القطاع المالي العربي والتحديات الراهنة ـ بقلم: د. وسام جميل الامارة

الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 من المتطلبات الأساسية لتحقيق معدلات نمو مقبولة ومستمرة وضرورة وجود نظام مالي يعمل بقدرة على تعبئة وتخصيص الموارد المالية بكفاءة عالية لخدمة الأهداف الإنتاجية. والدول العربية كغيرها من الدول النامية تستهدف تحديث ونمو قطاعاتها المالية وذلك بهدف تقليل إحتمالات تعرضها للهزات المالية سواء في الداخل أو أن تكون تلك الهزات من الخارج، وذلك بمتابعة تنفيذ عدد من الخطوات الإصلاحية والتي ترتكز على زيادة الإعتماد على قوى السوق وتقوية الأطر الخاصة بالنواحي التشريعية والتنظيمية وتحسين وتقوية مقدرة تلك المؤسسات المالية على تعبئة المدخرات المالية وزيادة المنافسة بين هذه المؤسسات المالية. إن البيئة العالمية تجعل الدول العربية تواجه تحديات كبيرة فمنها ما هو مرتبط بشكل أساسي بالأسواق العالمية والتطورات التقنية السريعة والهزات التي تتعرض لها وهو ما يؤثر بشكل كبير في طبيعة وهيكل المؤسسات المصرفية. وفي الجانب الآخر فهناك من التحديات ما هو مرتبط بنفس البلدان العربية وأوضاعها المتضمنة حجم رأس المال المهاجر إلى الخارج ونسبته من الناتج المحلي الإجمالي التي هي تعتبر أكبر من نسبته في عدد آخر من التجمعات الإقليمية وبالمقابل هناك النسبة الضعيفة من إجمالي الإستثمار الأجنبي المتدفقة إلى الدول العربية. ويجب أن لا يغيب عن بالنا عند مناقشة التحديات التي يواجهها القطاع المالي في الدول العربية ما يتعلق بشحة الموارد خاصة الموارد النفطية والرغبة في إسناد دور للقطاع الخاص وتعبئة التمويل بإتجاه المشاريع الإستثمارية الكبيرة في مجالات الإتصالات والطاقة والتي تعتبر في هذا الوقت من المشاريع الحيوية التي تواكب عصر العولمة. وعلى هذا الأساس فتبقى الحاجة أساسية لتقوية وتطوير الأنظمة المالية والمصرفية العربية حتى تسير بإتجاه دعم التغييرات الهيكلية والإستجابة لتعظيم دور القطاع الخاص حتى يمكنه ذلك من التعايش مع ظروف الاقتصاد العالمي في مسيرته السريعة وفي هذا المجال يجب ملاحظة عدد من الأمور وكما يلي: ـ في مواجهة التحديات التي تواجه الدول العربية تبرز الإختلافات بين هذه الدول من حيث الموارد الطبيعية والهيكل الاقتصادي ومستوى التنمية. هذا بالإضافة إلى إختلاف هذه الدول من حيث النظم المالية فبينما نرى بأن البعض منها يتمتع بإنفتاح هذه النظم (دول مجلس التعاون الخليجي) والتي تكاد تنعدم فيها القيود على تدفق رأس المال الأجنبي وتركيب القطاع المصرفي من حيث الحجم والهيكل والقدرات الإدارية وتعاملها مع التقنيات الحديثة، وفي الجانب الآخر نرى بأن بقية الدول العربية ظلت أقل قدرة على الإنفتاح على العالم الخارجي وعلى تحرير القطاع المالي وبقيت المؤسسات المالية في الغالب هي مؤسسات تابعة للقطاع العام إضافة إلى أن الغالبية منها لم تتمكن من إقامة وتطوير أسواق للأوراق المالية. وعلى الرغم من أن بعض الدول خطت خطوات متقدمة في مجال خصخصة المؤسسات المالية، فما زالت عدد من هذه الدول وحتي الخليجية منها تسيطر على القطاع المالي عن طريق ملكيتها لحصص كبيرة في معظم هذه المؤسسات بحجة عدم الرغبة في تكرار حالات التعثر المالي للبعض منها في الفترات السابقة. إضافة إلى أن ملكية القطاع الخاص تتركز عادة في أيدي عدد قليل من الأسر والأفراد. إستوجب ذلك أن تقوم هذه المؤسسات الصغيرة الحجم بالسعي للإندماج فيما بينها في ضوء المنافسة الأجنبية المتزايدة في ظل العولمة إذ أن التشجيع على الإندماج يكون فيه قوة للنظام ككل كما يسهل على القطاع المصرفي فتح المجال الإقليمي أمام نشاطها وبالتالي فتح المجال أمام القطاع المصرفي في المجال الدولي. مع العلم بأن على هذه الدول السير بخطوات أسرع في مجال خصخصة المؤسسات المالية والحد من التدخل الحكومي بواسطة ما لها من الحصص الكبيرة في ملكية هذه المؤسسات وتكون بذلك قد ساعدت على تحفيز المنافسة وتحسين كفاءة رأس المال وزيادة حشد المدخرات المحلية. ـ في مجال أي سياسة لإصلاح القطاع المالي وبهدف جعل هذه السياسة فعالة وناجحة يجب أن تكون هذه السياسة جزءا من استراتيجية شاملة للتغيير الاقتصادي والاجتماعي في الإطار الاقتصادي الكلي للبلد. لقد برزت في الدول المتقدمة في الفترة الماضية وما زالت مستمرة تغييرات أساسية في هياكل القطاع المصرفي بسبب السياسات التي اتبعتها هذه الدول في التحرير المالي وتخفيف القيود على القطاع المصرفي مما ساعد على ظهور مؤسسات جديدة إضافة إلى التغيرات الكبيرة في التقنيات المستخدمة والتي أدت إلى تغييرات أساسية في هيكل التكاليف والتي تعتبر ضرورية في ظل التحديات والتغيرات الجديدة التي يشهدها العالم على مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية. لقد صاحب هذه التحديات والتغيرات تحرير للسلع ورؤوس الأموال والمنافسة والتي أصبحت بموجبها الإستثمارات الخاصة من أهم المحركات الرئيسية للإقتصاد العالمي. وبناء على ذلك أصبحت الإستثمارات الخاصة المباشرة تحظى بأهمية خاصة لدى العديد من الدول العربية التي أصبحت تسعى بشكل مستمر إلى جذب الإستثمار الخاص المباشر حيث أدت هذه الإستثمارات المباشرة إلى أن تقوم تلك الدول بتطوير وتعديل قوانينها وأنظمتها الإستثمارية إضافة إلى تبني سياسات اقتصادية ومالية جديدة كأساس لدعم الاقتصاد الوطني وحتى المضي في سياسة تعديل دور القطاع العام في برامج التنمية. إن توافر سياسات اقتصادية كلية سليمة بالإضافة إلى وجود بنية أساسية حكومية متطورة في الحقيقة يؤدي إلى حماية واستقرار النظام المالي حيث يلاحظ توافر خصائص معينة في هذه البنية وبالتالي فهي تهدف إلى: ـ توفير القوانين لتنظيم الأعمال لضمان حقوق الملكية إضافة إلى قواعد متينة لإبرام العقود. ـ وجود معايير محاسبية يتم تحديدها بدقة. ـ توفر نظام كامل الإستقلالية للتدقيق بهدف إقرار القوائم المالية. ـ توافر رقابة كافية على الأسواق غير المصرفية. ـ وجود نظام تتوفر فيه عناصر الأمان لعمليات المقاصة لتسوية المعاملات المالية. من الطبيعي أن يكون إصلاح القطاع المالي هو الأساس في برامج الإصلاح الاقتصادي بحيث يهدف إلى خلق أنظمة مالية ومصرفية سليمة وتنافسية من أجل تعزيز الإستقرار الاقتصادي والتعجيل في معدلات النمو الاقتصادي وتقوية تلك الاقتصادات لمواجهة أية تغيرات أو تحديات خارجية. إن غالبية الدول العربية في الحقيقة تقوم بتطبيق برامج شاملة للإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي وذلك كرد فعل واستجابة للتغيرات الخارجية السريعة وتزايد متطلبات النمو المحلي وذلك بإتباعها سياسات اقتصادية من ضمن أولوياتها إفساح المجال لقوى السوق وتشجيع القطاع الخاص ليكون له دورا أكبر في الاقتصاد الوطني بحيث تسمح هذه السياسات بإندماج الاقتصادات العربية بالإقتصادات العالمية. إن قراءة سريعة لإجراءات إصلاح القطاع المالي والمصرفي والتي تم تنفيذها في عدد من الدول العربية نجد بأنها بصفة عامة جاءت لتستهدف إيجاد نظام مالي يستند إلى عوامل وآليات السوق وقادر على الوفاء بمتطلبات اقتصاد يكون أكثر توجها وتحررا نحو القطاع الخاص. لقد إشتملت تلك الإصلاحات على تحرير سعر الفائدة، وإزالة تدريجية للقيود على تخصيص الإئتمان، إعتماد آليات وعوامل السوق لتمويل العجز في الميزانية الحكومية، وإشتملت أيضا على إعادة هيكلة محافظ البنوك وتعزيز الأطر القانونية والتنظيمية التي تشرف على أنشطة القطاع المالي والمصرفي وتمارس الرقابة عليه والإرتقاء بالرقابة المصرفية بما يتماشى مع المعايير الدولية وإزالة أو تقليص قيود الدخول إلى هذا القطاع أمام المؤسسات المالية المحلية والأجنبية، وكذلك تقليص ملكية الحكومة في المؤسسات المالية. إن ذلك يؤكد على تشجيع هذه الدول تحقيق المزيد من الإصلاحات التي تهدف إلى تحقيق الإستقرار الاقتصادي الكلي مما دفع دولا عربية أخرى على القيام بإصلاحات جديدة والتوسع في مجال الإصلاحات القائمة بناء على دفع وتشجيع المؤسسات الدولية والظروف الاقتصادية العالمية. ولكن على الرغم من تحقيق هذه الدول منجزات عديدة في مجال الإصلاحات فقد واجهتها العديد من المعوقات الهامة والتي لا تزال تعوق تطوير أنظمة مالية سليمة في هذه الدول تستند على عوامل وآليات السوق ومنها غياب التنافس الذي يكون سائدا في القطاع المالي والمصرفي والذي يرجع إلى تركز هذه المؤسسات المالية وطبيعة هيكل الملكية إضافة إلى عوامل أخرى. وبشكل عام فإن إصلاح القطاع المالي والمصرفي في كافة برامج الإصلاح الاقتصادي الكلي يشكل الجوهر في تلك البرامج والتي تهدف إلى خلق أنظمة مالية ومصرفية سليمة وتنافسية من أجل تعزيز إستقرار الاقتصاد الكلي والإسراع في النمو الاقتصادي وتعزيز تلك الإقتصادات لمواجهة التحديات الخارجية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات