EMTC

وجهة العلاقات الألمانية الفرنسية في منطقة اليورو

على الرغم من اتسام موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالإيجابي تجاه مشروع التكامل الأوروبي، إلا أن ألمانيا تدرك أنه في ظل واقع هيمنة الاقتصاد الألماني على الفرنسي، فإن مصير البلدين هو النزاع. وهناك اعتقاد راسخ بأن مفاتيح حل مثل تلك الخلافات تقع بيد باريس، وإصلاحات عميقة لتكييف مستوى تنافسية الاقتصاد الفرنسي مع الألماني وحدها تفتح المجال لسجال بشأن تعميق منطقة اليورو.

وتتوقع برلين رؤية نتائج قابلة للقياس في السياسات الاقتصادية للرئيس الفرنسي الجديد، على شكل تخفيضات في معدلات البطالة والدين العام. وإدخال تحسينات على الاقتصاد الفرنسي، هو شرط ألمانيا للموافقة على المزيد من التكامل داخل الاتحاد النقدي.

ولهذا السبب، ليست هناك توقعات بإحداث أي اختراق في هذه القضية على مدى الأشهر المقبلة. ولا تريد ألمانيا تسريع السجال بشأن تعميق التكامل في منطقة اليورو، لا سيما وأنها تحافظ في ظل النظام الحالي على تأثير كبير في السياسات الاقتصادية للدول الأخرى داخل الاتحاد النقدي، من دون الحاجة لمشاركة سيادتها. لكن المزيد من المرونة قد تفرض على برلين، نتيجة لتحديات من خارج الاتحاد الأوروبي.

بعد انتخاب ماكرون باشر ممثلو الحكومة في برلين بالإعداد لزيارته في 15 مايو، بوضع الخطوط العامة لاعتراضاتهم. أشار أحدهم إلى أن ألمانيا ما زالت تعارض خطة إصدار سندات باليورو، مما يفترض تبادلاً لجزء من الدين العام داخل منطقة اليورو عبر بيع أدوات الدين المشتركة.

وسرعان ما أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها لا ترى إمكانية لتخفيف السياسة المالية الحالية في منطقة اليورو. فرد مستشارو ماكرون أن الرئيس الجديد ليس لديه اقتراح يقضي بإصدار سندات يورو في برنامجه.

وخلال زيارة ماكرون، قدمت ميركل نفسها بأنها منفتحة إلى الاقتراح الفرنسي، دون أن تترك مجالاً للشك بأنه لا يمكن البدء بسجال جدي بشأن إصلاح منطقة اليورو، دون إصلاحات جوهرية للاقتصاد الفرنسي. موقفها مفهوم أيضاً في مواجهة الانتخابات البرلمانية المقبلة في فرنسا في يونيو وألمانيا في سبتمبر، حيث ستتحدد احتمالات إصلاح الاقتصاد الفرنسي واتجاه أي تغيير في منطقة اليورو.

وقالت ميركل إن المباحثات الألمانية الفرنسية ركزت على قضايا أقل إثارة للجدل، مثل التوجيهات المتعلقة بانتقال العمال، وحقوق اللجوء، والتوازن في التجارة الخارجية. واقترحت زيادة مواءمة سياسات البلدين لا سيما في مجالات القانون الضريبي للشركات ومساعدة متبادلة في إصلاح سوق العمل.

وامتنعت ميركل عن انتقاد خطط ماكرون التي قد تكون مثيرة للجدل للحكومة الألمانية، وتشمل الإعلان عن أن الشركات الأوروبية ينبغي أن تحظى بأفضلية في المناقصات، وأن قوانين مكافحة الإغراق ينبغي أن تكون أكثر صرامة.

من جانبه، حاول الرئيس الفرنسي عدم التركيز على موقف باريس، معترفاً أنه لا يعتزم تبادل الديون القديمة في إطار منطقة اليورو، على الرغم من إعلان تأييده تمويل استثمارات مستقبلية من الميزانية المشتركة للاتحاد النقدي.

وبرغم الخطاب الودي بين ألمانيا وفرنسا خلال اجتماع ميركل/ماكرون، فإن هناك اختلافات اقتصادية خطيرة بين البلدين، سوف تولد توترات حادة.

منذ بدء أزمة منطقة اليورو، فإن الفجوة بين اقتصاد البلدين كان يتعمق. في السنوات 2010-2016، فإن الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا نما بمعدل متوسط قدره 2% فيما وصل المعدل في فرنسا بالكاد إلى (1.1%). وفي ألمانيا انخفض معدل البطالة بشكل ثابت، ويبلغ حالياً 4.1% وفقاً ليوروستات، فيما في فرنسا تجاوز 10% منذ عام 2013.

ويواجه الاقتصاد الفرنسي أيضاً مشكلات في الأسواق الدولية، ويشهد عجزاً تجارياً متزايداً، في تناقض صارخ مع الفائض التجاري القياسي لألمانيا.

وبالنسبة إلى السياسيين الألمان، يكمن رمز عدم الثقة في باريس في العجز الجاري في الميزانية للبلاد (3.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016)، والذي على مدى السنوات التسع الماضية كان فوق حد 3%، وليس هناك أي آفاق أن تكبح فرنسا دينها، الذي يوازي حالياً 96% من الناتج المحلي الإجمالي.

الفروقات الاقتصادية بين فرنسا وألمانيا سوف تؤجل سيناريو أوروبا «متعددة السرعات» بناءً على تعميق منطقة اليورو، لسنوات عدة على الأقل. صحيح أن ميركل لم تتخل عن تعديل مستقبلي لمعاهدات الاتحاد الأوروبي لإصلاح منطقة اليورو، مما يمثل خروجاً عن موقفها السابق، لكن الأمن والهجرة والتنافسية هي على رأس الأولويات الأوروبية لبرلين حالياً.

وحتى إذا وافقت ألمانيا على جدول زمني لتعميق التكامل في الاتحاد النقدي، لن تقبل بأي زيادة في الدعم المالي للدول الأعضاء من دون أن يكون لها سيطرة على سياسات الدول الاقتصادية.

يبدو الوضع الحالي مؤات لبرلين، وستكون ألمانيا أكثر عرضة لتقديم تنازلات إذا أجبرت على القيام بذلك بفعل تهديدات من خارج الاتحاد الأوروبي. أما الفروقات الاقتصادية بين فرنسا وألمانيا فلن تمنعهما من الوصول إلى حلول توفيقية قصيرة الأجل، قد تؤثر سلباً على مصالح أوروبا الوسطى.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات