في ظل تشدّد «بازل 3» وترقب نمو التدفقات التجارية

صناديق استثمار تتجه نحو التجارة العالمية

صورة

قال مديرو استثمار في مصارف إن الضغوط التي تفرضها الضوابط العالمية الجديدة على متطلبات السيولة ورأس المال في البنوك دعت بنوك ومجموعات استثمار محلية وعالمية إلى ابتكار صناديق للاستثمار في صفقات تمويل التجارة العالمية.

وذلك للاستفادة من عوامل عدّة منها انتعاش أسواق التجارة العالمية التي يقّدر حجمها بعدة تريليونات من الدولارات والارتفاع المتوقع في أسعار الفائدة وظهور المزيد من المستثمرين ممن لديهم شهية إلى التمويل التجاري.

ولفت خبراء التمويل إلى أن صناديق تمويل التجارة تتميز بعوائد مستدامة وجيدة نسبياً جيدة بالمقارنة مع أدوات الدخل الثابت ونسبة مواتية من الأرباح إلى المخاطر، حيث إن تلك الصناديق لا تتأثر من تقلبات نسب الفائدة على غرار السندات أو الصكوك.

ومع ترقب البنوك للارتفاع المتوقّع في أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام تقوم بنوك وطنية وعالمية في الدولة في هذه الآونة بالتحضير لإطلاق صناديق للاستثمار في توريق صفقات تمويل التجارة التي تتم بين البنوك الضامنة لعمليات التجارة والاستيراد والتصدير خصوصاً مع التوقعات الإيجابية بنمو تجارة الإمارات مع أوروبا والأميركيتين بالإضافة إلى إفريقيا.

ويتفق محللون على ضرورة تنويع الاستثمارات والاستثمار في تمويل التجارة خصوصاً مع عدم اليقين في الأسواق بخصوص أسعار الفائدة، حيث يبدو أن الأداء القوي للسندات الذي استمر لعشر سنوات ماضية هو في طريقه إلى التباطؤ. ويعتقد هؤلاء أن الوقت مناسب لدخول مديري الصناديق في نشاط تمويل التجارة بسبب قيود اتفاقية بازل 3 على تمويل التجارة.

قروض «قوية»

وقال مكرم أتاسي رئيس مجموعة خدمات الاستثمار في بنك دبي التجاري إن مخاطر الاستثمار في صناديق تمويل التجارة تعتبر محدودة، حيث إن تصنيفها كفئة استثمارية هو أقرب للقروض القوية من أدوات الدخل الثابت كونها مدعومة بأصول عينية هي البضائع وتجعل المستثمر في الصندوق المالك الفعلي لتلك البضائع إلى حين إنجاز الصفقة.

وأفاد أتاسي أن بنك دبي التجاري يدرس طرح صندوق بقيمة قد تصل إلى 250 مليون دولار للاستثمار في صفقات تمويل التجارة التي تتم بين البنوك الضامنة لعمليات التجارة والاستيراد والتصدير بعوائد متوقعة تتراوح من 3-4% وهو ما يسمح لقاعدة أكبر من المستثمرين للاستفادة من عمليات تمويل التجارة في العالم.

وأفاد أتاسي أن متطلبات رأس المال في البنوك التي حددتها اتفاقية بازل 3 غيرت قواعد اللعبة في تمويل التجارة، حيث قلصت الاتفاقية من حجم السيولة المتاحة لتمويل التجارة في حين أن هامش أرباح تمويل التجارة صغير نسبياً ويحتاج لتخصيص حجم كبير من رأس المال بالإضافة إلى أنه وبموجب الاتفاقية سيتعين على البنوك التعامل مع جهات مقترضة ذات جدارة مالية أكبر.

وأشار إلى أن صناديق الاستثمار في صفقات تمويل التجارة تتمتع بعوائد جيدة نسبياً بالمقارنة مع أدوات الدخل الثابت كما أنها تتمتع بنسبة مواتية من الأرباح إلى المخاطر، حيث إن تلك الصناديق لا تتأثر من تقلبات نسب الفائدة.

وأوضح: "يشبه الاستثمار في هذا النوع من الصناديق الاستثمار في الصكوك أو السندات ولكنه لا يتأثر بارتفاع أسعار الفوائد السائدة بين البنوك (الليبور) على غرار تلك الأدوات الاستثمارية، بل قد تستفيد تلك الصناديق في حال ارتفاع أسعار الفائدة.

ولفت أتاسي إلى أن الصندوق سيدار من قبل لجنة استثمارية تتمتع بخبرات نوعية عالية في مجال الاستثمار ومعرفة وثيقة بأسواق التجارة العالمية وأدوات الدخل الثابت، كما ترتكز استراتيجية الصندوق إلى مبادئ توجيهية صارمة للاستثمار، لضمان تحقيق توازن مثالي بين المخاطر والعائدات وتوليد دخل منتظم يفوق معدلات العائدات السائدة.

معايير صارمة

وتعتبر اتفاقية بازل 3 ردة الفعل الرئيسية التي قامت بها لجنة بازل للرقابة على البنوك للحؤول دون تكرار الأزمة العالمية التي بدأت في2007 في سوق القروض العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة، وهي تضم أعضاء من 27 دولة من ضمنها السعودية، وتطبق على مراحل تبدأ في 2013 لغاية 2019.

ومن أهم بنودها رفع رأس المال الأصلي من 2 إلى 4.5% من الأصول مقدرة المخاطر، ويتم تحديد رأس المال بحسب 14 معياراً صارماً، بالإضافة إلى تخصيص 2.5% إضافية من تلك الأصول ليصبح الحد الأدنى لرأس المال الأصلي بالنتيجة 7%، وفي حال تجاوزت البنوك هذه النسب سيواجه أصحاب الأسهم المالكين حدود على علاواتهم وأرباحهم.

وكان معامل تحويل الائتمان قبل بازل 3 في حدود 20%، وكان ذلك مؤشراً طبيعياً ينم عن مخاطر منخفضة نسبياً مرتبطة بتعاملات التمويل التجاري، ولا يحسب ضمن الميزانية، لأنه لا يتحقق عادة إلا جزء بسيط من تلك المخاطر، وبموجب بازل 3 ارتفعت نسبة معامل التحويل هذا إلى 100% أي زيادة خمسة أضعاف.

تطور إيجابي

وفي السياق ذاته قال مات تاك الرئيس العالمي للخدمات المصرفية للشركات في بنك باركليز خارج بريطانيا إن العديد من مديري الاستثمار في البنوك وصناديق التحوط وشركات التأمين والبنوك وغيرها من المؤسسات المالية يسعون في هذه الآونة إلى الوصول والاستثمار في أصول تمويل التجارة.

وأضاف: "نلاحظ مؤخراً قيام بنوك عالمية بتوريق صفقات تمويل التجارة الخاصة بهم ومن ثم بيعها إلى المستثمرين الأفراد أو المؤسسات الاستثمارية، وأعتقد أن هذا تطور إيجابي وهام لأنه يفسح المجال للمزيد من فرص الاستثمار وتوسيع قاعدة المستثمرين في صفقات تمويل التجارة، خصوصاً وأن الاستثمار في هذا النوع من الصناديق لا يمتد لفترات طويلة لأن استحقاق عوائد صفقات تمويل التجارة لا يتجاوز في أغلب الأحيان المدة التي يحتاجها شحن البضائع للمستورد".

فرص ضخمة

من جانبه قال مارك واتس المدير العام ورئيس قطاع الاستثمار بمجموعة إدارة الأصول في بنك أبوظبي الوطني: "يقدر سوق تمويل التجارة بعدة تريليونات من الدولارات، وهذا السوق الكبير لم يعد جاذباً للبنوك بسبب القيود التي تفرضها اتفاقية بازل 3 فيما يتعلق بمتطلبات رأس المال"، وتوقع واتس أن "ينمو حجم الاستثمار في هذا الصندوق إلى مليار دولار خلال ثلاث سنوات في قسم إدارة الأصول في البنك".

وأضاف واتس أنه "مع الزيادة المتوقعة في أسعار الفائدة فإن مديري الصناديق الاستثمارية يسعون في هذه المرحلة لجذب عوائد مستدامة من فئات استثمار بعيداً عن السندات".

ويضيف واتس: "تمتاز هذه الصناديق بأنها فئة جيدة من الأصول الاستثمارية، وبعوائدها الجيدة وفقاً لأسعار الليبور أي أنه ليس هناك مخاوف من حدوث ارتفاع في أسعار الفائدة أو خسارة الاستثمار".

ولفت واتس إلى أن المجموعة التي تعتبر أكبر مجموعة لإدارة الأصول في الدولة في بنك أبوظبي الوطني صاحب القيمة السوقية الأكبر في الدولة تعتزم إطلاق صندوق للاستثمار في تمويل التجارة خلال هذا العام بعد الحصول على الموافقات المطلوبة، علماً بأن المجموعة تتيح في الوقت الحالي الاستثمار في صفقات تمويل التجارة وذلك من خلال فتح حسابات منفصلة لمؤسسات استثمارية وأصحاب الثروات بحجم استثمار لا يقل عن عشرة ملايين دولار أميركي.

تغيرات سريعة

وقال فراز حيدر رئيس التجارة في سيتي بنك في الشرق الأوسط وباكستان وإفريقيا إنه ومع نمو حجم التدفقات التجارية حول العالم فإن البنك يقوم بتمويل هيكليات تجارية بالاشتراك مع بنوك أخرى وتجار سلع في العالم.

وأضاف: "مع التغيرات السريعة في الضوابط المصرفية وتحديات السيولة خصوصاً في أسواق التجارة بالدولار - حيث يتم القسم الأكبر من الصفقات التجارية فإن هنالك ارتفاعاً في تكلفة تمويل تلك الصفقات بالنسبة للبنوك.

ونحن نلاحظ أن تدفقات التجارة تبتعد أكثر فأكثر عن خطابات الاعتماد التي تصدرها البنوك في اتجاه هيكليات تعتمد على الحسابات المفتوحة. وكل ذلك يعني أن التجارة ستكون بحاجة أكبر لتوفر التمويل. وما يساعد في هذا التحول كذلك هو جاذبية تمويل التجارة بالنسبة للبنوك بسبب قصر فترة استحقاقها ودورة سيولتها القوية.

وأضاف ان الاتجاه الناشئ في صناعة تمويل التجارة اليوم هو إنشاء صناديق مخصصة لتمويل تلك التدفقات التجارية التي تجذب بدورها انتباه لاعبين آخرين في السوق خارج أسواق البنوك التقليدية. وهناك مجموعة من العوامل توفير قوة دافعة لهذا التطور، بدءاً من ارتفاع أسعار السيولة وحتى قيود رأس المال والقيود الائتمانية الأخرى.

ولفت فراز إلى أن سيتي بنك كان رائداً في إطلاق هذا النوع من الصناديق في ديسمبر 2013 بالاشتراك مع "بانكو سانتاندر" لتمويل أصول التجارة التي تبدأ مع البنكين أي التي يقو أحد البنكين بإصدار خطابات اعتمادها.

وأضاف: "يبلغ حجم الصندوق مليار دولار وهو مصنف من قبل وكالتي ستاندرد أند بورز وفيتش للتقييم الائتماني. ويقوم الصندوق بجمع أموال من قاعدة متنوعة من المستثمرين على أساس مستمر. ومع زيادة تلك التوجهات نتوقع أن نرى مزيداً من تلك الصناديق في الأسواق العالمية والإقليمية كذلك.

كما أننا نشهد أيضاً اهتماماً متزايداً بين البنوك للتوسط في تدفقات تجارية ضخمة، بالإضافة إلى تطوير والاشتراك في هياكل تمويل جديدة".

تمويل

15 % حصة صناديق الاستثمار في التجارة العالمية

 

قدر الخبراء حصة صناديق الاستثمار في سوق تمويل التجارة العالمية بحوالي 15% مع توقع نمو هذا النسبة بشكل كبير خلال الفترة المقبلة. وتقوم هذه الصناديق في العادة بجني عوائد ثابتة من خلال الاستثمار في تمويل صفقات استيراد وتصدير عالمية مختارة ذات أجل قصير بمعدل يتراوح من 60 إلى 90 يوماً.

ويكون التمويل الذي يوفره الصندوق للمصدّرين وتجار السلع ومدعوماً بأصول هي البضائع ذاتها التي تعتبر ملكاً للصندوق خلال فترة التمويل وحتى إتمام الصفقة ووصول البضائع للمستورد.

وبالرغم من أن عوائد الاستثمار في هذا النوع من الصناديق لا تتجاوز عادة 5% من حجم الاستثمار الأصلي إلا أنها تتميز بأدائها غير المرتبط بتقلب أسعار الفوائد بين البنوك أو السلع، كما أن معدل التغير الخاص بها لا يتجاوز 1% في أغلب الأحيان وذلك لأن تلك الصناديق لا تطبق زيادة الرافعة المالية. و

كان المهندس حمد بوعميم، مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي وعضو مجلس إدارة المصرف المركزي الإماراتي صرح لـ«البيان الاقتصادي» مؤخراً أن المصرف المركزي يتجه لرفع أسعار الفائدة الرئيسة خلال النصف الثاني من العام الحالي، وذلك مواكبة منه للطفرة التي يشهدها اقتصاد الدولة خلال الوقت الراهن، مشيراً إلى أن أداء القطاع المصرفي خلال العام الماضي شكل دافعاً قوياً لاتخاذ هذا القرار وأن الإمارات قد ترفع سعر الفائدة الرئيسة بالتزامن مع الخطوة ذاتها التي سيقوم بها البنك الفيدرالي الأميركي.

وبحسب بينات حديثة لغرفة تجارة وصناعة دبي فقد نمت تجارة دبي غير النفطية مع القارة الإفريقية بأكثر من 700% خلال السنوات العشر الأخيرة لتصل إلى نحو 25 مليار دولار بنهاية العام الماضي.

تشريعات

رسوم تمويل التجارة إلى ارتفاع

توقّع مات تاك أن تؤدي التشريعات والقواعد الجديدة لإدارة المخاطر في البنوك إلى ارتفاع الرسوم المصرفية للتمويل التجاري. وأضاف: "شهدنا مؤخراً ارتفاعاً طفيفاً في تلك الرسوم في أسواق مثل الصين والهند، حيث ثمة نوع من عدم اليقين.

وبعض القواعد الجديدة لبازل 3 لها علاقة بالقلق حيال الأسواق الضمنية. ففي الصين من الواضح أن الجدل يحتدم حول "صيرفة الظل"، حيث تقوم مؤسسات غير مالية بتوفير نفس الخدمات التي تقدمها البنوك. وهذا بدوره يثير نوعاً من القلق يتسبب بارتفاع طفيف في الفارق بين سعر العرض وسعر الطلب.

وبالرغم من ذلك أعتقد أن سوق التمويل التجاري يتخذ مساراً تصاعدياً جيداً في واقع الأمر. وقد شهدنا تسارعاً في وتيرة التدفقات المالية خلال الأشهر الـ 18 الماضية، كما نشهد الكثير من الأعمال التجارية ذات الحسابات المفتوحة والذي يشير بلا شك إلى وجود المزيد من الثقة بين المستوردين والمصدرين. ولكننا نشهد أيضاً شهية متواصلة للضمانات وخطابات الاعتماد.

وأضاف تاك أن ما يميز التمويل التجاري كمنتج هو أنه اقتصاد حقيقي فهو يسهم في الاستيراد والتصدير مما يساعد العملاء على تنحية المخاطرة كما يساعد تدفقات السيولة لديهم.

وأضاف: "تاريخياً هيمنت البنوك بشكل مطلق على سوق التمويل التجاري وهذا الأمر سيستمر من منظور النشأة، ولكننا نرى الآن مجموعات مختلفة من المستثمرين أدركت قيمة التمويل التجاري بصفته أصولاً جيدة بالفعل، فالتمويل التجاري بطبيعته قصير الأجل، والمؤسسات المالية تفضّله ولذلك يعتبر منتجاً منخفض المخاطر كثيراً.

آلية عمل صناديق الاستثمار في صفقات تمويل التجارة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات