43% من إجمالي فرص العمل العالمية من السياحة

التوطين في القطاع السياحي إلى أين؟

أوضحت الإحصائيات الصادرة عن منظمة السياحة العالمية مؤخراً أن نسبة فرص العمل ذات الصلة بالقطاع السياحي العالمي ستشكل 43% من إجمالي فرص العمل المتاحة عالمياً بحلول العام 2010 .

وهي نسبة لا يستهان بها وتدلل على التطور المضطرد لهذا القطاع الحيوي والمؤثر في اقتصادات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وتنسحب تلك الأهمية على اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة التي أدركت قبل غيرها من دول المنطقة أهمية القطاع السياحي .

والأنشطة المتعلقة به »مثل الترفيه والفندقة والمهرجانات والمؤتمرات والمعارض« ضمن استراتيجتها الرامية إلى تنويع وتوزيع مصادر الدخل القومي للتقليل من اعتمادها على النفط.

وغني عن القول ان إمارة دبي تحديداً تحظى منذ زمن بسمعة عالمية في ميادين السياحة، فمطارها يعتبر أهم واحة تسوق في العالم، ومراكز التسوق فيها تسجل انجازات كمية ونوعية تنافس أكبر المدن الآسيوية والأوروبية.

وكذلك الأهم بالنسبة لسرعة نمو قطاع الضيافة حيث تتهافت الشركات الفندقة الغربية الى الاستثمار فيها مستفيدة من الطفرة العقارية الضخمة التي تشهدها منذ مطلع الألفية الثالثة.

ولا تقتصر هذه الاستثمارات على الشركات الأجنبية فقط، فهناك شركات وطنية تضخ ملايين الدولارات للفوز في السباق المحموم على الفوز بالحصة الأكبر من المشاريع السياحية، ومنها مجموعة الحبتور، ودبي للعقارات وغيرها كثير.

ولكن أين يقف المواطن الشاب الباحث عن فرصة عمل من هذا السباق؟ ولماذا يتردد المواطنون في دخول سوق العمل من خلال هذا القطاع الحيوي والنشط؟ وهل هناك عوائق فعلية تمنعهم من الدخول إليه؟

يرى بعض الخبراء العاملين في صناعة الترفيه والضيافة أن الشباب المواطن يعزف عن العمل في قطاع السياحة عموماً لأسباب غير مبررة منطقياً، فمنهم من يرى أن العمل في فندق 5 نجوم كنادل أو موظف استقبال.

أو محاسب أو مرشد سياحي لا يتناسب مع عاداته وتقاليده الاجتماعية، ولا يلبي طموحاته المادية قبل كل شيء، كما ان ساعات العمل الطويلة ونظام المناوبات وعقبة اللغة الإنجليزية تشكل عبئاً إضافياً عليهم.

ويرى الخبراء أن الفئة الثانية من حملة الشهادات من المواطنين ينأون عن هذا القطاع لأنهم يعتقدون بأنه لا يوفر لهم الأمن الوظيفي على المدى الطويل، لذا فهم يعملون فيه بشكل مؤقت إلى حين العثور على فرصة أفضل في قطاعات أكثر استقراراً كالعام أو الحكومي أو المصارف أو غيرها.

وإلى الحين الذي سيقرر فيه المواطنون الدخول إلى سوق العمل من بوابة السياحة المشرقة، فإن اليد العاملة الوافدة ستبقى المسيطر الأول على مختلف الوظائف الإدارية الدنيا والمتوسطة والعليا.

وكما أكدت المصادر لنا فإن الوقت ينفد من بين أيدي المتشككين والمترددين الذين لم يدركوا حتى الآن أن مستقبل اقتصادات الدول النامية أصبح أكثر اعتماداً على قطاع الخدمات والتقنية في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد.

واقع السياحة العربية

ويعتبر أحد خبراء القطاع السياحي أن المنطقة الممتدة بين غربي البحر المتوسط والخليج العربي تحفه نفيسة من مواقع الغوص ومواقع الجذب السياحي والشواطئ المشمسة الرملية، فضلاً عن الأسواق والمواقع الأثرية، إلا ان طريقة تطوير هذه المناطق وإدارتها ولمصلحة من يثير العديد من الفرص والتحديات.

ويشكل تدفق السياح من غير العرب إلى هذه المنطقة سوقاً مغرية، نظراً لحجم الإنفاق الذي يصاحب تواجدهم فيها. لكن تدفق السياح إلى الدول العربية لا يزال يشكل جزءاً يسيراً من سوق السياحة العالمي الذي يشكل أحد أكبر قطاعات الاقتصاد في العالم.

وقد أسفرت الجهود المبذولة لتطوير السياحة في المنطقة عن تنويع الوجهات السياحية، مثل المواقع التراثية والرياضية والأسواق ومحلات بيع التجزئة وغيرها من الأنشطة السياحية البارزة.

وتملك كل من دبي ومصر والمغرب أكثر قطاعات السياحة جذباً وتطوراً، حيث توظف الأصول الثقافية والتاريخية، على جانب الطقس المشمس وهدوء مياه المتوسط ومناظر الخليج، لتوفير مشاريع وعروض سياحية جذابة تجمع بين سحر الرمال والمياه.

وتحظى المغرب والإمارات، وخاصة دبي، بسمعة جيدة في ميدان الجولف. وقد بدأت بيروت، التي كانت تحمل اسم »باريس الشرق«، تتعافى لتصبح نقطة جذب سياحي من جديد. وفي هذه الأثناء، فقد حافظ الأردن على جاذبيته كموئل للمواقع الأثرية مثل مدينة البتراء.

وأما مطار دبي، فيعتبر واحة التسوق الأشهر في العالم. وحتى ليبيا، وجدت لنفسها مؤخراً مكاناً على الخريطة السياحية مع تدفق السياح إلى المواقع الأثرية الرومانية فيها وصولاً إلى أعماق الصحراء في رحلات السفاري.

ولتوفير الخدمات لهذه المواقع السياحية، شهد قطاع الضيافة نمواً كبيراً، حيث اتسع نطاق استثمارات الشركات الفندقية الغربية لتشمل »شيراتون الجزائر« و»حياة« و»إنتركونتننتال« في سلطنة عمان.

و»ماريوت« في قطر و»كورينثيا« في ليبيا. وأتاحت عمليات التطوير الفرصة لقيام شركات إدارة فندقية وطنية، مثل »فنادق البحر الأحمر« و»تروبيكانا« في مصر، و»متروبوليتان« في الإمارات، و»الياسمين الذهبي« في تونس.

وتلعب السياحة دوراً مهماً في مد الجسور الثقافية، حيث يسهم التفاعل الإنساني في تعزيز الانطباعات الايجابية بين الشعوب والتخلص من الأحكام السلبية المسبقة، وبالطبع، لا تخلو عملية التفاعل هذه من قصص مشابهة لحكاية السائحة الغربية على شاطىء الاسكندرية والتي قد تخلق نوعاً من التوتر في علاقات السياح مع الناس .

ويرى البعض ان إنشاء المجمعات السياحية »السوبر« المخصصة للترفيه والاستجمام وسياحة مراكز التسوق والغولف تشكل جميعها أمثلة على الطريقة التي عزلت بها السياحة نفسها عن المجتمعات المحلية في محاولة لجني الأرباح من دون الاهتمام بما يمكن ان تخلفه هذه الظواهر من »تلوث« اجتماعي.

ويضاف إلى ذلك، أن هذه المجمعات تشكل تحديات من نوع آخر، فعلى سبيل المثال، يترتب على إنشاء هذه المجمعات تكاليف بيئية باهظة، منها التلوث والاستهلاك المفرط للمياه العذبة والأرض الصالحة للزراعة.

ويقول معارضون للأنشطة السياحية إن معظم المهن السياحية لا تحتاج إلى مهارة وأنها موسمية الطابع، مما يجعل فوائد السياحة حكراً على عدد محدود من المستثمرين والمقاولين والمديرين التنفيذيين.

ومن التحديات الأخرى التي تواجه السياحة، نقص الرحلات الجوية والعجز في طاقة المطارات في بعض الدول، الأمر الذي يعرقل جهود شركات التنشيط السياحي الرامية إلى رفع معدلات السياحة في الأسواق التي تعمل فيها.

وتوجد أيضاً تهديدات »الإرهاب« الذي لم تسلم من هجماته الوجهات السياحية، مثل المغرب وتونس ومصر والأردن، التي تعتمد اقتصادياً على السياحة بدرجة كبيرة.

وقد أسفرت هذه الهجمات عن كبح الحماس لزيارة دول المنطقة بسبب الإحساس بالخطر، وقد لخص أحد المسؤولين في فندق بمدينة البتراء هذه الحالة بقوله: »اذا انفجرت قنبلة في بيروت، تلغى الحجوزات عندي هنا في البتراء«.

ومن المجالات الأخرى التي شهدت السياحة فيها تطويراً لا بأس به، السياحة البيئية ضمن دول المنطقة، وقد أصبحت السياحة الإسلامية في صدارة أولويات السائحين في هذه الدول بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي قلصت حماس السائحين العرب لزيارة الولايات المتحدة وأوروبا.

ومن الطبيعي القول ان الحج هو أقدم الأنشطة السياحية، حيث تمتاز السياحة الإسلامية عن غيرها بتجنب التصادم الثقافي مع الآخرين، ويقول المحللون ان السياحة الإسلامية تعتمد على عدد من العوامل، منها الجانب الثقافي الذي يفرض أداء عدد من المناسك التي يتزايد الإقبال عليها بين المسلمين، والترويج الأوسع للتراث الإسلامي والمواقع الإسلامية على برامج السياح.

ويأخذ العامل الإسلامي بالحسبان تزايد عدد السياح من المسلمين المحافظين من خلال توفير أنشطة سياحية ومنشآت تتوافق مع مشاعر المسلمين، مثل المساجد والمنشآت الرياضية ومنشآت اللياقة البدينة التي تفصل بين الرجال والنساء، والمنتجعات التي تقدم الأطعمة الحلال ولا تسوق المشروبات الكحولية.

ويتطلب التوفيق بين طلبات السائحين الأجانب والمسلمين العلمانيين من جهة، واحتياجات وتطلعات السكان المحليين وسوق السياحة الإسلامية الناشئة من الجهة الأخرى، ظهور فروع جديدة في قطاع السياحة، ولكن السؤال الأهم يبقى: هل سيكون هناك متسع لكلتا الشريحتين معا؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات