في انتظار «غودو»

في ندوة لأحد كبار المستشارين الإداريين الأجانب، دفعني الموضوع الرئيسي الذي يتمحور حول الممارسات المؤسسية إلى سؤال المحاضر عن أبرز ملاحظاته حول المؤسسات العربية.

وجاءت إجابته صادمة بعض الشيء، إذ رأى بأن فئة غير قليلة من المؤسسات في العالم العربي تعاني في غالبيتها من ضعف واضح في منهجيات التخطيط وإدارة المخاطر، .

وهو ما يعتبر مؤشراً مقلقاً بالنظر إلى الدراسات المتخصصة التي تؤكد بأنّ خسائر الشركات في العالم تُقدّر بعدة مليارات من الدولارات نتيجة الخلل في التخطيط الاستراتيجي.

وبالنظر إلى واقع العديد من المؤسسات والشركات العربية، نجد بأنها في انتظار دائم للمجهول على الرغم مما تتمتع به من إمكانات عالية وموارد وفيرة تمكّنها من المنافسة العالمية.

ويبدو بأنه على الرغم من ان العديد من صنّاع القرار في المؤسسات والشركات العربية لم يقرؤوا مسرحية "في انتظار غودو" للكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، إلا أنهم يعمدون إلى تطبيق مضمونها تطبيقاً حرفياً.

ففي حين ينتظر بطلا بيكيت، فلاديمير وإستراغون، الطالعان من الفراغِ اللقاء المرتقب بشخص غودو، الحاضر الغائب الذي لن يأتي، تنتظر العديد من المؤسسات العربية تحقيق التميز والنمو في ظل غياب رؤية مستقبلية واضحة المعالم أو خطط استراتيجية لإدارة المخاطر.

وبهذه المقاربة، نرى بأنّ بعض هذه المؤسسات باتت نموذجاً آخر لسياسة الانتظار العبثي التي تمثل واقعاً يسود فيه التخبّط في انتظار المجهول.

وهنا نتساءل إلى متى ستستمر هذه المؤسسات في إهمال التخطيط الاستراتيجي والتغاضي عن سياسات إدارة المخاطر التي باتت تحظى بأهمية كبيرة عقب الأزمة المالية العالمية باعتبارها أداة حيوية لمواجهة التحديات في سبيل تحقيق النمو المستدام.

وعلى الرغم من توافر عوامل التميز المؤسسي ومقومات النمو الاستراتيجي، لا تزال هذه المؤسسات غير قادرة على الوصول إلى مصاف الشركات العالمية الكبرى.

ويُعزى ذلك بالدرجة الأولى إلى عدم مكاملة منهجيات التخطيط الاستراتيجي وسياسات إدارة المخاطر ضمن الثقافة المؤسسية والهيكلية التنظيمية للشركات العربية التي لا تزال تفتقر في غالبيتها إلى أهداف عملية وتكتيكية واضحة استناداً إلى أسس متينة تمكّنها من المنافسة عالمياً.

إنّ مجتمع الإدارة والأعمال في العالم العربي يتمتع بقدرات عالية لا بدّ من توظيفها بالشكل الصحيح عبر التخطيط الاستراتيجي الذي يتطلب الخروج من دائرة التفكير الضيق وتبنّي مفاهيم مبتكرة ورؤية مستقبلية تتمتع بالشمولية لتتمكّن الشركات الإقليمية من أن تحذو حذو الشركات العالمية العملاقة التي حققت الريادة استناداً إلى الابتكار والإبداع والتخطيط السليم.

إذاً، المجال مفتوح الآن أمام الشركات العربية لدخول قائمة أفضل 500 شركة عالمية، لكن لا بدّ بدايةً من التخلي عن سياسة الترقّب على طريقة "غودو".

طباعة Email
تعليقات

تعليقات