إليزابيث هولمز: من أصغر مليارديرة في العالم إلى مُدانة بالاحتيال

ت + ت - الحجم الطبيعي

أصدرت محكمة أمريكية في ولاية كاليفورنيا حُكماً بإدانة إليزابيث هولمز، والتي أسست شركة «ثيرانوس» للتحليلات والفحوص الطبية، بتهمة الاحتيال على المستثمرين.

وبحسب ما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» - القسم العربي، لم تحتجز الشرطة هولمز في قاعة المحكمة، والتي بدورها لم تُؤكد موعد النطق بالحكم، وإنما قررت عقد جلسة استماع أخرى خلال الأسبوع المقبل.

وبموجب قرار المحكمة، فإن هولمز مُدانة بأربعة اتهامات، جميعها تتعلق بالاحتيال، من أصل 11 تُهمة وجهت إليها خلال المحاكمة التي استمرت على مدار أشهر عدة. 

وتضمنت الاتهامات الأربعة ثلاث تهم بالاحتيال الإلكتروني وتهمة رابعة بالتآمر لارتكاب الاحتيال ضد المستثمرين.

ويُعد الاحتيال الإلكتروني جريمة فيدرالية واسعة النطاق نسبياً في الولايات المتحدة، والتي تتضمن استخدام الاتصالات الإلكترونية، مثل رسائل البريد الإلكتروني، للإدلاء ببيانات كاذبة للحصول على المال أو أي منفعة أخرى من شخص آخر على نحو غير مستحق. 

 

وصدر الحكم المجزأ بعد أن قال القاضي إن هيئة المحلفين، بعد مداولاتها لمدة سبعة أيام، يمكن أن تصدر حكماً جزئياً بعد عدم تمكنها من التوصل إلى توافق في الآراء بشأن ثلاث تهم أخرى.

 

وقال ممثلو الادعاء إن هولمز كذبت عن قصد بشأن تقنية قالت إنها يمكن أن تكتشف الأمراض، مثل السرطان والسكري، عبر بضع قطرات من الدم.

 

ونفت هولمز التهم الموجهة إليها والتي تصل العقوبة القصوى لكل واحدة منها إلى السجن 20 عاماً.

 

وقال صحافيون داخل قاعة المحكمة إن هولمز، التي تبلغ من العمر 37 عاماً، والتي أنجبت طفلها الأول العام الماضي، لم تُظهر سوى القليل من المشاعر عندما تمت قراءة الأحكام، وعانقت زوجها بيلي إيفانز ووالديها قبل مغادرة قاعة المحكمة.

 

وقال المدعي العام، جيف شينك، في مرافعاته الختامية: «اختارت هولمز الاحتيال على الفشل في العمل. اختارت أن تكون مخادعة مع المستثمرين والمرضى. لم يكن هذا الاختيار قاسياً فحسب، بل كان إجرامياً».

ورد الدفاع بوصف هولمز بأنها سيدة أعمال متفانية وطموحة، أحدثت تغييرات مهمة في صناعة يهيمن عليها الذكور.

وفي شهادتها دفاعاً عن نفسها، أقرت هولمز بأخطاء في آليات عمل شركة «ثيرانوس»، لكنها أكدت أنها لم تحتل أبداً عن قصد على المرضى أو المستثمرين.

كما ألقى الدفاع باللوم على راميش بالواني، الشريك التجاري السابق لهولمز والذي ارتبط بها في علاقة عاطفية استمرت سنوات عدة.

وادعت هولمز أثناء المحاكمة أن بالواني الذي يكبرها بـ 19 عاماً مارس ضدها عنفاً جسدياً ونفسياً، فيما ينفي بالواني هذه المزاعم.

وبدأت القصة في عام 2014، عندما أسست هولمز «ثيرانوس»، وزعمت أن الشركة ستحقق ثورة في مجال تشخيص الأمراض، وذلك من خلال إجراء اختبار جديد للدم يُسمى «إديسون» يعتمد على وخز الأصابع فقط، ويمكنه أن يكشف أمراضاً مثل السرطان والسكري على نحو سريع.

وسرعان ما اكتسبت هولمز و«ثيرانوس» معاً سمعة طيبة، فنالت الأولى لقب «أصغر مليارديرة عصامية في العالم» من مجلة «فوربس» الأمريكية، فيما وصفتها الأوساط الاقتصادية الأمريكية والعالمية بأنها «خليفة ستيف جوبز». وأما الثانية، فارتفعت قيمتها السوقية بسرعة صاروخية حتى بلغت 9 مليارات دولار. واستقطبت «ثيرانوس» اهتماماً من جانب شخصيات بارزة، ومنهم وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر وقطب الإعلام الأمريكي الأسترالي الأشهر روبرت مردوخ، وغيرهما، والذين استثمروا في الشركة. 

 

ولكن لم تدم الأوقات الطيبة سوى عام واحد فقط، إذ سرعان ما أخذت الأمور منحى عكسياً وتدهورت الأحوال على نحو مفاجئ في عام 2015، بعد أن نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تحقيقاً مفاده أن تقنية فحص الدم الأساسية التي روّجت لها «ثيرانوس» لم تنجح على الإطلاق.

وبدأت سلسلة من المتاعب، كانت الخطوة الأولى فيها محاكمة استمرت لمدة 4 أشهر أمام هيئة محلفين مكونة من ثمانية رجال وأربع نساء، وأدلى فيها نحو 30 شاهداً بأقوالهم، ومنهم مديرو مختبرات قالوا إنهم أخبروا هولمز عن العيوب في تقنية فحص الدم التي تروج «ثيرانوس» لها ولكن تم التقليل من شأن مخاوفهم ولم يؤخذ بها. وقالوا في الوقت نفسه، إن هولمز أخبرت المستثمرين أن التكنولوجيا كانت تعمل كما هو مخطط لها.

وتواصلت المتاعب، حتى انهارت «ثيرانوس» في عام 2018. ومن الجدير بالذكر أن مردوخ استثمر وحده 120 مليون دولار في «ثيرانوس»، لكنه خسرهم بالطبع بعد انهيار الشركة. 

وكان محامو هولمز قد كشفوا قبل فترة من بدء المحاكمة، أنهم سيتقدمون للمحكمة بمرافعة تفيد أن حبيبها السابق وشريكها التجاري، راميش بالواني، أساء إليها جنسياً وسيطر عليها عاطفياً، تزامناً مع ارتكاب الجرائم المزعومة، مما أضر بحالتها العقلية وأثّر عليها نفسياً.

لكن بالواني البالغ من العمر 56 عاماً، والذي يواجه تهم الاحتيال نفسها، وصف هذه المزاعم بأنها «شائنة»، إلا أن الأمر يعود لهيئة المحلفين في أن تقرر إذا ما كانت ستحكم على المرأة التي خدعت الكثيرين، ومن بينهم رجالات دولة ووزراء، بقسوة أم بتعاطف.

على الرغم من تناول كتاب لقصة هولمز، وإنتاج شركة شبكة «اتش بي أو» الأمريكية برنامجاً وثائقياً عنها، فضلاً عن التحضير لمسلسل تلفزيوني وفيلم سينمائي عنها، لا يزال سبب خوض هولمز مثل هذه المقامرة ورهانها على تكنولوجيا تعلم أنها غير مجدية، أمراً مبهماً.

نشأت هولمز في أسرة ميسورة الحال في واشنطن العاصمة، وكانت طفلة مهذبة ولكنها انعزالية، وفقاً لأشخاص يعرفونها.

ويرى المخترع ورجل الأعمال ريتشارد فيز، البالغ من العمر 81 عاماً، أنها لا بد تعرضت لضغط هائل من قبل محيطها لتحقيق النجاح. وتجاورت عائلة فيز مع عائلة هولمز لسنوات، لكن خلافاً نشب بين الطرفين عندما رفعت شركة «ثيرانوس» التي تملكها هولمز دعوى قضائية ضد فيز، بسبب نزاع على براءة اختراع في عام 2011، وقد جرت تسوية هذا النزاع في وقتٍ لاحق.

ويقول فيز إن والدي هولمز قضيا جل حياتهما المهنية موظفين بيروقراطيين في مقر الكونغرس الأمريكي، لكنهما «كانا مهتمين جداً بالمكانة الاجتماعية، وحرصا على إقامة العلاقات والصلات مع الشخصيات المرموقة»، كما يضيف أن الجد الأكبر لوالدها أوجد خميرة «فليشمان»، التي غيّرت صناعة الخبز في الولايات المتحدة، وكانت الأسرة مدركة لرفعة نسبها.

في سن التاسعة، كتبت إليزابيث الصغيرة رسالة إلى والدها تعلن فيها أن ما «تريده حقاً من الحياة هو أن تكتشف شيئاً جديداً، لم تكن البشرية تعتقد أنه قابل للتحقيق».

عندما التحقت بجامعة ستانفورد في عام 2002 لدراسة الهندسة الكيميائية، توصلت إلى فكرة عن لاصق يمكنه أن يكشف أي التهابات لدى من يضعه، وإطلاق المضادات الحيوية حسب الحاجة.

وتقول فيليس غاردنر، الخبيرة في علم العقاقير الإكلينيكي بجامعة «ستانفورد» لـ «بي بي سي»، إنها ناقشت مع هولمز فكرة اللاصق الذي يوضع على الجلد التي اقترحتها، وأخبرتها أنها «لن تنجح».

وتتذكر أنها لم تبد أي تردد بشأن فكرتها «وبدت واثقة تماماً من تألقها، لم تكن تعير اهتماماً لخبرتي وكان ذلك أمراً مزعجاً».

وبعد أشهر تركت هولمز الدراسة الجامعية وغادرت ستانفورد حين كانت في الـ 19 من عمرها، وأطلقت شركتها «ثيرانوس»، لكن هذه المرة جاءت بفكرة ثورية على ما يبدو، لفحص الدم عن طريق وخز بسيط في الإصبع.

افتتن بها الكثير من النافذين ورجال الأعمال، واستثمروا في شركتها من دون الاطلاع على أية وثائق.

وزير الخزانة الأمريكي جورج شولتز، ووزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، وعائلة والتون التي تعتبر أغنى عائلة أمريكية، كانوا من بين مؤيديها وداعميها.

منحها الدعم وكذلك سلوكها اللطيف مصداقية كبيرة.

يقول الدكتور جيفري فلاير، العميد السابق لكلية الطب بجامعة هارفرد، الذي التقى بها في عام 2015: «كنت أعلم أنها جاءت بهذه الفكرة الرائعة، وأنها تمكنت من إقناع كل هؤلاء المستثمرين والعلماء».

ويضيف الدكتور فلاير، الذي لم يقيّم رسمياً تلك التقنية «لقد كانت واثقة من نفسها، ولكن عندما سألتها أسئلة عدة حول التكنولوجيا التي تستخدمها، لم تبد أنها على دراية وفهم بها، بدا الأمر غريباً بعض الشيء، لكن لم يخطر في ذهني أنها عملية احتيال».

انتهى الأمر بالدكتور فلاير بدعوتها للانضمام إلى مجلس زملاء كلية الطب، الأمر الذي أبدى أسفه حياله، على الرغم من أنه عاد واستبعدها بعد الفضيحة.

وبدأ الوضع بالتدهور عام 2015 عندما أثار البعض مخاوف بشأن «إيديسون»، جهاز الاختبار الرائد في شركة هولمز.

وكتبت صحيفة وول ستريت جورنال سلسلة من التحقيقات السلبية، تزعم أن النتائج التي صدرت عن شركة هولمز غير موثوقة، وأن الشركة كانت تستخدم في معظم اختباراتها آلات متاحة تجارياً، صنعتها شركات أخرى.

تراكمت الدعاوى القضائية، وقطع الشركاء العلاقات مع شركة «ثيرانوس» التي أسستها هولمز، ومُنعت هولمز عام 2016 من تشغيل خدمة فحص الدم لمدة عامين، وفي عام 2018 حُلت الشركة.

في مارس عام 2018 تمكنت هولمز من التوصل لتسوية، بخصوص التهم المدنية المقدمة من قبل المنظمين الماليين، بأنها جمعت عن طريق الاحتيال 700 مليون دولار من المستثمرين.

ولكن بعد ثلاثة أشهر، قُبض عليها وعلى شريكها بالواني، بتهم الاحتيال والتآمر.

ويزعم المدعون أنها ضللت المرضى عن عمد بشأن الاختبارات، وبالغت إلى حد كبير في مستوى أداء الشركة لدى الداعمين الماليين.

لكن أُفرج عن هولمز بعدها بكفالة، وفي عام 2019 تزوجت من ويليام بيلي إيفانز، وريث سلسلة فنادق إيفانز هوتيل غروب، ورزقا بطفل في يوليو من العام الحالي.

تقول إميلي دي بيكر، نائبة المدعي العام السابقة في لوس أنجلوس والخبيرة القانونية: «لا أعتقد أن كونها أماً جديدة سيؤثر على المحاكمة، ولكن من المرجح أن يأخذ القاضي ذلك في الاعتبار إذا ثبتت إدانتها».

وبعد فضيحة «ثيرانوس»، يرى المتابعون أن تشبث هولمز بروايتها الأولى أمر ملفت للنظر. ووفقاً لوثائق المحكمة، من المقرر أن يدفع محاموها بأنها «كانت تعتقد بصدقية شركتها، وبأنها مشروع تجاري ربحي وقيّم للمستثمرين».

ومن المرجح أيضاً أن يدعوا أن السلوك المسيطر المزعوم لشريكها السابق بالواني «قضى على قدرتها على اتخاذ القرارات».

ويقول المحامون أيضاً إن بالواني الذي شغل منصب كبير مسؤولي العمليات في الشركة، والذي سيحاكم بشكل منفصل العام المقبل، كان يتحكم في طريقة لباسها، وأكلها وحديثها لأكثر من عقد من الزمن. كما سيطلبون تقييم طبيب نفسي متخصص في الاعتداءات الجنسية.

تقول دي بيكر: «أصعب شيء في أي قضية تنطوي على احتيال هو إثبات وجود النية المسبقة للاحتيال لدى الشخص، لذا سيتعين على المدعين استخدام رسائلها النصية ورسائل البريد الإلكتروني، لمناقشة فيما إذا كانت تعلم أن التكنولوجيا التي استخدمتها شركتها غير فعّالة، لكنها ادعت نجاحها رغم ذلك».

طباعة Email