السياسات الجمركية

شهدت أوائل ثمانينات القرن الماضي نقلة نوعية طالت كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بالتزامن مع تبلور مفهوم العولمة وتحوّله إلى حقيقة ملموسة تجسدت بدايةً في توجّه الدول الغربية نحو الترويج للسوق العالمية الموحّدة.

 

وعلى الرغم من تأكيد البعض على أنّ العولمة ظاهرة إيجابية من شأنها خلق مجتمع عالمي مفتوح، يعتبر البعض الآخر بأنّها تحدٍ حقيقي يعيق التنمية الوطنية بالتزامن مع المحاولات المستمرة من الدول الكبرى لإقناع الدول النامية بضرورة إزالة الحواجز الجمركية في سبيل بناء اقتصاد عالمي متكامل.

 

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، تأرجح الاقتصاد العربي بين إيجابيات وسلبيات العولمة التي باتت ظاهرة حتمية لا يمكن تجاهلها. وعلى الرغم من التفاؤل الذي ساد العالم خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين حيال دور الانفتاح الاقتصادي في تعزيز كفاءة الموارد الطبيعية والبشرية والارتقاء بالمستوى المعيشي عالمياً وخلق فرص عمل جديدة ومكافحة البطالة .

 

ودعم الاقتصاديات النامية، بدأ ينكشف الوجه الآخر لعولمة الاقتصاد بكل ما يحمله من معوقات حالية ومخاطر مستقبلية على الاقتصادات الوطنية في الدول النامية، بما فيها الدول العربية.

 

فعلاوة على ارتباطها بتشويه أنماط الاستهلاك السائدة وتسريع وتيرة التحول نحو مجتمعات الاستهلاك الترفيهي، نتج عن العولمة الاقتصادية تبعات سلبية عدة في مقدمتها إضعاف الأمن الاقتصادي نتيجة الانفتاح الكلي للاقتصادات المحلية على تقلبات السوق الدولية.

 

ولعلّ الصناعات الوطنية العربية تعتبر الخاسر الأكبر نتيجة العولمة الاقتصادية التي أدت إلى زيادة التكاليف التشغيلية والإنتاجية، .

 

وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً للكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة في العالم العربي التي لا تقوى على مواجهة رياح العولمة.

 

وشكّل فتح الأسواق أمام البضائع الجمركية والتحرر من القيود المفروضة عبر التعرفة الجمركية عصب العولمة الاقتصادية التي دعت إلى إزالة الحواجز الجمركية بين الدول المتقدمة والنامية.

 

وفي ظل المناخ الاقتصادي الجديد، برزت الصين باعتبارها المستفيد الأول من عولمة الأسواق التي ساهمت في إغراق الأسواق الدولية بالبضائع الصينية. وبالتأكيد كان للدول المتقدمة نصيب كبير من مكاسب العولمة، حيث تستحوذ حالياً على الحصة الأكبر من قيمة الإنتاج العالمي.

 

وفي ظل المعطيات الاقتصادية الراهنة، بات يتحتم على الدول العربية إعادة النظر في السياسات الجمركية لإيجاد توازن بين الانفتاح الاقتصادي من جهة والحفاظ على الاقتصاد الوطني من جهة أخرى في سبيل حماية الشركات العربية، .

 

لا سيّما الصغيرة والمتوسطة، من خطر الإغلاق أو الإفلاس في ظل هيمنة الشركات الدولية، فضلاً عن خلق بيئة آمنة ومناسبة لتنمية الصناعات الوطنية وتعزيز قدرتها على المنافسة عالمياً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات