدولة تسير بخطى ثابتة لتصبح إحدى أكثر دول العالم استدامةً، حيث تضع التنمية المستدامة على رأس أولوياتها، وأطلقت لتحقيق هذا الهدف عدداً من المبادرات والخطط الاستراتيجية الرامية إلى تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، لافتاً إلى أن من بين الخطوات الواجب اتباعها، هي إعادة النظر في النماذج الاقتصادية الحالية عبر تغيير نمط وطرق الإنتاج والاستهلاك للموارد وتقليل النفايات وإعادة تدويرها للحد من البصمة البيئية وتعزيز الفرص الاقتصادية بما يؤدي إلى نمو مستدام.

منشآت متطورة

وأوضح أن مجمّع دبي الصناعي يقدم الدعم لشركاء أعماله بهدف تبني نهج الاستدامة والتدوير، حيث يحتضن المجمّع منشآت صناعية متطورة مثل مصنع «يونيليفر»، الذي وظف تقنيات الطاقة الشمسية وإعادة تدوير المياه، وخفض البصمة الكربونية الناجمة عن الأنشطة اللوجستية بنسبة 90%.

وأضاف إن المجمع يحتضن شركة «انفيرو سيرف» لإعادة تدوير المعدات الإلكترونية، والذي سيطلق مرفقه الجديد الشهر المقبل حيث يعتمد على أحدث التقنيات لإعادة تدوير النفايات الإلكترونية بمساحة 280 ألف قدم مربعة، كما قامت «دلسكو» المتخصصة في مجال تزويد الحلول البيئية بإنشاء مصنع جديد لإعادة التدوير في المجمّع.

خطوات متسارعة

أكد الدكتور عبدالوهاب السعدون، الأمين العام للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات والكيماويات «جيبكا»، أنه على الرغم من أن مفهوم الاقتصاد الدائري يعد في مرحلة ناشئة ليس فقط في الإمارات ولكن على الصعيد العالمي، إلا أن هناك خطوات متسارعة نحو تبني نموذج الاقتصاد الدائري.

وقال إن رؤية الإمارات 2021 على وجه الخصوص تتضمن أهدافًا طموحةً حول معالجة النفايات وتطوير الطاقة المتجددة وإعادة تدوير المياه، وهي جميعها سياسات تدعم الانتقال نحو اقتصاد دائري بدرجة أكبر، وكجزء من هذه الرؤى، حيث تم تحديد العديد من المتطلبات القطاعية المحددة، مع كون إدارة النفايات واحدة منها. وتعتزم الدولة خلق قيمة مضافة من خلال تحسين كفاءة المواد ومدخلات الإنتاج وإدارة النفايات على المستوى الوطني، وخاصة بالنسبة لأبوظبي، وهذه سمة رئيسة للاقتصاد الدائري القائم.

وبين أن الشرط الأساسي لتطوير هذا النموذج في الإمارات يتمثل في اعتماد الأنظمة الملائمة ووضع استراتيجيات فعالة لإدارة النفايات وتطوير البنية التحتية اللازمة، لافتاً إلى أن إنشاء وتنظيم سوق للمواد الخام الثانوية سيكون على نفس القدر من الأهمية لتشجيع تطوير قطاع إعادة التدوير وتحفيز المصالح التجارية والاقتصادية.

إعادة التدوير

وأشار إلى أن زيادة الاستثمار في إعادة التدوير وإنشاء صناعة قوية لإدارة المخلفات في الإمارات سيكون أمراً حاسماً بشكل مطلق من أجل إقامة اقتصاد دائري، ولهذا السبب يعمل الاتحاد على إعداد دراسة جدوى بدعم من شركة «بروج» لوضع فهم أعمق لإعادة التدوير في الدولة ووضع توصيات من شأنها تعزيز هذه الصناعة على نحو عملي، علاوة على إطلاق برنامج اقتصاد البلاستيك الدائري الذي أيدته «بروج» والهادف إلى معالجة تطبيق المنتجات البلاستيكية في نهاية عمرها وتسريع إعادة استخدام وإعادة تدوير المواد البلاستيكية على مستوى العالم، مضيفاً إن الاتحاد لعب أيضاً دوراً في دعم تطوير استراتيجية إدارة النفايات البلاستيكية في الدولة بالتعاون مع وزارة التغير المناخي والبيئة والتي بنيت أيضاً على نموذج دائري.

مواءمة اقتصادات المنطقة

وأكد أن الانتقال إلى نموذج اقتصادي دائري يمكن أن يساعد على مواءمة اقتصادات المنطقة مع الرؤى الوطنية لدول الخليج عموماً بشأن الاستثمارات المستدامة وطويلة الأجل، بينما يساهم أيضاً بشكل إيجابي في الدافع الإقليمي للتنويع الاقتصادي، وكذلك زيادة إيجاد القيمة داخل الاقتصاد والحفاظ عليها، وتظهر الأبحاث أن الانتقال إلى اقتصاد دائري سيمكن من خلق فرص العمل وتحسين مستوى معيشة السكان ونوعية حياتهم وتشجيع التغيير السلوكي الإيجابي والشعور بالمسؤولية داخل المجتمع.

وقال محمد كرم، رئيس تطوير الأعمال في الشرق الأوسط وأفريقيا لدى شركة «إنسينكِراتور»، المتخصصة في ابتكار وتصنيع أجهزة التخلص من مخلفات الطعام والتابعة لشركة «إيمرسون» العالمية، إن الاقتصاد الدائري لم يعد خياراً بل هو ضرورة حتمية في ظل تزايد النمو السكاني في العالم وعدم محدودية نمو الموارد، لقد ثبت عملياً أن نماذج الأعمال التي تنتهجها تعد ناجحة ومربحة أكثر مقارنة بالنماذج الخطية إذا أخذنا بعين الاعتبار التكاليف الخفية للمنتجات.

وأضاف إن من الفوائد الأخرى للاقتصاد الدائري تحفيز الابتكار والتصنيع الصديق للبيئة وترشيد الاستهلاك وإعادة التدوير، وتوليد فرص عمل جديدة في قطاعات إعادة تصنيع وإصلاح السلع القديمة وصيانة المباني والجسور وغيرها من منشآت البنية التحتية مثلما سيؤدي إلى المحافظة على رأس المال الطبيعي، ويخفض تكاليف الإنشاء والتطوير والاستثمار، ويساعد على الابتكار في مجالات الاستدامة والحفاظ على الموارد.

قفزات نوعية

وأكد أن الإمارات حققت في هذا المجال قفزات نوعية في ظل غياب هذا المفهوم كلياً عن بعض دول المنطقة لأسباب عديدة، أن وضعت نصب عينيها تحقيق رؤية طموحة لاعتماد هذا النموذج وكان من أبرز هذه الخطوات إدارة النفايات وتحييد جزء كبير منها عن المكبات والمدافن من خلال إعادة الاستخدام والتدوير وخلق قيمة اقتصادية أعلى للمنتجات بعد تحييد تكاليفها المخفية والمتمثلة بأعباء التخلص من نفاياتها والأعباء البيئية المترتبة على ذلك.

وأضاف إن هناك حاجة ملحة لخلق بيئة استثمار ملائمة وجاذبة أمام الراغبين في الاستثمار في مشاريع إنتاجية تستخدم مواد أولية معاد تدويرها، وفي هذا السياق أيضاً هناك ضرورة لتطوير نماذج اقتصادية جديدة لجهة طريقة الإنتاج واستهلاك المنتج وآلية تدويره، وهذا من شأنه تغيير طريقة العيش ويدفع إلى اعتماد التطوير والابتكار في الصناعة والاستهلاك، مع وضع خريطة تتضمن أبرز الدول في العالم التي تعتمد هذا النموذج وفتح خطوط تواصل معها بهدف الشراكة وتبادل الخبرات والمساعدة على بناء الكوادر الوطنية القادرة على النهوض بعجلة الاقتصاد الدائري المستدام، مشدداً على أهمية دعم التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص وتحفيز المشاريع التعاونية الرامية إلى تحقيق انتقال سلس إلى الاقتصاد الدائري.

وقال إن التقدم الملحوظ في الإمارات يظهر في المضي قدماً نحو تحقيق هدفها المتمثل بعدم وجود نفايات، حيث تخطط إلى تحويل 75% من النفايات بعيداً عن مواقع الدفن عن طريق إعادة تدويرها واستخدامها بحلول عام 2021، موضحاً أن المقيم ينتج في المتوسط من 4.2 إلى 8 كيلوغرامات من النفايات يومياً ويتم التخلص من حوالي 60% في مدافن النفايات، ولتلافي الآثار المدمرة لحجم النفايات المتوقع أن يتم توليده خلال السنوات القليلة القادمة كانت الإمارات صارمة في الأمر، وخصوصاً الجهات المعنية في حكومة دبي التي تعزز على الدوام ثقافة وممارسة إعادة التدوير. وشكلت مبادرة «اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة»، نقطة تحول أساسية بهذا الاتجاه بحيث يعد الاقتصاد الدائري إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق الاقتصاد الأخضر.

وأضاف إنه لم يتم حتى الآن وضع تصور أو دراسة عن حجم الوفورات التي يمكن للاقتصاد الدائري أن يحققها ولكن تشير التقارير إلى أن منطقة الخليج وحدها قادرة على تحقيق وفورات في مجال الطاقة فقط تفوق 138 مليار دولار. وأشارت التقارير العالمية إلى أن الانتقال إلى الاقتصاد الدائري سوف يولد ما يزيد على تريليون دولار سنوياً للاقتصاد العالمي وباعتقادي أن حصة الإمارات كونها من الدول السباقة في المنطقة والعالم بهذا المجال ستكون كبيرة.

«الإمارات للألمنيوم» توفر وقوداً للمصانع

أعلنت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم مؤخراً، عن تزويد مصانع الأسمنت في الإمارات بما يقارب كامل إنتاجها من غبار الكربون الناجم عن عملية صهر الألمنيوم لاستخدامه وقوداً بديلاً لمصانعها.

وعلى مدار العامين المقبلين، ستزيد الشركة إمداداتها من غبار الكربون إلى مصانع الأسمنت الإماراتية إلى 78 ألف طن، وسيسهم استخدام غبار الكربون في تقليص متطلبات شركات الأسمنت لأنواع الوقود الأخرى، بما في ذلك في بعض حالات الفحم المستورد من مناطق بعيدة مثل جنوب أفريقيا، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى توفير نحو 36 ألف طن من انبعاثات الكربون في العامين المقبلين، وهو ما يعادل إزالة 7800 سيارة من الطرق.

وتمكنت «الإمارات للألمنيوم» أيضاً من إعادة تدوير أكثر من 102 ألف طن من النفايات العام الماضي، متقدمة بذلك على أدائها خلال 2017، الذي أعادت خلاله تدوير 96 ألف طن من النفايات.

دمج المفاهيم الدائرية

في الوقت الذي يحظى فيه الاقتصاد الدائري بإجماع عالمي لما يحمله من إمكانات هائلة وفرص للنمو، سارعت العديد من الشركات العالمية العملاقة نحو دمج المفاهيم الدائرية في أعمالها بهدف رفع مستوى كفاءة استخدام الموارد.وتقوم شركة أبل بتوظيف طرق مبتكرة للحدّ من استخدامات المواد من مصادر محدودة واستبدالها بمواد من مصادر متجددة، فيما تعمل «بي أيه أس أف» شركة إنتاج كيماويات البناء، على إعادة استخدام المواد كبديل عن استخدام الموارد محدودة المصدر، في صناعة الخرسانة.

بينما تعمل شركة الإلكترونيات «إتش.بي» على إصلاح وتحديث وإعادة بيع المنتجات والقطع المستخدمة، بهدف إطالة عمر المنتجات، كما تقوم منافستها شركة «ديل تكنولوجيز» بتوظيف المواد البلاستيكية المستخدمة في منتجات التكنولوجيا التي تم استردادها من عمليات إعادة التدوير.

استخدام الطماطم في معدات السيارات

تصنع شركة إيكيا العالمية المتخصصة في صناعة الأثاث، واجهات المطابخ وصناديق التخزين التي يطلق عليها «كوغيز»، بالكامل من الخشب والقوارير البلاستيكية المعاد تدويرها.وتقوم كل من شركة «فورد» للسيارات و«هاينز» للمنتجات الغذائية بالتحقيق في إمكانية استخدام قشرة الطماطم التي ترمى جانباً كأساس لمواد تركيب جديدة لقطع غيار السيارات، حيث يختبر الباحثون في فورد متانة ألياف الطماطم لمعرفة ما إذا كان بإمكان استخدامها كبلاستيك حيوي يمكن وضعه في أسلاك مساند المركبة وحاويات التخزين.

ويمكن لهذا التعاون أن يحل مشكلة مستمرة تعاني منها هاينز التي تبحث عن طرق جديدة لإعادة التدوير للأفضل للقشور والسيقان والبذور الناتجة عن استخدام 2 طن من الطماطم سنوياً لإنتاج صلصة الطماطم الخاصة بها وتطويعها لأغراض أخرى، بينما يشكّل جزءاً من مبادرة ذات نطاق أوسع لدى «فورد» لتطوير مركبات بلاستيك نباتية مستدامة وخفيفة الوزن للحد من استخدام البتروكيماويات في التصنيع.

7 صناعات صينية جديدة

حققت تجربة الصين في مجال التصنيع والاستفادة من الموارد البيئية انتقالاً نوعياً لتغيير شكل التنمية الاقتصادية، من أجل تقليل تأثيراتها السلبية إلى الحدّ الأدنى فيما يتعلّق بالموارد والبيئة، حيث يمكن للبلدان حول العالم أن تعتمد على خبراتها لتحلّ مشاكلها الخاصة، ما يمكّن تنميتها الاقتصادية من أن تصبح موفِّرة للموارد وصديقة للبيئة.

ووفقاً لمجلس الجمعية الصينية لبحوث التنمية المستدامة فإن تبني الاقتصاد الدائري في الصين سيسهم في إطلاق سبع صناعات جديدة وهي صناعة البيئة، وإعادة تدوير المخلفات، وتوفير الطاقة وخفض استهلاكها، والطاقة المتجددة، والصحة، والاقتصاد الخدماتي، والتصاميم والتصورات الإبداعية.

وتمثلت ممارسات الاقتصاد الدائري في الصين في قطاعات مثل الزراعة، والحديد والفولاذ، والأسمنت، وتوليد الطاقة باستخدام الفحم، والكيمياء، وتصنيع الورق من خلال كيفية إعادة تدوير المخلفات البيئية، وتحقيق الاستفادة الاقتصادية المثلى منها.

اقتصاد دورة الحياة.. من المهد إلى المهد

الاقتصاد الدائري أو ما يُسمى الاقتصاد المغلق للمواد أو اقتصاد دورة الحياة، هو مفهوم حديث يسعى إلى بناء الاقتصاد على أسس تدوير المواد، من خلال إبقاء المنتجات والمكونات والمواد في أعلى قيمة وفائدة في جميع الأوقات على عكس الاقتصاد التقليدي السائد حالياً والقائم على الأخذ والتصنيع والهدر، والذي يستنفد الموارد بمعدلات متسارعة مع توليد كميات غير مسبوقة من المخلفات والانبعاثات، ما يسبب أضراراً اقتصادية واجتماعية وبيئية.

ويعود مفهوم الاقتصاد الدائري إلى عام 1976، تبعاً لرؤية المعماري والبيئي السويسري والتر ستاهيل، الذي ابتكر هذا المصطلح ووصفه بأنه «من المهد إلى المهد» أي الاستفادة قدر الإمكان من المنتج عبر تدويره وإعادة إخراجه في أشكال واستعمالات جديدة لخدمة الاقتصاد والبيئة معاً.

ويحظي الاقتصاد الدائري باهتمام عالمي في السنوات الأخيرة باعتباره من القطاعات ذات القيمة المضافة والربحية الكبيرة، ورافداً من روافد التنمية المستدامة، حيث يمكن أن يوفر على العالم ما يقارب تريليون دولار بحلول عام 2025، ويولد 100 ألف وظيفة جديدة خلال خمس سنوات، بحسب تقديرات وإحصاءات صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسة «إلين مكارثر».

كما يعتبر أحد الأشكال الرئيسية الثلاثة لاقتصادات المدن في المستقبل إلى جانب اقتصاد البيانات، والاقتصاد التشاركي، وذلك في إطار التعدد الاقتصادي الذي يعتبر اليوم من التوجهات العالمية التي تدعم التنمية المستدامة.

أليس خلاط: على دول الخليج تبني النموذج في المدن

قالت أليس خلاط، مديرة مركز الفكر، المؤسسة الفكرية في شركة «استراتيجي آند» للاستشارات الشرق الأوسط: «يوفر الاقتصاد الدائري نموذجاً أكثر استدامة، محققاً 3 فوائد رئيسية هي الاستخدام الكفؤ والمقنن للموارد المحدودة، واستبدالها بموارد متجددة، واستخدام وإطالة عمر المنتجات إلى أقصى حد ممكن، واسترداد وإعادة تجديد المنتجات الثانوية والمخلفات الناجمة.

وأضافت:»يُنظر إلى التلوث والنفايات، في الاقتصاد الدائري، على أنها تسرب للقيمة، حيث يعمل على تحسين استخدام الموارد ويحد من الفاقد بما يسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والابتكار وتحقيق النمو المستدام.

ولفتت إلى أنه يتوجب على دول الخليج تبني نموذج الاقتصاد الدائري في المدن، لا سيما وأن مدنها تحتضن ما نسبته 85% من سكان المنطقة، كما أنها تشهد حالياً تطوير بنية تحتية عمرانية ضخمة وإنشاء مدنٍ عملاقة، وهي تتألف من ثلاث مكونات رئيسة هي البيئة العمرانية، ونظم النقل، والمنازل، وهي جميعها تنتج كثيراً من المخلفات، موضحة أن قطاع الإنشاءات في الإمارات ينتج ما بين 25 - 40% من إجمالي مخلفات المدن، مقارنة بنسب تتراوح ما بين 25 - 30% في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ضعف مستوى توظيف المنطقة للممارسات الإنشائية المبتكرة والمستدامة، بما في ذلك المساحات المركبة من عدة وحدات، وتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد.

وأشارت إلى أن الإمارات تعد رابع أكثر دول العالم استهلاكاً الطاقة، والسادسة عالمياً في استهلاك وقود البنزين مقارنة بعدد السكان، كما تشير الإحصائيات إلى أن إعادة التدوير في دبي وصل إلى أعلى مستوياته بنسبة توازي 25% من إجمالي المخلفات، خلال الأعوام الماضية (2015 - 2018)، مقارنة بمتوسط نسبته 45% في الاتحاد الأوروبي.

اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئة

استخدم مصطلح الاقتصاد الدائري للمرة الأولى من قبل اثنين من خبراء الاقتصاد البيئي البريطانيين، ديفيد بيرس، وآركيري تيرمز في كتابهما «اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئة» الصادر عام 1989 عن جامعة «جونز هوبكنز» الأمريكية، حيث أشارا إلى أن الاقتصاد السائد في العالم هو اقتصاد خطي تطور دون أن يتضمن في بنيته الأساسية فكرة إعادة التدوير، الأمر الذي انعكس في التعامل الجائر مع البيئة، بينما الاقتصاد الدائري (غير الخطي) يرتكز على دراسة الأنظمة الغنية بردود الأفعال، وبشكل خاص المنظومات الحيوية، وإحدى النتائج الرئيسية لذلك هي بروز مفهوم تحسين النظم بدلاً من المكونات، ومفهوم التصميم للملاءمة، وصولاً إلى تحقيق مبادئ الاستدامة الاقتصادية.

إقبال كبير من الشركات والمصانع الوطنية على تطبيقات النظام الجديد

تنسق إدارات النفايات المحلية في الإمارات فيما بينها للتعامل مع مشاكل النفايات التي زادت خلال العقد الماضي بسبب النمو السكاني والأنشطة الاقتصادية، من خلال إعادة تدويرها، وتحويلها إلى طاقة، وموارد صالحة للاستخدام، وتزايد إقبال الشركات والمصانع على تطبيقات الاقتصاد الدائري ولا سيما في مجال تحويل النفايات إلى طاقة في خطوة إيجابية مادياً وبيئياً وتساعد على خلق اقتصاد دائري في الدولة وتعزز المسؤولية البيئية والاقتصادية للصناعات الوطنية.

وتعمل دبي على إنشاء أكبر محطة لتحويل النفايات الصلبة إلى طاقة والتي تعد الأكبر من نوعها في العالم وأحدثها تقنية، بكلفة نحو ملياري درهم، ويهدف المشروع إلى أن تكون دبي أكثر المدن استدامة وذكاء بحلول عام 2021، وسيتم من خلالها معالجة نحو مليون و900 طن من النفايات المنزلية سنوياً، بينما ستجري معالجة الانبعاثات الناتجة عن عملية المعالجة بشكل آمن وصديق للبيئة، وفق أرقى المعايير العالمية.

وأنشأت حكومة أبوظبي مركز أبوظبي لإدارة النفايات «تدوير» في عام 2008، كشركة مسؤولة عن السياسات والاستراتيجيات والنظم التعاقدية لإدارة الفضلات والنفايات في جميع أنحاء الإمارة، فيما باشرت شركة «طاقة» بالتنسيق مع مركز تدوير، ببناء محطة لتحويل النفايات إلى طاقة بالقرب من ميناء المصفح في أبوظبي بكلفة 850 مليون دولار، وذلك لتوليد كمية من الكهرباء تكفي لسد احتياجات أكثر من 20 ألف منزل، إضافة إلى إنتاج كميات كبيرة من الأسمدة العضوية والمنتجات الأخرى بقيمة تتجاوز 1.2 مليار دولار.

وأسست إمارة الشارقة مركز شركة الشارقة للبيئة «بيئة» عام 2007 والذي يعد أكبر مركز في منطقة الشرق الأوسط والثالث من نوعه على مستوى العالم.

يحيى عنوتي: 5 خطوات لتسهيل اعتماد النموذج محلياً

قال الدكتور يحيى عنوتي، مدير أول في شركة «استراتيجي آند» الشرق الأوسط للاستشارات، إن الإمارات تمضي قدماً في الاتجاه الصحيح نحو تبني النموذج الدائري عبر الخطط والتشريعات الوطنية التي تدمج وتراقب معايير الاستدامة، بما في ذلك رؤية 2021 التي تسعى إلى الحد من نسبة المخلفات والاستخدام المفرط للمياه، كما توفر الأجندة الخضراء 2030، استراتيجية مدمجة من الحلول لإدارة الطاقة والمياه، فيما يهدف نظام تقييم المباني الخضراء في دبي، وهو إلزاميٌ لجميع المباني، إلى حماية البيئة من خلال تقليل استهلاك الكهرباء، وتسعى استراتيجية الإمارة للطباعة ثلاثية الأبعاد إلى توظيف التقنيات المتقدمة في الحدّ من التكاليف ورفع مستوى الاستدامة في العديد من القطاعات، وأبرزها قطاع الإنشاءات.

وأضاف إن هذه الخطط توفر توصيات مخصصة لقطاعات بعينها، ويتوجب على هذه المخططات دمج مبادئ الاقتصاد الدائري بأسلوب شامل ومتكامل، لتراعي الجوانب التالية: الطاقة والمياه والمخلفات الحيوية والموارد الخام والفضلات، محدداً 5 خطوات ينبغي على الإمارات اتخاذها لتسهيل اعتماد هذا النموذج، الأولي: دمج مبادئ الاقتصاد الدائري في الخطط الوطنية من خلال تبني الاستراتيجيات والسياسات والمبادرات المطلوبة، والثانية: وضع الأهداف الرئيسة لها، وتقديم الدعم لتطوير الأسواق غير الناضجة حالياً، والتي تعد عوامل أساسية لتمكين الممارسات الدائرية في المدن، على سبيل المثال، تشجيع ريادة الأعمال، وتعزيز قدرة اللاعبين الدوليين على الوصول إلى السوق، ورفع مستوى الوعي بمزايا العروض.

وتشمل الأسواق الدائرية التي يتوجب تطويرها ما يلي: الطباعة ثلاثية الأبعاد، ومنصات تقاسم المواد، ومنصات تشارك مواد البناء الخضراء، والمركبات الكهربائية وغيرها.

تحفيز النظام البيئي

وأضاف إن الخطوة الثالثة، تتضمن وضع اللوائح لتحفيز النظام البيئي على اعتماد مبادئ الاقتصاد الدائري، إلى جانب إرساء السياسات المالية لمعاقبة الممارسات غير الدائرية ومكافأة تلك المستدامة، والرابعة زيادة الوعي العام ودمج المبادئ ذات الصلة للاقتصاد الدائري في المناهج الدراسية، أما الخطوة الخامسة فتتضمن توفير أمثلة يحتذى بها، أي أن تقوم الدوائر الحكومية على سبيل المثال، بتغيير أسلوب إدارتها للمشتريات، بما فيها البضائع والخدمات.

وأكد أنه في الوقت الذي ترتفع فيه الجهود التي تستهدف المستهلكين في الدولة، مثل حملات التوعية بشأن إعادة التدوير والحد من المخلفات، إلا أن تلك التي تستهدف الأعمال والصناعات، ما زالت متواضعة (على سبيل المثال، هناك عدد محدود من التشريعات الهادفة إلى الحدّ من حجم المخلفات على مستوى المصنّعين ومحال التجزئة).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات