59 تريليون جيجا بايت إجمالي كمية البيانات في العالم

البيانات.. ساحة صراع بين واشنطن وبكين

ت + ت - الحجم الطبيعي

باتت «البيانات» ساحة منافسة وصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، بعد أن أدركت الدولتان مدى أهميتها في اقتصاد المستقبل، لدرجة دفعت الصين، على سبيل المثال، إلى وضع قواعد جديدة تحظر بمقتضاها على الشركات التي تحتفظ بقدر كبير من بيانات المستهلكين الحساسة، طرح أسهمها في الخارج وخاصة في الأسواق الأمريكية، حتى لا يتم الاستفادة منها هناك.

جاء هذا الإدراك واضحاً في رد نائبي مستشار الأمن القومي الأمريكي السابقين مات بوتينغر وديفيد فيث، على الموقف الصيني بقولهما: «البيانات تعادل النفط في القرن الجديد.. فهي المورد الذي لا ينضب، وهو الغذاء الرئيسي لعمليات الذكاء الاصطناعي والقوة الاقتصادية، وقوة الدولة».

وتعد البيانات أمراً حيوياً لكافة عمليات الذكاء الاصطناعي التي تهدف إلى خلق تكنولوجيات حديثة ومتطورة، والبيانات بطبيعتها تتخطى الحدود، ومخزنة من خلال الحوسبة السحابية وفي أجهزة يمكن الوصول إليها والتلاعب بها من أي مكان في العالم.

أرقام

ولإدراك مدى أهمية هذا المصدر الجديد لاقتصاد المستقبل، يكفي أن نعلم أن كل شيء نقوم به يترك أثراً رقمياً، مما يؤدى إلى ازدياد معدل نمو البيانات بسرعة. وفي هذا الصدد يشير موقع «Statista»، إلى أن عدد المستخدمين للإنترنت عالمياً بلغ 4.66 مليارات، ما يمثل 59.5% من سكان العالم. ومن هذا المجموع، هناك 92.6%، أي نحو 4.32 مليارات، يصلون إلى الإنترنت عبر الأجهزة المحمولة.

ويزداد إجمالي كمية البيانات التي تم إنشاؤها والتقاطها ونسخها واستهلاكها بسرعة في العالم، حيث وصلت إلى أكثر من 59 تريليون جيجا بايت.

وتعتبر مواقع التواصل والإعلام وشبكاته الاجتماعية، وشبكات الاستشعار، والصور الرقمية، والفيديو، والهواتف المحمولة، وسجلات معاملات الشراء، وسجلات الويب، السجلات الطبية، والأرشيفات، والمراقبة العسكرية، والتجارة الإلكترونية، والأبحاث العلمية المعقدة، من المصادر الرئيسة للبيانات الكبيرة.

وتشير الدراسات إلى أنه تم إنشاء 1.7 ميجابايت من البيانات كل ثانية خلال عام 2020. ويكفي معرفة أنه خلال العامين الماضيين فقط تم إنشاء 90% من بيانات العالم كلها. كما بلغ حجم البيانات التي ينتجها البشر كل يوم 5 تريليون بايت. أيضاً تتم مشاركة 95 مليون صورة وفيديو يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، كما يتم إرسال 306.4 مليارات رسالة بريد إلكتروني، ويتم إجراء 500 مليون تغريدة كل يوم.

سيطرة

وأكدت تقارير عديدة أن المشكلة الحقيقة حالياً أمام المستثمرين الأجانب في الصين لا تكمن في تجاوز العقوبات المتبادلة بين الغرب والصين، أو سرقة حقوق الملكية الفكرية، وإنما تكمن في السيطرة على البيانات، والتي تراها بكين مسألة مصيرية لا بد من حسمها.

ومما يؤكد أن الصين تضع موضوع البيانات أولوية قصوى أمامها ما قام به الحزب الشيوعي الصيني، حيث استطاع من خلال مجموعة من القوانين أن يفرض السيطرة القانونية على كل البيانات في البلاد، وبالتالي أصبح على كل الشركات الأجنبية التي تعمل في الصين، مثل «أبل» وغيرها، أن تخزن كل ما لديها من بيانات، في مراكز بيانات موجودة في الصين، وحظر نقلها إلى الخارج. بل إن الأمر تخطى ذلك، حيث احتفظت الحكومة الصينية لنفسها بالحقوق القانونية في نقل تلك البيانات إلى كيانات تابعة للدولة الصينية.

منع الإدراج

لذلك فإن الوصول إلى البيانات يعد أمراً ضرورياً للأسواق من خلال تبادل المعلومات، وبدورها تسيطر الصين على حجم كبير من البيانات، وهي أكثر النقاط المثيرة للقلق والمخاوف الغربية وخاصة الولايات المتحدة.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مسؤولين من هيئة معنية بتنظيم الأسهم في الصين أبلغوا بعض الشركات والمستثمرين العالميين في الأسابيع الأخيرة بأن القواعد الجديدة ستمنع شركات الإنترنت التي تملك قدراً كبيراً من البيانات المتعلقة بالمستخدمين من الإدراج في الخارج.

من جهة أخرى، تسعى الجهات الرقابية في الصين إلى تشديد القواعد المتعلقة بالخوارزميات التي تستخدمها شركات التكنولوجيا للتوصية بمقاطع الفيديو والمحتويات الأخرى، في خطوة قد تعزز من سيطرة الحكومة الصينية على خدمات الإنترنت التي كافحت حكومات، مثل الولايات المتحدة، لتنظيمها.

وكشفت إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية عن مسودة اقتراح مؤلف من 30 نقطة يتعلق بـ «قواعد إدارة خوارزميات التوصيات» التي ستؤثر بشكل مباشر على شركات من بينها شركات «بايت دانس» و«تينسنت» و«كويشو تكنولوجي». وترى وكالة «بلومبرغ» أن هذه القواعد ستحظر الممارسات التي «تشجع على الإدمان أو الاستهلاك العالي.

تقدم صيني

ولكل ما سبق، رأت تقارير أن بكين تحقق تقدماً كبيراً في سباق نقل البيانات والتكنولوجيا والفضاء الإلكتروني، الأمر الذي يتطلب من الولايات المتحدة نهجاً مختلفاً لكي تعود للمنافسة القوية، وتحقيق الفوز في نهاية المطاف.

وفي هذا الإطار، قال الباحث محمد سليمان، مستشار الاستراتيجية العالمية والباحث غير المقيم بمعهد الشرق الأوسط، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأمريكية، إنه يتعين على واشنطن أن تدمج البيانات والفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا في قلب سياستها الخارجية في منطقة الشرق الأوسط، حيث لا تعطي الولايات المتحدة في الوقت الحالي الأولوية للشرق الأوسط ليكون المسرح الرئيسي للاهتمام، وتعيد تركيز بصمتها الاستراتيجية على مستوى العالم على الصين، التي تعتبر المنافس الرئيسي الصاعد لها.

وتعد إحدى الأدوات الصينية للتأثير الجغرافي - الاستراتيجي استخدام بكين للتكنولوجيا وسياسة الابتكار، مثل أجهزة شركة «هواوي» وتعليم التكنولوجيا في الجامعات الصينية. ويعتبر تأثير التكنولوجيا الجغرافية الصينية غير مسبوق فعلياً، ويهدف إلى وضع الصين كلاعب مهم في الجغرافيا السياسية العالمية بدون استخدام التوسع العسكري التقليدي. وبدلاً من ذلك، تبني بكين مكانة جغرافية تكنولوجية عبر دبلوماسية الجيل الخامس والبنية التحتية التكنولوجية والتعليم.

قوة دافعة

ورأى سليمان أن هذه هي القوة الدافعة لحملة واشنطن ضد شركتي «هواوي» و«زد تي أي» وتعطيل صناعة أشباه الموصلات الصينية. وفي الشرق الأوسط، يقوم شركاء الولايات المتحدة بتعزيز تعاونهم التكنولوجي مع الصين. وفي ظل هذه الظروف، لا يقعون بالضرورة في شرك بكين التكنولوجي والإلكتروني. ولكنّ هناك شكوكاً متنامية في التكنولوجيا الأمريكية وعدم ثقة في واشنطن كضامن أمني يضغط على هذه الدول لانتهاج سياسات قائمة على السيادة الإلكترونية.

وتركز هذه السياسات الجديدة على بناء قدارتها الداخلية الإلكترونية والتكنولوجية بشكل مستقل عن واشنطن، وهو اتجاه يشكل تهديدات لمصالح الأمن القومي الأمريكية. وسيتم رسم خطوط جغرافية سياسية جديدة حول شبكات التكنولوجيا وتدفق المعلومات، في حين كان يتم رسمها بشكل جغرافي في الماضي. ونتيجة لذلك، ينبغي على واشنطن أن تطوّر عقيدة إلكترونية وتكنولوجية تقدم معلومات لشراكاتها وتحالفاتها الإقليمية، وتعيد وضع الولايات المتحدة لتولي القيادة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وعلى مدى الأعوام العشرين الماضية، تحولت «هواوي» من مورد للبيانات منخفضة التكلفة وتكنولوجيا الاتصالات إلى شريك تكنولوجي متكامل للعديد من حلفاء الولايات المتحدة مثل مصر والمغرب ودول الخليج العربية. وبينما لم يؤثر التعدي التكنولوجي والإلكتروني الصيني على العلاقات الثنائية مع تلك الدول الحليفة حتى الآن، يتعين أن يثير هذا الاتجاه اهتمام صانعي السياسة في واشنطن لأنه سيقوّض في النهاية التحالفات التي تم تشكيلها وبناؤها على مدة الأعوام السبعين الماضية.

وأشار سليمان إلى أنه لحسن الحظ، لدى الولايات المتحدة نقطة انطلاق لإثناء شركائها الإقليميين عن الاندماج بشكل متكامل مع شركات التكنولوجيا الصينية. وفي أوروبا، اتبعت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب استراتيجية هجومية لإثناء حلفائها الغربيين عن السماح لهواوي ببناء شبكات الجيل الخامس في أوروبا. وفي عام 2020، أطلقت واشنطن مبادرة الشبكة النظيفة، حيث أكدت العديد من الدول الأوروبية التزامها بحظر «هواوي».

سيادة

وأوضح أنّ هناك اتجاهاً تم إغفاله في منطقة الشرق الأوسط وهو ظهور سيادة البيانات. وللاستعداد لمستقبل ما بعد النفط، تعمل دول عربية عديدة بشدة لتنفيذ تحولات رقمية واسعة النطاق. ومن خلال ذلك، تقوم هذه الدول بشكل فعال بجذب شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات، وتطوير مدن ذكية بتكنولوجيا متقدمة، والاستثمار في رأس المال البشري.

وفي الختام يمكن القول، بأنه لكي تتمكن واشنطن من مواجهة الهيمنة التكنولوجية الصينية، يتعين عليها إبقاء أكبر عدد من حلفائها خارج شبكات الصين التكنولوجية قدر الإمكان، إلى أن تتمكن الولايات المتحدة من تطوير الإطار اللازم والحوافز والتأثير والسلطة لتولي القيادة لتطوير شبكات الجيل السادس وثورة المعلومات المقبلة.

كما تحتاج واشنطن إلى إعادة تقييم علاقاتها الثنائية مع حلفائها وشركائها في منطقة الشرق الأوسط للتركيز على عمليات نقل البيانات مثل اتفاق نقل البيانات الأمريكي - الأوروبي. فتركيز البيانات والتكنولوجيا في إطار العلاقات الأمريكية الثنائية في المنطقة سيلبي الاحتياجات الاستراتيجية الأمريكية على الرغم من العجز التكنولوجي في خدمتها الخارجية. ومع ذلك، يتعين على الخدمة الخارجية تطوير قدرات لفهم الخريطة العالمية للجغرافيا التكنولوجية، وفي نهاية الأمر، أولويات صانعي السياسات الإقليميين، خاصة في عصر التنافس بين الدول الكبرى على القوة.

طباعة Email