منهجية التحضر واقتصاد الرقي ـ بقلم: أسامة اسحاق إسماعيلـ

منهجية التحضر واقتصاد الرقي

من مظاهر الحضارة والرقي للشعوب ومن أسباب التقدم والازدهار لكل أمة الاهتمام المهني والحرص على التفاصيل في الأعمال التي يقوم بها الفرد باعتباره النواة الأولى لأي تطور اقتصادي أو مادي لتلك الأمة وحجر الزاوية المؤسس لذلك التقدم واللبنة الأولى لمحور التغيير إلى فئة المهنية في أداء الأعمال المنوط به أداؤها.

بعد الحرب اليابانية الأميركية وإلقاء قنبلتي هيروشيما ونجازاكي في أوائل القرن الماضي ورث اليابانيون بلداً محطماً مقهوراً محارباً من كل العالم وشعباً مدمراً مشوه الأفكار مثخنا بالجراح قرر عزل نفسه عن العالم وتنادت كل طبقات الشعب إلى العمل والعمل ولا شيء سوى العمل آخذين في أذهانهم غايتهم السامية وطموحهم الكبير الا وهو الوطن.

ونجحوا ! نعم نجحوا نجاحا منقطع النظير وأعادوا أنفسهم رقما بين دول العالم ولكن كان ذلك بجهد الأجداد قبل الأبناء وقد كان وقودهم وقوتهم الدافعة هي الإخلاص في العمل والنية والغاية لبلوغ النتيجة المرتجاة وقد كان.

وبتمعن الرجل العادي ودون تعب نرى أن ديننا الأسوة الحسنة لمن يعتبر ومن يرغب في القمة يسعى إليها لاهثا متحملا تعبها وقسوة الصعود ومن يقنع بالسهول يبقي طيلة العمر بينها مقتاتا من الفتات قال تعالى «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (ـ) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (ـ) سورة سبأ.

وقال تعالى «وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (*)التوبة.

إن المعيار الأساس في التعاطي مع جميع الأعمال هو الصدق فقد حث الإسلام على الصدق فالصديق من أكثر الناس قبولا عند الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ان المؤمن .

وان كان يعصي في كثير من أفعاله الا انه لا يكذب، فالصدق الوفاء والالتزام المهني لكل فرد في عمله ووظيفته وقوله وحركته في هذه الدنيا، إن الصديق التاجر أو المهني أو العامل أو الحرفي هو محرك الحياة من حوله وأداة البناء لمجتمعه، إن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان همه وحتى موته تثبيت أركان العقيدة الإسلامية وبناء الشخصية الإسلامية على أساس الصدق والأمانة.

ومن الناس من يصل إلى اعلى مراتب القبول عند الله بحسن الخلق وقد كان من أهم التحذيرات في ديننا الحنيف المساس بالأمانة وحسن الخلق وتوالي الترهيب والتحذير القوي الذي أطلقه صلى الله عليه وسلم في إحدى زياراته إلى السوق عندما وجد البعض من تجار ذلك السوق يضعون التمر الجيد في اعلى والمبتل العاطب في الأسفل.

وقال صلى الله عليه وسلم قوله المأثور «من غشنا فليس منا»، وقال تعالى«يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ» (51) المؤمنون.

إن من أهم مظاهر الصدق والأمانة هي الالتزام المهني لكل فرد في المجتمع ومعرفة حقوقه وواجباته وحقوق الغير وواجباتهم إن تلك الشفافية أو الحاكمية الإدارية كما يسميها البعض في الشركات تقوم على وجوب احترام الآخر وحقوقه.

كما يرد الإنسان أن يحترم، إن الشعور بالمسؤولية ومحاسبة الذات باتت اليوم من العملات النادرة وقد يطلق البعض على مثل ذلك الشخص صفة السذاجة والعيش خارج العالم حتى بات الحليم حيراناً، إن من الغريب أن من يأكل حقوق الناس بالباطل والخداع أصبح بطلا ويشار إليه بالبنان كأحد الأعلام الذين يحتذى بهم الصغار.

الإهمال في اتخاذ واتباع التفاصيل الدقيقة للقيام بأعمالنا اليومية لا يغير من ذلك صغر العمل أو كبره فإن عامل النظافة والمزارع والطبيب والمهندس كلهم شركاء في أداء إعمالهم بنزاهة وتؤدة وإخلاص مقتدين بآيات القرآن الكريم وأحاديثه صلى الله عليه وسلم التي تحث دائما على الصدق والوفاء وحب الخير للآخرين .

وان يحب الإنسان لاخيه ما يحبه لنفسه، إن واقعنا العملي الآن اثبت بما لا يدع للشك ضعف الوازع الديني لدينا إلا من رحم ربي، فكل منا يسعى وباضطراد للحصول على العائد من أسهل الطرق وبأسرعها دونما ان ينشأ تساؤل لدينا عن نوعية العمل الذي أديناه وهل تمت تأديته على الوجه الأفضل.

ولا أقول الأكمل فالكمال لله سبحانه وتعالى، في تلك الحقبة التي كان فيها المسلم يعاتب ويحاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة كان كل منا يراقب أداءه وعملة ولو كان ذلك على حساب صحته ونفسه ولو فقد العائد المادي الذي يأتيه لإصلاح خطأ قام به في عمله.

ولكن صورة كالحة قاتمة نراها اليوم وقد أزفت على الاكتمال لتشمل المجتمع بكامله أن السطحية في الأداء وإتباع الهوى والنفس والنظرة الاقتصادية الضيقة الرخيصة لدور عدد من المهنيين والذين يشكلون عصب الحياة للأمة قد أظلت بغمامة سوداء ليست دليلاً على الخير بها ولكن دليلا على سواد يحمل داخله كل القيم البيضاء.

إن الصحف تطالعنا كل يوم بأخبار عن تزوير في الأغذية وتباطؤ في العمل في المرافق الحيوية والقبض على أشخاص لتداولهم أدوية ومستحضرات طبية مغشوشة وغيرها من الفواجع الأخلاقية الدخيلة علينا ودوافعها جميعا الكسب غير المشروع واكل أموال الناس بالباطل.

واقتصاد الدول يقوم على المحددات والإحصائيات التي تجريها إدارات التخطيط والتي تبني عليها قراراتها الاقتصادية والمالية وتعرف من خلالها معيار تقدمها وتطورها بين الأمم ولكن الخلل الذي قد يراه أحد الناس صغيرا محصورا في درجه فقط قد يكون له عميق الأثر في كل الأمة وقد يؤدي إلى هلاكها.

إن الدور الرئيس لكل فرد في المجتمع يكمل الأدوار الأخرى فعامل النظافة اذا لم يقم بواجبه بنزاهة واقتدار لامتلأت الدنيا ذبابا وتلوثا وحشرات ولما استطاعت المستشفيات ملاحقة الأمراض ولتكلفت الدولة الملايين لإصلاح هذا الخطأ.

والنظرة الضيقة أحادية التفكير والسطحية في تناول الأمور هي من أهم الأسباب في تخلف أممنا فعامل النظافة الذي يتقاعس عن أداء وظيفته ويتغاضى عن الكثير أمامه من بيننا فأننا جميعا سنحذو حذوه بنظرة أنانية كل منا في إطار صورته ناسين أو متناسين أننا نعمل في مجتمع واحد ضمن بيئة واحدة إذا تأثر منها الجزء أصاب الجزء الآخر العطب.

لقد أثبتت لنا التجارب ان من يرتكب الخطأ ويسبب ضررا للغير يلتزم بتعويض ذلك المتضرر عما لحقه. وتبنت كل القوانين في العالم هذا المنهج بل وامتد الحق إلى الأفعال التي قد يرتكبها الأطفال أو الأفراد غير المميزين طالما ان هناك ضرراً وقع لأحد من جراء ذلك الفعل، وقد أظل القانون هذه الأعمال بمظلته ضمن مبدأ «كل فعل سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض ولو كان غير مميز».

من هذا المبدأ وانطلاقا من مبادئ إسلامية وقانونية أخرى رأينا ان نتناول الأضرار الشخصي الوظيفي والمهني ذلك الباب الغائب عن قوانيننا، فقد جاءت النصوص خالية من أي أحكام أو قواعد تحفظ للغير أو الآخر حقه أمام الأشخاص المستهترين استغلالا لوظائفهم واستهتارا بواجباتها أو إهمالا غير مبرر في أدائها شخصيا الحصول على التعويض المناسب عن الضرر الذي وقع عليه.

إن الأمثلة من الواقع كثيرة وقد يتذكر كل منا وهو يقرأ هذا المقال كم من أسرة فقدت عائلها وكم من أطفال صاروا أيتاما وأمهات ثكلى نتيجة لإهمال غير مبرر من طبيب أو مهندس أو غيرهم نتيجة لاستهتار أو استغلالا للوظيفة لتحقيق مآرب شخصية أو لجهل كبير بحقوق الغير أو عمله المهني نفسه.

إن إحساس المشرع بهذا الألم وتلك الحظات المريرة التي يحسها اليتيم أو الأرملة يجب ان ينعكس تقنينا في الأنظمة القانونية فالحاجة لذلك قد ازدادت في ظل غياب للضمير الإنساني، وتحول بعض أفراد المجتمع إلى الآلات لا إحساس بها.

إن القوانين دائما هي نبراس الأمة والتشريعات جعلت لحفظ حقوق الضعفاء، فدعنا ننادي إلى ضرورة تضمنين قوانيننا ما يردع هؤلاء طالما انتهت بينهم الطبيعة الإنسانية وتحولوا إلى آليات ميكانيكية لا حياة بها وانحصرت أغراضهم في المكاسب المادية الرخيصة دونما وازع من دين أو خلق. والأمر لله من قبل ومن بعد. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فان هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

ـ مستشار قانوني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات