التعويض الكربوني وخفضه حاجة ماسّة في الطيران الدولي

لاشك أن النقل الجوي أصبح اليوم صلة الوصل الفعّالة والقادرة على ربط العالم أجمع بشعوبه وقاراته، هذا بالإضافة إلى ما يوفره من فوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة تتمثل في توفيره لأكثر من 63 مليون وظيفة حول العالم ودعمه للناتج المحلي العالمي بنسبة 3.5% وبحوالي 2.7 تريليون دولار.

ولكن وعلى الرغم من هذه المزايا الاستراتيجية الهامة إلا أنه وكحال غيره من القطاعات يواجه تحدياته الخاصة، أبرزها تأثير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حركة الطائرات المتزايدة، وهي التي نعمل في الاتحاد الدولي للنقل الجوي «اياتا» على مواجهتها انطلاقاً من إدراكنا بالعواقب الناجمة عن أثر هذه الانبعاثات على التغير المناخي.

وفي هذا الإطار، اتخذنا منذ عام 2009 خطوات ملموسة للحد من هذا التأثير، تمثلت في ثلاثة أهداف لمعالجة تأثيراتها على البيئة، يتمثل أولها في تحسين مستوى كفاءة استهلاك الوقود بنحو 1.5% بين 2009-2020، وثانيها في تحقيق استقرار صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عند المستويات المرجوة لعام 2020، في حين يركز الهدف الثالث على الحد من انبعاثات إلى نصف ما كان عليه عام 2005 بحلول 2050.

كل هذا يضاف إلى «خطة التعويض عن الكربون وخفضه في مجال الطيران الدولي» (CORSIA) التي توصل إليها ممثلو الحكومات المشاركون في الدورة 39 للجمعية العمومية لمنظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو» التي عُقدت في أكتوبر 2016، والتي تسعى إلى تحديد مقياس دولي لانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن الطيران الدولي ومن ثم تثبيت مستوياته مع تحقيق نمو محايد.

وبشكل عام، تعد آلية التعويض إجراءً تقوم به الشركات أو الأفراد للتعويض عن انبعاثاتها عبر تمويل خفض الانبعاثات في مكان آخر، نظراً لصعوبة خفضها ضمن الشركة وتمثل هذه الخطوة خياراً فاعلاً من الناحية البيئية للقطاعات ذات المحدودية المحتملة لتحقيق مستويات أكبر من تخفيض الانبعاثات بما فيها قطاع الطيران، أو حيث تكون تكاليف التلوث مرتفعة للغاية. كما يمكن للخطة أن تساعد القطاع في تحقيق أهدافه المناخية على المدى القصير والمتوسط، عبر استكمال مبادرات الحدّ من الانبعاثات داخل القطاع.

ويجدر الإشارة إلى أن التعويض عبر آلية CORSIA ليس بديلاً عن المحاور الأخرى الرئيسية التي نعمل على تطويرها للحد من الانبعاثات كالتقدم التكنولوجي والتشغيلي ومقومات البنية التحتية بل تأتي تلك الآلية لاستكمال الدور والاستفادة منه لتعزيز العمليات حيث كان للتقدم التكنولوجي دور بارز في تعزيز كفاءة استهلاك الوقود.

واعتمد مجلس الجمعية «إيكاو» خلال اجتماعه في يونيو 2018، مجلداً جديداً خاصاً بالملحق السادس عشر من اتفاقية شيكاغو، الذي يحتوي على المعايير الدولية والممارسات الموصى بها لتطبيق خطة التعويض عن الكربون وخفضه في مجال الطيران الدولي ويعد تنفيذ هذه المعايير بشكل كامل من قبل كافة الأعضاء أمراً بالغ الأهمية كما يضمن توحيد اللوائح التشريعية الخاصة بالقطاع.

والتزاماً بهذه الخطة الطموحة، ينبغي على كافة شركات الطيران اعتباراً من أول يناير 2019، مراقبة انبعاثات جميع الرحلات الدولية والإبلاغ عنها، بغض النظر عن مكان الإقلاع أو الوجهة.

وبغض النظر عن جنسية شركة الطيران، إذ سيبدأ تطبيق متطلبات التعويض مطلع يناير 2021 كما سيتم توسيع متطلبات التعويض لتغطية كافة الرحلات الجوية الدولية اعتباراً من 2027، مع بعض الاستثناءات في الرحلات الجوية من وإلى الدول الأقل نمواً على سبيل المثال، كما ستبدأ عملية التوسيع على شكل مراحل بحيث تأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة وقدرات مختلف الدول وشركات الطيران.

ولا يمكن التقليل من أهمية تطوع الدول للمشاركة في المرحلة الأولى من خطة التعويض عن الكربون وخفضه في مجال الطيران الدولي. وتستحق كلٌّ من الإمارات والسعودية الثناء على دورهما الريادي في الالتزام بمعايير الاستدامة الأمر الذي تجلى في تطوعهما وانضمامهما إلى جانب 72 دولة مشاركة في المرحلة الأولى من الخطة (اعتباراً من أول يوليو 2018)، وندعو باقي دول الخليج والشرق الأوسط للنظر في المشاركة بخطة التعويض عند بدايتها في 2021.

وتعد المرحلة الراهنة الوقت الأمثل للتطوع في المرحلة الأولى من خطة التعويض عن الكربون وخفضه في مجال الطيران الدولي، إذ يعتبر هذا القطاع واحداً من الدعائم الرئيسية للاقتصاد العالمي وينبغي علينا معالجة التأثيرات البيئية الناجمة عنه وتحقيق النمو والازدهار في المستقبل.

* نائب الرئيس الإقليمي لأفريقيا والشرق الأوسط في الاتحاد الدولي للنقل الجوي (اياتا)

طباعة Email