دول التعاون وتحديات أزمة المياه

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 تعتبر التحديات التي تواجهها دول المنطقة في مجال المياه من اهم التحديات الاقتصادية، بل واحد المحددات الرئيسية التي لابد ان تفرض نفسها بقوة عند صياغة اية رؤية لاستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطرح ضرورة اعادة النظر في منهجية احتساب تكلفة تلبية الطلب على المياه ، وضرورة احتساب التكلفة الحقيقية لاستنزاف المخزون الجوفي منه، باعتباره احد الموارد المحدودة المعرضة للنضوب والتلوث، والتي لا توليها نظم الحسابات القومية في مجمل المنطقة الاهتمام اللازم. التقارير الدولية والمنتديات والمؤتمرات العالمية بدأت ترسم صورا قاتمة ومتشائمة بالنسبة لمستقبل العالم ان استمرت الاتجاهات والمؤشرات الحالية تفرض نفسها على الواقع المعاش ولم تجد صيحات المعالجة والتصحيح صداها وحظها من التنفيذ الجاد. فآخر التقارير والتي صدرت من المؤشر العالمي للمياه في باريس في مارس العام الماضي يشير الى ان حوالي ربع سكان العامل ما زال غير قادر على الحصول على مياه نظيفة ونصف سكان العامل غير موصلين بشبكات مياه صرف صحي وان ما يتراوح ما بين 5 الى 10 مليون من البشر يموتون سنويا بسبب امراض مرتبطة بالمياه. وتشير اخر الدراسات التي اعدها Population Action Internaional تحت تسمية «استدامة المياه» تخفيف الندرة Sustaininfg Water, Easing Scarcity ان من جملة سكان العالم الذي سيصل الى 9.4 مليارات بحلول عام 2050 فان حوالي 2.3 مليار من هؤلاء السكان في 15 بلد سيقعون تحت وطأة ما يعرف بالاجهاد المائي وحوالي 1.7 مليارات اخرين في 39 بلدا سيقعون تحت ما يعرف بندرة المياه ويندرج ضمنهم بالطبع العالم العربي. طبعا سترتفع هذه الارقام اذا اخذ ما في الاعتبار التوقعات المرتفعة لنمو الاسكان. هذا الواقع والمؤشرات بدأ التنبأ بها ولفت الانتباه اليها منذ عقود وعلى المستوى العالمي كان مؤتمر الامم المتحدة للبيئة والذي عقد في ستوكهولم في عام 1972 اول من لفت الانتباه الى مشاكل المياه ثم جاء عقد اول مؤتمر عالمي كبير يهتم بمصادر المياه في مار دل بلاتا في الارجنتين عام 1977، ومنه تمت الدعوة ليكون عقد الثمانينات عقدا للمياه وفعلا تم تحقيق بعض التقدم حيث تم نتيجة الجهد الذي بذل في تلك الفترة توصيل 1.3 مليارات بمياه نظيفة و 750 مليون بشبكات صرف صحية. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، هناك ثلاث عناصر وبعبارة اخرى اشكالات تؤطر لمشكلة المياه بشكل عام. فالاشكالية الاولى يفرضها الموقع الجغرافي وطبيعة المناخ الجاف السائد وما نجم عنهما شح في مصادر المياه الطبيعية المتجددة. وتظهر التقديرات والدراسات ان نصيب الفرد السنوي من هذه المياه في تناقص مستمر بسبب الزيادة السكانية حيث بلغ في عام 1999 حوالي 19 مترا مكعبا وسيصل عام 2025 الى حوالي 129 مترا مكعبا وهو يقل بكثير عن مستوى الندرة واذا ما قورن بالمتوسط العالمي الذي يقدر الان بحوالي 7500 متر مكعب فهو لا يتجاوز 2،5% من هذا المستوى. اما الاشكالية الثانية فتتمثل في تكلفة المصدر البديل . فعلى سبيل المثال تقدر تكلفة انتاج المياه عن طريق التحلية في البحرين بحوالي 230 فلسا للمتر المكعب مع احتساب سعر مخفض للوقود «الغاز الطبيعي» يبلغ 25 سنتا للمليون وحدة حرارية بريطانية MBTU حسب احدث التقارير المالية الصادرة. هذه التكلفة لا تشمل تكلفة نقل وتوزيع المياه والتي تقدر الآن بحوالي 140 فلسا للمتر المكعب. وللتدليل على مدى ضخامة الاستثمارات المطلوبة مستقبلا فان برنامج تطوير مرافق المياه للعشر السنوات والتي تمتد من 1997 - 2007 والتي تشمل بناء محطة الحد ومرافق نقل وتوزيع المياه واحتياجات التشغيل والصيانة سيتطلب صرف ما يزيد على 850 مليون دينار بحريني. ان التحليل المالي لهذه المصروفات سيتطلب الاخذ بمفهوم التكلفة الهامشية (Marginal Cost) لتزويد متر مكعب من المياه والتي يتوقع ان تتصاعد تدريجيا الى ان تصل مع اكتمال تنفيذ محطة الحد الجديدة في عام 2006 الى حوالي دينار للمتر المكعب. طبعا سترتفع التكلفة عن هذا المستوى اذا ما اعتمد سعر السوق للوقود. ام الاشكالية الثالثة فتتمثل في نمط الاستهلاك. فالانطباع العام الذي يتكون لكيفية استغلالنا لهذا المصدر يوحي باننا لم نستشعر بعد بمحدودية هذا المصدر. وبدأ يبرز هذا الخلل في بداية الخمسينات حتى استفحل في وقتنا الحاضر حيث وصل الى 251 مليون متر مكعب «رقم تقديري حسب الزيادة السنوية السائدة» وهو ما يبلغ 224% من مستوى التجديد. ان التطورات الايجابية التي ستبرز خلال الاعوام القادمة نتيجة للبرامج الكبيرة والطموحة التي اعتمدتها دول المجلس يجب ان لا تنسينا باننا امام تحديات كبيرة تتمثل في امكانية وقدرة المؤسسات العاملة في مجال المياه على المحافظة على هذه المكاسب وتعزيزها وكذلك توفر القدرات المادية لدى هذه المؤسسات لتنمية المصادر البديلة لتواكب المتطلبات المتزايدة بسبب النمو السكاني والتنمية الاقتصادية. واولى هذه التحديات هي الحاجة لتحقيق ما يعرف بالادارة المستدامة للمياه والتي تستوجب ان تظل استخدامات المياه ضمن المعادلة التي تبقى نسبة كمية الاستخدام الى كمية المياه المتجددة اقل من 100%، وذلك بان تلبي بعض المتطلبات الحالية ضمن اولويات اجتماعية واقتصادية الا انها تحافظ على المصدر للاجيال القادمة. كما ان هناك ضرورة لاجراء مراجعة جادة لاستخدامات المياه في القطاع الزراعي على ان تكون ضمن هذه المراجعة تقييم الدور الاقتصادي الذي يؤديه هذا القطاع والتكلفة الباهظة التي تتحملها الحكومات من خلال الاستهلاك الكبير لهذا القطاع من المياه الجوفية على ان يقترن ذلك مع تسريع وتطوير للاصلاحات التي بدأ العمل بها مثل تغيير المحصول الزراعي حيث يأتي في مقدمتها التوقف عن زراعة البرسيم والتوسع بادخال انظمة الري الحديثة الاكثر كفاءة على ان تكون هذه مقدمة لاجراءات تتخذ في المستقبل وحال الانتهاء من المرحلة الثانية من مشروع المياه المعالجة لحصر استخدامات القطاع الزراعي على هذا المصدر. ونظرا لكون مصدر المياه الطبيعي هو مصدر مشترك بين دول المنطقة فان الاستغلال الامثل لهذا المصدر يحتم زيادة التنسيق والتعاون لادارة هذا المصدر على المستوى الاقليمي مع دول المنطقة ، فوضع منهجية موحدة على المستوى المحلي للاستفادة من المصدر لا يغني عن تعاون اقليمي. وتمثل التكلفة المرتفعة لتطوير مرافق المياه بما فيها تنمية مصادر بديلة وخاصة المياه المحلاة احد اكبر التحديات التي تواجهنا خاصة في ظل النمو المتواصل في الطلب. هذا الوضع يحتم علينا مراجعة جادة لكيفية تغطية هذه التكاليف الكبيرة لضمان استمرارية تزويد المياه بالكمية والنوعية المقبولة فالفارق بين تكلفة تزويد المياه ومتوسط تكلفة تزويد المياه. كما ان هناك حاجة لرفع كفاءة الاستخدام داخل المنازل حيث ان المتوسط العام للاستهلاك اليومي للفرد ما زال مرتفعا. هذا وان كان دور التعرف رئيسيا في تحقيق ذلك الا انه يجب ان يدعم ببرامج فنية وتشريعات تساعد على تحقيق ذلك. بقلم: حسن العالي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات