تحديات ترشيد الاستهلاك

"إن الأرض تكفي لتوفير حاجات كل فرد، وليس أطماع كل فرد"، تضعنا هذه المقولة المعروفة للزعيم الهندي المهاتما غاندي أمام حقيقة ما يجري في الوقت الراهن من استنزاف هائل للموارد الطبيعية تلبيةً لوتيرة الاستهلاك المتسارعة في العالم الذي بات أقرب إلى آلة استهلاكية بالتزامن مع تغير آليات السوق وسلوكيات البشر وأسلوب المعيشة ومنهجيات الإنتاج والقيم السائدة التي تغلب عليها "النزعة الاستهلاكية".

وبالنظر إلى الواقع الاستهلاكي الحالي في الخليج، نجد بأننا بحاجة ماسة إلى تطوير آليات متكاملة لمواجهة التحديات المرتبطة بتنامي نزعة الاستهلاك التي تشعّبت لتضعنا أمام التزامات مادية هائلة وقيود اقتصادية متزايدة وبالأخص مع اللجوء إلى الاقتراض لسد الاحتياجات الاستهلاكية المتزايدة.

وفيما لو نظرنا إلى معدلات الاستهلاك من المواد الغذائية والسيارات ووسائل التكنولوجيا والموضة والكماليات في العالم العربي، لوجدنا أنها تَفُوق بكثير معدلات الاستهلاك في الدول الكبرى.

إذ أصبح النمط الاستهلاكي لدى العربي مخيفاً لدرجة وضَعَ المشهد الاقتصادي والاجتماعي أمام مخاطر أبرزها الفاتورة الصحية المتزايدة.

وتتمثل أبرز التحديات المرافقة لانتشار النزعة الاستهلاكية اقليمياً في نمو معدلات الاستهلاك بوتيرة متسارعة تفوق القدرة الإنتاجية اللازمة لتلبيتها والاعتماد المتزايد على الاستيراد من الأسواق الخارجية في ظل تناقص الموارد الطبيعية والمائية والأراضي الزراعية وغياب السياسات العامة لترشيد الاستهلاك.

ولا تقتصر النزعة الاستهلاكية على السلع المادية فحسب، بل طالت أيضاً المفاهيم الثقافية والاتجاهات الفكرية والأفكار المجردة، لا سيّما وأنّ الترويج لثقافة الاستهلاك يتم وفق خطة ممنهجة في عصر العولمة استناداً إلى التكنولوجيات الحديثة التي باتت محركا رئيسيا لإحداث تغييرات في الثقافة المحلية والقيم الجوهرية التي تحدد نمط الحياة اليومية، وفي مقدمتها القناعة.

ومن هنا، أصبح العالم العربي أمام إشكالية، تتمثل في الانفتاح الثقافي الذي يعمل على توسيع نطاق الاستهلاك الذي يشكل أحد المعوقات أمام التنمية الشاملة.

وهنا يبرز السؤال حول كيفية غرس ثقافة القناعة وتشجيع الإنتاح المحلي باعتباره بوابة العبور نحو ترشيد الاستهلاك لبناء مجتمعات سليمة تسير نحو مستقبل أفضل ومستدام.

وبالتأكيد لا توجد قوانين ولوائح تنظيمية من شأنها تنظيم معدلات الاستهلاك الفردي، وهو ما يضعنا أمام مسؤولية كبيرة لإيجاد آليات توعوية متكاملة وفاعلة من شأنها خلق ثقافة جديدة قادرة على منافسة ثقافة الاستهلاك العالمي التي تنتشر وفق مخطط يهدف إلى تغيير معطيات السوق استناداً إلى وسائل أبرزها التكنولوجيات المتطورة والإعلام والقنوات الثقافية والفكرية.

وفي العالم العربي، تتزايد الحاجة إلى تبنّي منهجيات توعوية لترشيد الإنفاق الشخصي المتزايد الذي تعززه الإغراءات المصرفية والسياسات الإقراضية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات