للتغلب على حالة التذبذب في السوق العالمية

السعودية جادة في وعودها برفع الطاقة الإنتاجية البترولية

تسعى المملكة العربية السعودية إلى ان تلعب دورها للوفاء بالطلب العالمي المتزايد على البترول، حيث أعلنت شركة أرامكو السعودية برنامجاً يتكلف 50 مليار دولار لزيادة انتاجها وطاقة تكرير البترول ومضاعفة حفارات البترول في المملكة وإحلال الحقول الناضبة ورفع طاقة الإنتاج بنسبة 14% لتصل إلى 12.5 مليون برميل يومياً بحلول 2009.

وسيكون ذلك أكبر توسع بالنسبة لشركة أرامكو المملوكة للحكومة السعودية خلال ربع قرن، كما ذكرت صحيفة »نيويورك تايمز«.وكان وزير الطاقة الأميركي صمويل بودمان قد زار المملكة مؤخراً على رأس وفد من عشرة أعضاء للاطمئنان على ان السعودية سوف تفي بوعودها بزيادة الإنتاج وطاقة تكرير البترولية.

وزار الوفد الأميركي غرفة التحكم التي تصل إلى مساحة ملعب كرة قدم، في شركة أرامكو، حيث يجري مراقبة تدفق 12% من إنتاج العالم من البترول، فضلاً عن توجيه الناقلات العملاقة إلى موانىء التصدير في الخليج العربي أو البحر الأحمر.

ويخرج من تحت أيدي مهندسي هذه الشركة 10 ملايين برميل من البترول يومياً. والكمية التي تنوي السعودية رفع الإنتاج بها، حتى بالنسبة لبلد يسيطر على ربع احتياطي العالم المؤكد من البترول أو 261 مليار برميل من البترول، فإنها تعادل إجمالي إنتاج فنزويلا أو النرويج خلال خمس سنوات.

وكانت زيارة بودمان هي الاولى التي يقوم بها وزير طاقة أميركي منذ 4 سنوات، وكانت تهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين، وعندما عاد الوزير إلى بلاده أكد ان السعودية جادة في تحقيق وعودها. وقال انه تأثر جداً بالقدرة والكفاءة والحماس الذي شاهده، وأكد أنه عاد بثقة أكبر في أن السعودية سوف تفي بوعودها.

وهذا التأكيد يهم السعودية، حيث حاولت جاهدة ان تقنع عدداً من المتشككين يتزايد كل يوم، بجديتها في رفع الإنتاج وطاقة تكرير البترول قبل انتهاء العقد الحالي.ويقول المتشككون حتى بعد أخذ برنامج التوسع السعودي في الاعتبار انهم غير واثقين ويدعون بأن السعودية لا يمكن أن تحقق هذه الأهداف بسبب عدم كفاية الاحتياطيات.

والشكوك في احتياطيات السعودية وقدراتها الانتاجية ليست جديدة، حيث ظهرت هذه الاسئلة حتى عندما كانت أربع شركات أميركية بقيادة إكسون تسيطر على إنتاج البترول السعودي منذ ثلاثة عقود.ونشرت »نيويورك تايمز« مثلاً في عام 1977 قصة على صفحتها الأولى بعنوان »خبراء أميركا يخشون من انخفاض الإنتاج بسبب مشكلات الحقول السعودية«.

واتهم المشككون وعلى رأسهم ماثيو سيمونز المصرفي في هيوستن ـ أرامكو السعودية بأنها تبالغ في تقرير الاحتياطيات البترولية السعودية، تقلل من أهمية المشكلات التي تواجه الانتاج ولا يزال سيمونز يمثل رأي الأقلية، لكن أرامكو لا تعلن أي معلومات لتصحيح المفاهيم. ولا يعلق المسؤولون والمديرون في أرامكو على أي من هذه الاتهامات.

وأثار الجدل حول احتياطيات البترول السعودية قضية مهمة حول رؤية السعودية لنفسها في سوق البترول العالمية، كما يقول المحللون الذين نقلت عنهم »نيويورك تايمز«. وقال لويس جوستي الرئيس السابق لشركة بترول فنزويلا ان قضية الاحتياطيات أثارت قضية أخرى مهمة جداً، فقد تغير الدور السعودي، فهم سعداء باتجاه السوق الحالية لارتفاع الأسعار.

وكانت السعودية في الثمانينات والتسعينات تلعب دور المنتج الحقيقي بسبب توافر الطاقة الإنتاجية غير المستغلة لديها، وأعطت هذه الطاقة الإنتاجية البالغة 8 ملايين برميل يومياً، القدرة للسعودية على التحكم في الارتفاعات الشديدة في أسعار البترول من خلال زيادة انتاجها الفعلي. ورغم ان هذا الموقف أعطى السعودية بعض النفوذ، فقد كان نتاج التوسع الزائد في السابق وليس بناء على سياسة مقصودة، وكان لهذا ثمنه أيضاً.

فقد تكلفت المملكة خسارة مليارات الدولارات من العائدات التي كانت ستحصلها وطغيان دول منتجة أخرى على نصيب السعودية في السوق. وبسبب ذلك أيضا انخفاض أسعار البترول طوال العقدين الماضيين. هذا الموقف لا تريد السعودية ان تكون فيه مرة أخرى كما يقول ديفيد جولدوين الخبير في الطاقة بحكومة الرئيس الأسبق كلينتون، ويقول ان السعودية كان لديها قرار بإرسال رسالة إلى العالم بأنها لن تلعب دور الملاذ الأخير مرة أخرى.

ويقولون الآن ان الدول المستهلكة لابد ان تبحث عن مصادر بديلة للطاقة وطرق للحفاظ عليها ولا تنظر إلى السعودية لتعويض النقص في الإمدادات للوفاء بالطلب المتزايد. ويتفق كثير من المحللين على ذلك، ويشيرون إلى ان هذا التحول حدث في لحظة مهمة خلال العامين الماضيين عندما أصبح لدى السعودية طاقة إنتاجية إضافية هزيلة بسبب ارتفاع الطلب إلى الحد الأقصى للإمدادات العالمية، وكان على المملكة ان تقرر إذا كانت سترفع الطاقة الإنتاجية وإلى أي حد ترفعها.

ويقول تاس فريمان السفير الأميركي في السعودية خلال حرب الخليج الأولى ان السعودية تخلت عن جهودها في الحد من الارتفاع في أسعار البترول، وهم ينتجون الآن بما يوازي الطلب فقط، وترتفع الطاقة الإنتاجية لديها ببطء شديد. فهم غير معنيين الآن بارتفاع أسعار الطاقة أو المصادر البديلة أو جهود الحفاظ عليها، فلديهم شعور الآن ان هناك مجالاً واسعاً لكل هذا.

وتطالب السياسة الرسمية للسعودية التي حددها المجلس الأعلى للبترول بأن تظل الطاقة الإنتاجية الإضافية لشركة أرامكو 1.5 ـ 2 مليون برميل يومياً. ويعطي ذلك المملكة القدرة على تعويض الانخفاضات البسيطة في الإمدادات من الدول المنتجة. لكن السعوديين يريدون ان يتجنبوا رفع الطاقة الإنتاجية بشكل كبير بحيث يحدث تراكم في العرض والإمدادات بالنسبة للطلب.

ويقول فيتج بيرول الخبير الاقتصادي في الوكالة الدولية للطاقة ان الأمر لا يتعلق بالاحتياطيات، بل بالاستثمارات وحدد وزير البترول السعودي موقف بلاده عندما قال ان السعودية لن تكون »منتجاً حسب الطلب« في المستقبل، وأضاف ان بلاده تبذل قصارى جهدها لتوقع الطلب وينشؤون مرافق تتوافق مع حجم الطلب وحسب.

وترغب السعودية في ان ينظر إليها العالم على أنها المسؤول عن ساحة الطاقة العالمية والمورد المستقر خاصة لدول آسيا، فضلاً عن أميركا ودول أوروبا.

وقد رفعت السعودية إنتاجها خلال العامين الماضيين لتعويض النقص في إنتاج نيجيريا وفنزويلا ثم العراق. وقال الوزير السعودي إنهم يريدون القضاء على حالة التذبذب، لكنهم يعرفون انهم لا يستطيعون ذلك.

وقال روجر ديوان محلل الطاقة في واشنطن ان السعودية لن تتخلى كلياً عن أدوات نفوذها، وأضاف ان الهدف الاستراتيجي للسعودية هو ان تظل العنصر الأهم على الساحة البترولية العالمية، وهو طموح مشروع، فهي الدولة المنتجة الوحيدة التي تستطيع ذلك، لكن هذا يعني أيضا إنفاق المليارات على الطاقة الإنتاجية التي قد لا تستخدم، والانخفاض في دورة الطلب قد يعود بالخسارة على السعودية، كما حدث في الثمانينات.

ويقول رشدي يونس المحلل في مجموعة يور آسيا في واشنطن ان الغموض الذي تحافظ السعودية عليه يهدف الى تأكيد وجود الاحتياطي في الوقت الذي تقول فيه إنها لا تسيطر كثيراً على الأسعار العالمية. وفي هذا تناقض ، كما يقول يونس، لكنهم لن يتركوا أحداً يملي عليهم ما يفعلون.

وقال ادوارد واكر وكيل وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى من 1999 حتى 2001،ان البترول يظل المحور المركزي في العلاقات الأميركية السعودية. وأضاف ان أميركا شاءت أم أبت، تعتمد على الشرق الأوسط في البترول وأي حل يتوصلون إليه لابد ان تكون السعودية جزءاً منه.

ترجمة : أشرف رفيق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات