الطموحات الاقتصادية الخليجية بين قمتين

الطموحات الاقتصادية الخليجية بين قمتين

عندما يقول معالي راشد عبدالله وزير الدولة للشؤون الخارجية في الاجتماع التحضيري للقمة المقبلة لمجلس التعاون الخليجي التي تُعقد في ديسمبر المقبل: إن ما تحقق من إنجازات على طريق التكامل الخليجي ليس كافياً لتلبية طموحات الشعب في دول المجلس، إنما يلمس الحقيقة والواقع، بما يحث الجميع على وضع جدول أعمال يحمل من المشروعات والآليات ما يرقى إلى مستوى الطموحات.

وبين القمة الأولى التي شهدتها أبوظبي عاصمة الإمارات برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والقمة المقبلة في أبوظبي برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، تواصل مسيرة التعاون الخليجية طريقها ساعية نحو أهدافها في المجالات كافة، بما يستجيب لطموحات الشعب العربي في الخليج في تحقيق المواطنة الخليجية الشاملة في إطار الاندماج الشامل بين أقطار مجلس التعاون الخليجي.

وإذا كانت العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الست قد شهدت تطورات متعاقبة لا يمكن إنكارها على مدى العقدين والنصف الماضيين، وأسهمت الدورات الأربع والعشرون السابقة على »قمة الشيخ زايد« التي عُقدت في المنامة عاصمة البحرين في شهر ديسمبر الماضي في دفع المسار الاقتصادي إلى الأمام بشكل ملحوظ.

إلا أنه مع ذلك يلزم لتجسيد الاندماج الخليجي المنشود، مزيد من الإرادة السياسية، ومزيد من السرعة، ومزيد من الطموح لمواكبة اتحادات اقتصادية حققت التكامل الفعلي في أقل من ربع قرن، ليس التكامل فقط، ولكن الاندماج أيضاً، وليس في المجال الاقتصادي فقط ولكن في السياسي أيضاً، وأوروبا مثل واضح، وإفريقيا مثل طامح.

وشهد العمل الخليجي المشترك في المجال الاقتصادي قرارات تتعلق بالاتحاد الجمركي، والسوق الخليجي المشترك والتكامل الإنمائي، والوحدة النقدية على مدار القمم الخليجية.

ومتابعة للمسيرة الاقتصادية الخليجية لرصد تطورها، ولتقييم أدائها، وإيضاح مدى ما حققته من طموح المواطنين في أقطار مجلس التعاون لتحقيق »المواطنة الخليجية« على مدى ربع قرن، نبدأ مع بداية هذه المسيرة.

وفي أول قمة خليجية عربية والتي عُقدت في أبوظبي في مايو عام 1981، أكد بيان القمة »إن الاندماج الخليجي أصبح هو العامل الحاسم نحو توحيد السياسة الاقتصادية مؤكداً عزم دول المجلس على تحويل الثروة النفطية إلى عملية تنمية شاملة لمصلحة شعوبها«.

وهذا يشير بوضوح إلى أن الاقتصاد كان حاضراً على جدول الأعمال منذ القمة الأولى لدول مجلس التعاون الخليجي لما للعامل الاقتصادي من أهمية في التأسيس للاندماج السياسي في المستقبل.

وقد تواصل الحضور الاقتصادي في القمم التالية وتطورت عمليات التنسيق في السياسات الاقتصادية سعياً إلى الوصول إلى تحقيق التكامل الاقتصادي أو »الاندماج« كما أشار إليه بيان القمة الأولى.

وشهدت القمة الخليجية الثانية في الرياض في نوفمبر عام 1981 أول التزام تعاهدي لتحقيق هذا الهدف عندما وقع القادة »الاتفاقية الاقتصادية الموحدة«.

ثم توالت الخطوات في اتجاه تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دول المجلس عندما قرر القادة في قمتهم الثالثة في المنامة في نوفمبر عام 1982 البدء في تطبيق ما وقّعوا عليه في الرياض على مراحل حيث تقرر البدء بتنفيذ المرحلة الأولى من »الاتفاقية الاقتصادية الموحدة« اعتباراً من مارس عام 1983.

ومنذ هذه الانطلاقة في عام 1983 وحتى عام 2001 تحركت مسيرة العمل الخليجي المشترك على المسار الاقتصادي ترسخ الأساس لانطلاقة جديدة أبعد أفقاً وأوسع مدىً سعياً من دول مجلس التعاون لان تكون مظلة مجلس التعاون عامل قوة لكل منها للتعامل كمجتمع واحد وسط التكتلات الاقتصادية العالمية.

ففي الدورة العشرين للقمة الخليجية »بالرياض« في نوفمبر عام 1999 قرر القادة اتخاذ خطوة أوسع والانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً وذلك لتطوير الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بما يتواكب مع ما شهدته العلاقات الاقتصادية بين دول المجلس على مدى السنوات الخمس عشرة السابقة، وما تتطلبه من ضرورة استكمال خطوات سعياً إلى التكامل الاقتصادي، وبما يستجيب للمتغيرات الاقتصادية العالمية.

وفي قمة »مسقط« عام 2001 وقع القادة »الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الجديدة« بعد التطوير من خلال لجان الخبراء، وحملت الاتفاقية الجديدة آفاقا جديدة وتطويراً جذريا للاتفاقية السابقة.

وكان من ابرز ما تضمنته الاتفاقية الجديدة هو ما يتعلق بالاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي، كما خصصت الاتفاقية الجديدة فصلاً عن التكامل الإنمائي بين دول المجلس وتنمية الموارد البشرية.. كما تضمنت الاتفاقية الجديدة أيضا فصلا عن التعاون في مجالات البحث العلمي والتقني، وعن النقل والاتصالات والبنية الأساسية.

والجدير بالملاحظة أن هذه الاتفاقية الجديدة تعتبر نقلة نوعية حيث نصت بوضوح على »التكامل الاقتصادي« بما يعني الانتقال من مرحلة التعاون والتنسيق السابقة إلى مرحلة أكثر تقدماً على طريق الوحدة الاقتصادية الخليجية فكما يسير العمل الخليجي السياسي المشترك متدرجا .

ومتعدد المراحل، فإن الانتقال إلى مرحلة »التكامل« تضع الأساس وتمهد الطريق إلى المرحلة التالية المرجوة وهي مرحلة »الاتحاد« وهي في ترجمتها الاقتصادية على الساحة الخليجية تعني »السوق الخليجية المشتركة« التي من المقرر انطلاقها قبل العام 2007 .

وعلى طريق استكمال قواعد هذه السوق الخليجية، سارت دول المجلس في اتجاه تحقيق ما يمكن تسميته بـ »المواطنة الخليجية« وهي الترجمة الواقعية لنتائج قيام السوق المشتركة.

وفي الطريق إلى إقامة هذه السوق نجحت تجربة »الاتحاد الجمركي« التي وضعت تعريفه جمركية موحدة في حدود 5.5% على السلع ذات المنشأ الخليجي العربي مع إعفاء السلع الأساسية.

وأكد الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بمجلس التعاون الخليجي نجاح هذه التجربة بقوله »إن جميع المؤشرات أثبتت نجاح هذه التجربة بصورة فاقت التوقعات رغم الصعوبات التي واجهت بداية التطبيق في العام 2003 .

والمقرر إتمام التطبيق في العام 2007 وحتى يجد هذا النجاح في هذه التجربة دليلة من الوقائع والأرقام نستعرض هنا ما وصل إليه حجم التجارة البينية في دول مجلس التعاون ونسبة النمو فيها نتيجة تطبيق اتفاقية الاتحاد الجمركي طبقاً لما أكده الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية.

فقد شهد العام 2003 وهو العام الأول لبدء سريان تطبيق هذه الاتفاقية ارتفاعا في حجم التبادل التجاري بين دول المجلس بلغت نسبته 19.5% حيث قفز حجم التجارة البينية الخليجية إلى 21.5 مليار دولار.

وهي أعلى قيمة لإجمالي حجم هذه التجارة منذ قيام المجلس في العام 1981 حيث بلغ معدل الزيادة في العام الأول للتطبيق أكثر من ثلاثة أضعاف معدل النمو السنوي في السنوات العشر السابقة على بدء التطبيق.

وتجدر الإشارة إلى أن حجم التجارة بين دول المجلس كان قد ارتفع من حوالي 11.1 مليار دولار عام 1993 إلى 18 مليار دولار عام 2002 وهي السنة السابقة على التطبيق بمعدل سنوي قدره 0.7% وكان قرار قمة مجلس التعاون الخليجي بإقامة الاتحاد الجمركي قد.

وفر أداة فاعلة للتعامل مع العولمة الاقتصادية والنظام التجاري العالمي الجديد الذي يمنح الحق فقط للتكتلات الاقتصادية الدولية في إعطاء امتيازات للتعرفة الجمركية .

فيما بينها لكن الأثر الأهم من نجاح هذه التجربة الذي أصبح واقعا على المسار الاقتصادي لمجلس التعاون هو فتح الطريق تلقائيا إلى السوق الخليجية المشتركة المقرر بدء قيامها في العام 2007.

وهذه السوق المشتركة المأمولة والتي بدت ملامحها في الأفق بعد نجاح تجربة الاتحاد الجمركي تعني في النهاية عدة دفعات كبرى للاقتصادات الخليجية ومواطني دول مجلس التعاون،.

حيث يسمح قيام السوق المشتركة بالانتقال الحر لهؤلاء المواطنين بين دول المجلس مستثمرين وعاملين دون إجراءات. كما تعني التحرك الحر لرؤوس الأموال الخليجية العربية للاستثمار في دول مجلس بتسهيلات ومزايا تشجيعية.

وتعني أيضا الاستثمار الحر في »جميع المجالات« الاقتصادية، فضلا عن حرية تملكا لعقارات لمواطني دول المجلس على امتداد أقطاره.ومعنى ذلك كله ببساطة أن يصبح مواطن أية دولة خليجية عربية متمتعا بنفس الحقوق الاقتصادية لشقيقه مواطن الدولة العربية الخليجية الأخرى.

وبشكل أكثر تحديداً ووضوحا فإن إقامة السوق الخليجية المشتركة تعني إزالة الأسوار الحدودية والحواجز الجمركية والإجراءات التقليدية أمام حركة شعوب المجلس في المجال الاقتصادي وعلى حين تطلع الجميع في نهاية العام 2004 بعد نجاح الاتحاد الجمركي إلى قيام السوق الخليجية المشتركة في غضون العامين المقبلين.

وعلى حين تطلع الجميع إلى القمة الخليجية الخامسة والعشرين في »المنامة« باعتبارها ستكون القمة الاقتصادية الأبرز على مسار القمم السابقة عليها لما حفل به جدول أعمالها من موضوعات اقتصادية عديدة من شأنها دفع مسيرة العمل الاقتصادي الخليجي قدما في اتجاه السوق الخليجية المشتركة التي تحقق بدورها »المواطنة الخليجية«.

إلا أن النتائج التي أسفرت عنها اجتماعات »قمة المنامة« لم تأت على قدر الطموحات أو التوقعات نتيجة للخلاف حول قيام مملكة البحرين بتوقيع اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية بما طرح العديد من التساؤلات .

وفجر المناقشات حول سلامة هذه الخطوة والتي رأت فيها المملكة العربية السعودية خروجا على ميثاق مجلس التعاون الذي يلزم جميع الأعضاء بالتعامل مع الدول والتكتلات الاقتصادية العالمية كتجمع اقتصادي واحد وليس كدول منفردة.

ونتج عن هذا التباين في وجهات النظر والمخاوف التي صاحبته من مخاطر الاختراق الأجنبي لهذا التجمع الخليجي الصاعد والذي من شأنه وضع العراقيل على طريق تمام وحدته وإثارة عوامل الفرقة بين دوله.

وبحكمة القادة رأت »قمة المنامة« إرجاء البت في موضوع الخلاف، لإيجاد مساحة للوصول إلى تفاهم هادئ بين البحرين من جهة وبين المجلس وكذلك للوصول إلى موقف مشترك عبر المشاورات، من المساعي الحالية لإبرام كل من دولة الإمارات وسلطنة عمان لاتفاقيات ثنائية بين كل منها والولايات المتحدة مماثل للاتفاقية البحرينية ــ الأميركية مما يلقي بظلاله على قوة الدفع المطلوبة لمطوحات التكامل الاقتصادي الخليجي بالسرعة والقوة المقررة.

ولأن الصلة وثيقة بين السياسة والاقتصادية والتأثير فيها متبادل. فإن الإرادة السياسية لقادة دول مجلس التعاون الخليجي التي كان لها الدور الأساسي في الوصول بالتعاون الاقتصادي الخليجي المشترك إلى ما وصل إليه بعد نجاح الإتحاد الجمركي .

وعلى أبواب السوق المشتركة هي القادرة في قمة أبوظبي على الوصول إلى حلول لكل ما هو مطروح من رؤى وتباينات. وصولاً إلى ما يتوقعه ويتطلع إليه الشعب الواحد في دول المجلس من انجازات وطموحات.

وبالحكمة والمشاورات الهادئة نأمل أن يتمكنوا في النهاية من تجاوز كل ما يعترض طريق الوحدة الاقتصادية الخليجية من عقبات أو اختراقات أو تحديات، ويوحد الرؤى حول كل المشروعات المطروحة على دول المجلس سواء كانت إقليمية أو دولية.

مستشار إعلامي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات