في البوسنة أشجار زيتون سخية في أرض الأشواك والصخور

حولت أشواك جنوب البوسنة في السنوات الأخيرة، بفضل المقوّمات التي تتمتع بها، كوفرة الشمس والأرض البكر والمياه الجوفية، إلى بساتين زيتون تدرّ الزيوت التي تفوز بالجوائز في المسابقات.

يتنقل ابن الخامسة والستين دراغان ميكوليتش ذهاباً وإياباً بين معصرته الحديثة وحقل الزيتون الذي تبلغ مساحته 50 هكتارأً في منطقة ليوبوسكي، حيث تنكبّ مجموعات من الأشخاص على قطف الثمار الخضراء، ويتذكر بمرح "عندما بدأت في زراعة أشجار الزيتون، قيل لي + أنت مجنون +".

أصبح دراغان بعد 15 عاماً أحد أكبر مزارعي الزيتون في البوسنة، لا بل على الساحل الشمالي للبحر الأدرياتيكي.

يقع حقل دراغان بين الجبال العالية في الشمال والبحر في الجنوب، تتوزع فيه أشجاره البالغ عددها نحو سبعة آلاف بشكل متوازٍ، تنوء أغصانها تحت ثقل كثافة حبّاتها، تغمرها شمس خريفية ناعمة. ووفقاً لإحصاءات الأرصاد الجوية، يسود الطقس المشمس على هذا النحو قرابة 2300 ساعة في السنة في هذه المنطقة الجنوبية من البلاد التي تسمى الهرسك.

يقول دراغان "أنظروا إلى هذه الشمس. إنها هكذا طوال الوقت. المياه التي تنزل من هذه الجبال تمرّ من هنا، وحقلي يقع في طريقها إلى البحر. التربة هنا رملية بنسبة 30 في المئة تتنفس فيها الأشجار، وتتكون بنسبة 70 في المئة من صخور غنية بالمعادن. كل المقوّمات مجتمعة هنا".

ويضيف أن "ضرب الجنون" الأول كان تحويل أرض صخرية مغطاة بالشجيرات الشائكة إلى أرض قابلة للاستغلال الزراعي، باستخدام "أطنان من المتفجرات".

- "شجرة الله" - ويضيف دراغان الذي فاز إنتاجه من الزيت بـ 32 ميدالية حتى الآن في مسابقات في ايطاليا وكرواتيا والبوسنة "قد تكون هذه الأرض مناسبة لزراعة الخوخ والتفاح، لكننا اخترنا الزيتون لأنه، كما نقول هنا، شجرة الله".

بدأ القطاف المبكر في منتصف تشرين الأول/أكتوبر. بمجرد جمع الزيتون، يُنقل على الفور إلى المعصرة حيث يُعصَر على البارد لاستخراج زيت أخضر جميل اللون ينتهي به الأمر بعد بضع ساعات في زجاجات. ويوضح أن هذه العملية تُنتِج زيتاً بكراً ممتازاً غنياً بالبوليفينول المعروف بخصائصه المضادة للأكسدة.

وحذا عشرات المنتجين من الهرسك حذو ميكوليتش، بينهم عدد من مزارعي الكرمة. وتشتهر المنطقة بأنواعها المحلية المنشأ من كروم زيلافكا وبلاتينا.

ولا يزال إنتاج الزيتون في الهرسك متواضعاً للغاية مقارنة بالعمالقة في هذا المجال كإسبانيا وإيطاليا، اللتين تستحوذان معاً على 60 في المئة من الإنتاج العالمي، لكنها في تزايد مستمر.

وفي الأرقام الرسمية، بلغ حجم الحصاد في البوسنة 776 طناً من الزيتون عام 2019، أي بزيادة 27 في المئة عن عام 2018.

وفي البوسنة رسمياً 65 ألف شجرة، لكن دراغان ميكوليتش يقدّر العدد الفعلي بنحو 300 ألف، في حين يصل إلى 3,7 ملايين في كرواتيا المجاورة التي تتبوأ الصدارة إقليمياً في هذا القطاع.

ويرى المهندس الزراعي من المعهد الزراعي المتوسطي البوسني ميرو برباريتش أن الهرسك تتمتع "بإمكانات تفوق التصوّر على تطوير زراعة الزيتون" بفضل "مناخها الجميل وتربتها ومياهها غير الملوثتين".

  • مياه جوفية

الوصول إلى المياه الجوفية، والذي أصبح متاحاً قبل 15 عاماً بفضل تقنيات الحفر الجديدة، كان بالذات العامل الذي شجع على تطوير الزراعة في هذه المنطقة التي كانت في ما مضى أرضاً للتبغ.

بسبب ندرة الأمطار، تحتاج أشجار الزيتون إلى ما بين 150 و 200 لتراً من المياه يومياً، بحسب ميكوليتش الذي حفر بئرين في حقله وأقام نظام الري بالتنقيط.

أما جاره يوري سوساتش (66 عاماً)، وهو مزارع كرمة أصلاً، فحفر في أرضه بئراً بعمق 300 متر تقريباً.

ويقول "أعلم أن الزيتون يحب الكثير من الماء. لدي كميات كبيرة منه. لا تتوقف المضخة في العمل، وبصراحة، لا أعرف مقدار الماء لكنّ أشجاري ترتوي بالكثير منه في الصيف، وها هي تعيده إلينا"، مشيراً إلى حبّات الزيتون الأخضر على الأشجار التي تبدو " بصحة ممتازة " قبل أيام قليلة من الحصاد.

ويشير يوري سوساتش إلى أن بستانه يحوي بالضبط 151 شجرة زيتون تؤتي 130 منها ثمارها. ويلاحظ أن هذه السنة "استثنائية"، آملاً في استخراج أكثر من 500 ليتر.

يعرض سوساتش ميدالياته الكثيرة في منزله، ويشرح "في كل المسابقات التي شاركت فيها بالزيت الذي أنتجه، فزت بالميدالية الذهبية للجودة. لقد أصبحنا الآن غالباً ما نتقدم على الكروات".

مع أن الأسعار تُعتَبَر مرتفعة نسبةً إلى مستوى المعيشة في البوسنة، وهي واحدة من أفقر دول أوروبا، إذ يبلغ سعر الليتر حوالى 16 دولارا، يصرّف مزارعو الزيتون البوسنيون كل إنتاجهم تقريباً في بلدهم.

ويؤكد سوساتش "لو كان لدينا أكثر بكثير، لأمكَننا بيع كل شيء".

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات