دبي توقظ غوردن براون من كابوسه وتجتذب البريطانيين

دبي توقظ غوردن براون من كابوسه وتجتذب البريطانيين

كان غوردن براون وزير المالية البريطاني يغط في نوم عميق كطفل بريء بمنزله الكائن في جادة 11 داوننيغ، وقد زاره حلم جميل اصطحبه بعيدا عن مشكلات الاقتصاد البريطاني، وسافر الحلم به بعيدا نحو أرض يزدهر فيها الاقتصاد ويعتبرها وزراء المالية في دول العالم فردوسهم المفقود الذي تظلله الأشجار الباسقة ويسوده الدفء والعدالة والقانون.

هكذا يبدأ الكاتب أليستر هيث مقالته التي نشرت على صفحات »بيزنيس أون لاين« منتقدا واقع الاقتصاد البريطاني، مضيفا أن براون رأى في منامه من بين ما رأى مئات ناطحات السحاب تنمو من عمق الصحراء الذهبية ومئات ألوف الوظائف الجديدة والناس من كل أرجاء العالم يأتون للعمل هناك، فقال في قرارة نفسه حينها: يا لها من أرض؟ إنها حقا بلاد الاقتصاد الراسخ!

ولأن الأحلام مليئة بالأشياء المدهشة والغريبة، وجد براون نفسه ينقب بين الأوراق والوثائق الرسمية عن تلك البلاد ليكتشف بأنها تتمتع بنمو اقتصادي يوازي سرعة نمو الصين الاقتصادي، وخاطب نفسه قائلا: في تلك البلاد لا حاجة للتنبؤات الاقتصادية المجنونة.

واكتشف في رحلته أشياء أكثر إثارة، فبلاد العجائب صاحبة الاقتصاد المزدهر خالية تماما من الضرائب ولا تلجأ حكومتها إلى موارد مثل الضمان الاجتماعي أو ضريبة الوراثة أو ضريبة رأس المال ولا أي نوع من أنواع الضرائب، فهي ببساطة بلاد بلا ضرائب.

فجأة أفاق براون من حلمه يتصبب عرقا. وليكتشف أنه كان في مدينة متألقة تسكن في أحضان دولة جميلة تدعى الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة مختلفة عما عرفه بروان من دول حيث استطاعت أن تمزج بذكاء وتناغم بين هويتها العربية الإسلامية ولمسات من روايات أيان راند.

لقد شهدت دبي في سنوات قليلة تحولات كبيرة لتصبح مركز الشرق الأوسط على الصعيدين المالي والسياحي. وتواصل دبي عناقها للعالمية عبر تبنيها اقتصاد السوق الحر.

وكانت المدينة قبل ثلاثة عقود عبارة عن واحة صغيرة على حافة الصحراء تجوبها العبرات وتقطنها أسواق الذهب، واليوم تشكل دبي قصة نجاح مذهلة. وقد تجاوز عدد سكانها 1.2 مليون نسمة بعد أن كان 490 ألفاً في عام 1990 و183 ألفاً في العام 1970، ويشكل المواطنون نسبة 15% من إجمالي سكانها فقط.

وانفتحت دبي على التجارة العالمية وتدفقت عليها رؤوس الأموال والهجرات واستفادت أكثر من أي مدينة في الشرق الأوسط من تجارب الدول الغربية المتقدمة، وحافظ الدرهم الإماراتي على استقرار سعر صرفه مقابل الدولار منذ العام 1977 ،

ويساوي الدرهم 3.675 دولارات. وهي جنة خالية من الضرائب والقيود على رؤوس الأموال، وتكاد رسومها الإدارية لا تذكر، وكذلك ضرائب فواتير الفنادق ووجبات المطاعم غير المباشرة.

لقد بنت دبي مجموعة من الشركات الكبيرة، ومن أشهرها طيران الإمارات، كما ازدهرت حركة التطور العقاري بشكل غير مسبوق بعد أن خطى البلد خطوة مهمة نحو السماح للأجانب بالتملك شبه الحر للعقارات، وهو ما شجعها على بناء جزر صناعية ساهمت في توسيع رقعتها العمرانية ورفدها بخط ساحلي جديد يتسع لعشرات الآلاف من المساكن الساحلية.

ويصف هيث أسباب نجاح دبي مشيرا الى التوسعات الكبيرة التي شهدتها المناطق الصناعية والتجارية الحرة، بما فيها منطقة جبل علي الحرة، ومدينة الانترنت والإعلام ومركز دبي المالي العالمي ومدينة مطار جبل علي وغيرها من المناطق الحرة التي يسمح للشركات فيها بالعمل بكامل حريتها دون الحاجة الى كفيل محلي، والسماح بجلب موظفين من مختلف أنحاء العالم.

ويشير إلى أن مزاعم بعض المحللين بأن سر نجاح وتفوق بعض شركات دبي مثل طيران الإمارات مرده الدعم الحكومي المتواصل هو أمر بعيد كل البعد عن الحقيقة، لافتا الى أن هذه الشركة لم تتلق أكثر من 80 مليون دولار كإعانة مباشرة وغير مباشرة منذ تأسيسها قبل عشرين عاماً وحتى اللحظة،

وأنها دفعت مقابلها أكثر من 100 مليون دولار كحصص للمساهمين فيها، وتحقق أرباحا تصل الى 300 مليون دولار سنويا وطلبت شراء 47 طائرة بوينغ 777 بقيمة 9.7 مليارات دولار مؤخرا، محققة بذلك لقب أكبر صاحبة صفقة في تاريخ الطيران المدني، وأن هذه العمليات تندرج ضمن خططها المستقبلية الرامية للتفوق العالمي خلال العقد المقبل متجاوزة بذلك أقدم خطوط الطيران المدني في العالم.

ويوضح بأن طموح دبي الاقتصادي لا يقف عند حد، وأن شركاتها تتسابق الى شراء شركات أوروبية وأميركية كبرى، مثلما فعلت موانئ دبي العالمية بعرض »بي أند أو« البريطانية، وبشراء دبي القابضة لمجموعة متاحف مدام تيسو. ويعرب عن دهشته من حقيقة يتجاهلها الغرب

وهي أن اعتماد دبي على النفط والغاز لم يتجاوز 5.8% العام الماضي من إجمالي الدخل المحلي، وأن 94.2 % من دخلها جاء من قطاعات نفطية كالعقارات والمال والسياحة، أي أن ثروة دبي لم تأت من مخزون ثروات طبيعية تمتلكها.

ويؤكد بأن أهم درس يجب على ساسة الاقتصاد في الشرق الأوسط تعلمه من تجربة دبي أن الفضاء لا يمطر مناً ولا سلوى وأن الاتكال على النفط أو غيره أمر لا يغني من جوع ولا يؤسس للدول اقتصادا قويا.

ويتوقع الكاتب أن يصل إجمالي الناتج المحلي لدبي هذا العام الى 150 مليار درهم، مقارنة بـ 136 مليار درهم في العام الماضي، مشيرا إلى أن ناتجها المحلي لم يكن يتجاوز 44.7 مليار درهم في العام 1996.

وينصح الكاتب كلا من غوردن براون وزير المالية البريطاني ونائبه المحافظ بزيارة دبي لرؤية أنفسهم في مرآة تلك المدينة الحديثة التي تعيش في عالم متغير، مشيرا إلى عدم ضرورة استنساخ كل ما أنجزته دبي في بريطانيا، لكنه نصح بأن تبني النظام الرأسمالي والرؤية الريادية في الأعمال هو الطريق الأفضل للثراء والنجاح.

ويوضح بأن إيمان الغرب بتجربة دبي يتضح أكثر من خلال هجرة الآلاف من الغربيين إليها بحثا عن العمل أو الاستثمار. ويتوقع أن المزيد من الشباب البريطاني الموهوب سينضم الى مجتمع المغتربين في دبي ليتقي جحيم الضرائب، ما دام ساسة بريطانيا بشقيهم العمالي والمحافظ غير قادرين على اتخاذ خطوات سريعة تسير على خطى دبي.

ترجمة - محمد بيضا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات