النزاع الروسي الأوكراني حول الغاز يدفع نحو الخيار النووي

النزاع الروسي الأوكراني حول الغاز يدفع نحو الخيار النووي

رغم الاتفاق الأخير بين روسيا وأوكرانيا والذي أنهى المشكلة الانية إلا أنها لاتزال قابلة للتكرار، فقد شعر المسؤولون في أوكرانيا بغضب شديد بعد تصعيد الضغوط من روسيا لرفع أسعار الغاز الذي تورده لها، وشعرت الدول الأوروبية بالنفي في امدادات الغاز بعد قطع روسيا إمداداته التي كانت تصل إلى أوروبا عن طريق أنابيب أوكرانيا.

وقال الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينسنكو إن بلاده سوف تبحث عن وسائل طاقة جديدة وتوفر قدر المستطاع في استهلاك الطاقة وسوف تستخدم احتياطيات الغاز الموجودة تحت الأرض لتعويض نقص الإمدادات التي كان يجب أن تأتي من روسيا وأثرت على وسط وغرب أوروبا.

وأثار النزاع بين روسيا وأوكرانيا على أسعار الغاز القلق بشأن آمان إمدادات الغاز لأوروبا ويرى البعض أن اللجوء إلى الطاقة النووية هو الحل. وتعتمد كثير من الدول الأوروبية الكبرى التي لا تملك احتياطيات بترول وغاز على استيراد لسد حاجاتها، وأهم هذه الدول هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا التي تستورد الغاز الطبيعي بكميات كبيرة.

وكان هذا أحد أسباب القلق في الماضي أيضاً.. غير أن الوضع أصبح أكثر قلقاً الآن، حيث تتوقع أوروبا ارتفاع اعتمادها على الغاز المستورد من روسيا خلال الـ 15 عاماً المقبلة. وتحولت بريطانيا ممثلا من دولة مصدرة للغاز إلى مستورد رئيسي له مع نضوب مواردها في بحر الشمال.

ويقول الاتحاد الأوروبي أن ثلثي احتياجات أوروبا من الطاقة وثلاثة أرباع الاحتياجات من الغاز سوف يتم استيرادها حتى عام 2020، وغالبية هذه الواردات من المفترض أن تكون من روسيا، أو بالأحرى من شركة جازيروم المملوكة للدولة الروسية.

وقالت دراسة للاتحاد الأوروبي العام الماضي ان دخول أعضاء جدد من أوروبا الشرقية في الاتحاد سوف يزيد الاعتماد على روسيا في الغاز الطبيعي. ووجدت الدراسة أن تعرض الاتحاد الأوروبي لخطر انقطاع إمدادات الطاقة يزداد لأسباب منها تزايد استيراد الغاز الطبيعي بصفة عامة والاعتماد على مصدر واحد فقط هو روسيا. وأضافت ان تنويع موارد الطاقة محدود جداً بسبب نبات البنية التحتية على حالها وتعظيم هيكل صناعة الغاز في روسيا.

واتضح أن روسيا تنوي استغلال احتياطيات الطاقة لديها كأداة في السياسة الخارجية والسؤال الآن اذا كانت أوروبا سوف تعمل بطاقة أكبر بشأن تغيير وضع اعتمادها على روسيا في استيراد الغاز.

واحد الخيارات المتاحة أمام أوروبا هو بناء مزيد من مفاعلات الطاقة النووية. وبدأت فرنسا عقب أزمة البترول في السبعينات في برنامج نووي مكثف والآن تحصل على ثلاثة أرباع احتياجاتها من الكهرباء عن طريق الطاقة النووية.

لكن في بريطانيا تشكل الطاقة النووية 20% فقط من إمدادات الكهرباء والمتوقع انخفاض هذه النسبة أيضاً، وإذا لم يتم بناء محطات طاقة نووية جديدة سوف تعتمد بريطانيا على الغاز لتوليد 70% من الكهرباء التي تحتاجها حتى 2020، وغالبية هذا الغاز يأتي من روسيا.

وسوف تتخذ الحكومة البريطانية قراراً خلال الأشهر الستة المقبلة بشأن إنشاء محطات طاقة نووية جديدة. وألمانيا هي أكبر مستهلك للغاز الروسي، ووعدت بإغلاق محطاتها النووية بحلول عام 2020، لكن كثيراً من المحللين يعتقدون أن الحكومة الجديدة سوف توافق على تمديد فترة عمل المحطات النووية القائمة عندما يسمح المناخ السياسي بذلك.

فإذا كان النزاع بين روسيا وأوكرانيا يهدد موارد الغاز التي تصل للبلاد، فإن هذا مدعاة لأن تنفذ الحكومة الألمانية هذه النية الآن قبل أي وقت مقبل.

وقال أجراهام ويل مدير قسم خدمات الطاقة الأوروبية في جلوبال إنسايت الاستشارية إن الوضع يزيد عن عصبية الدول الأوروبية بشأن استغلال الغاز، عندما يكون لديهم خيارات أخرى، لذلك لا بد أن تميل كفة الميزان نحو الطاقة النووية.

وقد حاولت كثير من الدول الأوروبية خلال السنوات الماضية تنشيط تطوير مصادر طاقة متجددة مثل طاقة الرياح والأمواج، لكن هذه المصادر ليست بالحجم الكبير الذي يعتمد عليه لتعويض الواردات من الغاز.

ولا تزال دول مثل ألمانيا واسبانيا لديهما احتياجات من الفحم، لكن استخراجه مكلف ويحتاج إلى دعم كبير، ويمكن أن تساهم تقنيات «الفحم النظيف» في علاج مشكلات التلوث الناتج عن استخدام الفحم بدلاً من الغاز، غير أن هذا أيضاً يرفع التكلفة بشكل أكبر. ومع وضوح حقيقة أن روسيا تستغل احتياطيات الطاقة كوسيلة ضغط سياسي، فلا بد أن تكون حذرة بشأن إساءة استغلال هذه الورقة.

وقد أدت أزمة بترول السبعينات إلى سيطرة منظمة الدول المصدرة للبترول على أسعاره حتى الآن، وارتفاع سعر البترول يصيب الاقتصاد العالمي بالألم وسبب انهياراً في الطلب على البترول ذاته، كما دعا أيضاً إلى تطوير موارد طاقة متجددة مثل الطاقة النووية وتقليل الاعتماد على البترول.

ولهذا السبب تتوخى السعودية الحذر في استغلال سلطتها في منظمة الأوبك منذ السبعينات، وتستخدم هذه السلطة في الحفاظ على استقرار أسعار البترول، وقد تجد روسيا أنه يتعين عليها أن تفعل ذلك.

وتملك روسيا أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم وتربطها أنابيب غاز بأكبر سوق للغاز في العالم، لكنها لا بد أن تتوخى الحذر في نزاعها مع أوكرانيا بحيث لا يؤثر على سمعتها كمورد للطاقة، في الوقت الذي تتولى فيه رئاسة مجموعة الثماني للدول الصناعية الكبرى.

ترجمة: أشرف رفيق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات