في تقريره حول مؤشرات التنمية العالمية 2003: البنك الدولي يؤكد عمق الفجوة بين الحياة في البلدان الغنية والفقيرة

الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 أكد تقرير جديد أصدره البنك الدولي، بمناسبة انعقاد اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، انه مازال من الممكن تخفيض أعداد الفقراء في العالم الى النصف بحلول عام 2015 اذا قامت البلدان الغنية بتخفيض العوائق والقيود التي تفرضها على التجارة وزيادة المعونات الاجنبية، واذا قامت البلدان الفقيرة بزيادة الاستثمار في صحة وتعليم مواطنيها. ويقول تقرير «مؤشرات التنمية العالمية 2003» انه اذا ظل نمو الاقتصاد في مختلف مناطق وبلدان العالم ماضيا في سبيله دون أزمات، فان معدلات الفقر العالمية ستنخفض في عام 2015 الى أقل من نصف مستواها في عام 1990، مما يؤدي الى انتشال حوالي 360 مليون شخص من براثن الفقر. إلا ان القوة الدافعة التي وراء هذا التقدم ـ وهي النمو السريع في آسيا وتحسن اقتصاد أوروبا الشرقية ـ لن تفعل شيئا يذكر لتخفيض الفقر الساحق في افريقيا، حيث من المحتمل ازدياد عدد الفقراء في هذه المنطقة من 315 مليون شخص في عام 1999 الى 404 ملايين شخص في عام 2015، كما ان أعداد الفقراء آخذة في الازدياد في منطقة الشرق الأوسط. ويقوم هذا التقرير الجديد ـ وهو مجموعة كبيرة تفصيلية من البيانات من هيئات الاحصاء الدولية والقومية ـ بتتبع مدى التقدم الذي تحرزه البلدان الفقيرة نحو تحقيق الأهداف الانمائية الموضوعة للألفية الجديدة. وتهدف هذه الأهداف التي اتفق عليها المجتمع الدولي في عام 2000 الى تخفيض فقر الدخل بحلول عام 2015 وحفز التحسين الكبير في التعليم والمساواة بين الجنسين والرعاية الصحية والتغلب على الجوع وتدهور البيئة. ويوضح نيكولاس سترن رئيس الخبراء الاقتصاديين ونائب رئيس البنك الدولي لشئون اقتصاديات التنمية، ان العديد من البلدان النامية حقق مزيدا من التقدم في السنوات الأخيرة في زيادة سرعة النمو وتحسين ادارة اقتصادها. غير ان النمو لوحده ليس كافيا لتخفيض نسبة الفقراء الى النصف بحلول عام 2015. بل ينبغي على البلدان النامية ضمان ان لكافة الناس، ولاسيما الفقراء، القدرة على الحصول على خدمات التعليم والرعاية الصحية، كما عليها ان تقوم بتهيئة المناخ المناسب للاستثمارات من اجل خلق الفرص وحفز الانتاجية وتحقيق تحسن حقيقي في حياة الناس. غير انه لا يمكنها فعل هذا إلا اذا قامت البلدان الغنية بتخفيض المعيقات والقيود التي تفرضها على التجارة والتي تحد من قدرة البلدان الفقيرة على التصدير وتحقيق نمو اقتصاداتها. معرباً عن أمله في ان تفي البلدان الغنية بالالتزامات التي أخذتها على عاتقها وان تتخذ الاجراءات اللازمة بشأن التجارة، ولاسيما فيما يتعلق بالزراعة، في اجتماع منظمة التجارة العالمية المقبل في كانكون». ويشير هذا التقرير الجديد الصادر عن البنك الدولي الى فروق مثيرة للذعر بين نوعية الحياة في البلدان الغنية ونوعيتها في البلدان الفقيرة، فبينما يموت في البلدان الغنية سبعة من كل 1000 مولود قبل بلوغ سن الخامسة من العمر، نجد ان هذا العدد يرتفع الى 121 من كل 1000 مولود في أشد البلدان فقرا، وبينما تسفر ولادة 14 من كل 100 ألف مولود حي عن وفاة الأم في البلدان الغنية، فان هذه النسبة قد ترتفع الى 1000 وفاة أمهات لكل 100 ألف مولود حي في بعض البلدان الفقيرة. وبينما حققت البلدان الفقيرة هدف تعليم كافة الفتيات في المرحلة الابتدائية، فان ما تحقق من تقدم في بعض بلدان جنوب آسيا متأخر كثيرا، حيث ان نسبة الفتيات اللائي يكملن مرحلة التعليم الابتدائي لا تزيد على 61%. ويبين التقرير ان تسعينيات القرن الماضي شهدت تقدما سريعا في تخفيض عدد من يعيشون على أقل من دولار أميركي واحد في اليوم في كافة مناطق العالم، حيث انخفضت أعدادهم من 1.3 مليار شخص في عام 1990 الى 1.16 مليار شخص في عام 1999. غير ان معظم هذا التحسن حدث في الصين والهند. كما ان عدد الفقراء ازداد في منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى من 6 ملايين الى 24 مليون شخص، كما ازداد من 48 مليوناً الى 57 مليون شخص في منطقة أميركا اللاتينية، ومن 5 ملايين الى 6 ملايين شخص في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ومن 241 مليوناً الى 315 مليون شخص في أفريقيا. ويقول التقرير مستشرفا عام 2015 انه اذا استمرت معدلات نمو الاقتصاد فان عدد الناس الذين يعيشون في فقر مدقع من المرجح ان ينخفض في كافة مناطق العالم، ما عدا منطقة أفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويقول التقرير انه اذا قامت البلدان الغنية بتخفيض الحواجز التي تقيمها امام التجارة، فان ذلك يمكن ان يزيد نمو اقتصاد البلدان النامية بنسبة 0.5% على الأمد الطويل ـ مما يسفر عن انتشال 300 مليون شخص آخرين من براثن الفقر بحلول عام 2015. ويوضح سترن انه يمكن للتجارة ان تحفز التنمية عن طريق توسيع أسواق صادرات البلدان النامية، فالبلدان الفقيرة تواجه حواجز ضخمة تضعها البلدان الغنية أمام منتجات البلدان النامية التي هي أفضل ما يعتبر ميزة نسبية لهذه البلدان ـ أي السلع الزراعية والمنسوجات». ويضيف ان البلدان النامية تكسب الكثير بتخفيض ما تضعه من حواجز معيقة امام التجارة. فالبلدان التي زادت تكاملها مع نظام التجارة العالمية شهدت ازدياد معدلات نمو اقتصاداتها. وفي السنوات العشر الماضية، حققت البلدان التي زادت من تجارتها معدلات نمو أعلى بثلاثة أمثال من المعدلات التي حققتها البلدان التي لم تزد من تجارتها. وفي عام 2001، بلغ معدل نمو التجارة العالمية 1.2% مقارنة بنسبة 8% في الفترة 1990 ـ 2000، وشهدت البلدان المرتفعة الدخل، والتي تمثل تجاراتها 75% من التجارة العالمية (الصادرات مضافا اليها الواردات)، أكبر تباطؤ في نمو تجارتها حيث لم تنم إلا بنسبة 0.3% في عام 2001. غير ان تجارة البلدان المنخفضة الدخل ازدادت بنسبة 6.4%، أي حوالي مثلي المتوسط الذي تحقق في الفترة 1990 ـ 2000. ومع ان تجارة الخدمات نمت بسرعة، فان تجارة السلع ـ السلع الأولية وسلع الصناعات التحويلية ـ مازالت هي المهيمنة. فقد شهدت البلدان التي تصدر السلع الأولية خلاف الوقود ازدياد نمو حجم تجارتها، ولكن مع هبوط في معدلات تبادلها التجاري ادى الى تخفيض دخلها. كما ان منطقة افريقيا جنوب الصحراء كانت الأشد معاناة من بين مناطق العالم. ومع ان التجارة يمكن ان تحسن آفاق بلدان العالم النامية، فان المعونات الاجنبية مهمة ايضا في اتاحة الموارد التي تحتاجها البلدان الفقيرة للاستثمار في شعوبها. وفي السنة الماضية، ظهرت بعض العلامات الواعدة الحافلة بتباشير الخير على ان البلدان الغنية تفي بالتزاماتها في زيادة المعونات الاجنبية. وحث سترن البلدان الغنية على مواصلة ذلك مؤكداً ان الاتفاقات والالتزامات وحدها لن تحقق الاهداف الانمائية الموضوعة للألفية الجديدة. بل هناك حاجة الى المزيد من العمل والاجراءات وأيضاً من الموارد. فالوفاء بتكلفة تحقيق هذه الأهداف من المرجح ان يتطلب مبلغا اضافيا قدره 50 مليار دولار أميركي سنويا من البلدان الغنية، اضافة الى الموارد من البلدان النامية نفسها. وتعمل البلدان النامية على تحسين سياساتها وانظمة الادارة العامة فيها، كما ان البلدان الغنية تقوم بتحسين تخصيص وتوزيع المعونات. ونتج عن هذا ان أصبحت المعونات أكثر انتاجية». الاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم مع ان التجارة تمكن البلدان الفقيرة من زيادة صادراتها والخروج من براثن الفقر، فان قوة خدمات الرعاية الصحية والتعليم هي التي تعطي الناس ما يحتاجونه من أدوات للاستفادة من الفرص السانحة في السوق العالمية. والواقع ان تشجيع الإلمام بالقراءة والكتابة وتعزيز الصحة والتغذية غالبا ما يعتبران أكثر الاجراءات أهمية حاسمة بالنسبة لأشد الناس فقراً، وهما ما يعتبره هؤلاء الأكثر قيمة بالنسبة لهم. إلا ان الانفاق الحكومي في هذين المجالين مازال منخفضا في العديد من البلدان. فقد بلغ في عام 2000 متوسط الانفاق العام على قطاع الصحة في البلدان المنخفضة الدخل 1% من اجمالي الناتج المحلي، مقارنة بنسبة 6% من اجمالي الناتج المحلي في البلدان المرتفعة الدخل. ويقول ايرك سوانسون مدير برنامج المجموعة المعنية ببيانات التنمية، انه مع تقدم عمر البلدان الغنية وانكماش عدد العاملين من بين سكانها، تسنح الفرصة للبلدان الفقيرة لخلق الوظائف وزيادة انتاجية قواها العاملة المتزايدة اذا استثمرت في صحة وتعليم وتغذية شعوبها. غير ان أشد البلدان فقرا تحتاج للمساعدة في زيادة قدرات وفعالية انظمتها الصحية والتعليمية. الانفاق على قطاع الصحة خلص هذا التقرير الى ان مجموعة الانفاق (العام والخاص) على الصحة في عام 2000 في البلدان الغنية بلغ 10% من اجمالي الناتج المحلي، غير ان البلدان المنخفضة الدخل بالكاد انفقت 4% من اجمالي الناتج المحلي. وهذا ما لم يغط كثيرا، فقد انفقت البلدان الغنية 2700 دولار أميركي بنسبة الفرد على الرعاية الصحية بينما لم تنفق بلدان افريقيا سوى 29 دولاراً أميركيا بنسبة الفرد، كما ان بعضها لم يزد انفاقها على الرعاية الصحية بنسبة الفرد عن 6 دولارات أميركية، بلغ مجموع انفاق الولايات المتحدة على الرعاية الصحية 1.3 تريليون دولار أميركي أو 13% من اجمالي الناتج المحلي وهذا ما يمثل 43% من مجموع الانفاق العالمي على الرعاية الصحية. اما مجموع انفاق البلدان المنخفضة الدخل على الرعاية الصحية فلم يبلغ سوى 45 مليار دولار أميركي. في نفس الوقت، يشكل الانفاق الخاص على الرعاية الصحية نسبة من مجموع الانفاق على هذه الرعاية أكبر في البلدان الفقيرة مما في البلدان الغنية، ففي البلدان الفقيرة، كانت نسبة 73% من الانفاق على الرعاية الصحية من مصادر قطاع خاص، بينما كانت هذه النسبة في البلدان الغنية 38%، أما الولايات المتحدة فهي بلد غير عادي بين البلدان الغنية ـ فقد كانت نسبة 56% من الانفاق على الرعاية الصحية من القطاع الخاص، بينما بلغت نسبة انفاق القطاع الخاص على الرعاية الصحية في الاتحاد الأوروبي 25%. الانفاق على التعليم مع ان الانفاق على الرعاية الصحية شديد الانخفاض في البلدان الفقيرة، فان انفاقها على التعليم لا يذكر مقارنة بانفاق البلدان الغنية عليه. ومع ان الانفاق العام العالمي على التعليم بلغ 1.54 تريليون دولار أميركي في السنة، فان نسبة 85% من هذا الانفاق هي في البلدان الغنية. وبلغ متوسط نصيب الفرد من انفاق البلدان الغنية على التعليم 28 ضعف نصيب الفرد من الانفاق على التعليم في البلدان النامية. وكانت نسبة الانفاق العام على التعليم من اجمالي الناتج المحلي في البلدان المرتفعة الدخل أعلى نوعا ما (5.3%) مما في البلدان النامية (4.1%)، غير ان الفرق الكبير في مجموع الانفاق ناجم عن الموارد ـ اجمالي الناتج المحلي ـ المتوفرة لهذه البلدان. إلا ان البلدان المنخفضة الدخل تنفق نسبة أكبر من موازنات التعليم العام فيها على التعليم الابتدائي. وتتزامن هذه النواقص في الانفاق على الرعاية الصحية وعلى التعليم في وقت يقدر فيه الانفاق العسكري العالمي في عام 2001 بحوالي 2.3% من الدخل العالمي أو أكثر من 800 مليار دولار في السنة. ومن حيث القيمة، يبلغ نصيب الفرد من الانفاق العسكري في العالم 137 دولاراً أميركياً، وتستند هذه التقديرات الى موازنات الدفاع المعتمدة ومن المرجح ان تزداد حين يؤخذ في الاعتبار الانفاق الاضافي الناجم عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية والحرب على الارهاب التي أعقبت تلك الهجمات. مناخ الاستثمار كما يشير هذا التقرير الصادر عن البنك الدولي الى ضرورة قيام البلدان بتهيئة مناخ الاستثمار السليم الذي يمكنه تشجيع خلق فرص العمل وحفز نمو الاقتصاد. ومن بين الامور الضرورية جودة إدارة الاقتصاد الكلي، واعتماد سياسات تجارة واستثمار تشجع الانفتاح، وجودة نوعية البنية الاساسية وخدماتها. كما هناك حاجة الى بيئة ملائمة لانشطة الاعمال التجارية ـ مستندة الى نظام قوانين ولوائح تنظيمية يساند العمل اليومي للشركات عن طريق حماية حقوق الملكية الفكرية، وتشجيع القدرة على الحصول على الائتمان، وضمان كفاءة الجهات التي تقدم خدمات الضرائب والجمارك والخدمات القضائية. وتعتبر اللوائح التي تنظم دخول شركات جديدة الى السوق من بين ما يحدد بيئة انشطة الاعمال التجارية في البلد المعني، فالبلدان تختلف كثيرا من حيث العقبات التي تضعها امام دخول شركات ومؤسسات جديدة الى السوق. ففي موزامبيق، على سبيل المثال، يجب على أصحاب العمل الحر الراغبين في الشروع في اقامة شركة أعمال تجارية اتمام 16 اجراء، وهذه عملية تستغرق مدة متوسطها 214 يوماً من أيام الدوام وتكلف ما يعادل 74% من نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي. وفي ايطاليا، ينبغي على أصحاب العمل الحر اتمام 13 اجراء والانتظار مدة يبلغ متوسطها 62 يوما، ودفع ما يعادل 23% من نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي. غير ان كندا لا تشترط سوى اجراءين ولا تستغرق العملية سوى يومين وتكلفتها حوالي 1% من نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي. ويقول سترن ان مبرر تهيئة مناخ الاستثمار الجيد بسيط ويحتاج الاقتصاد الى بيئة واضحة ومعلومة الاحتمالات يقوم فيها الناس والافكار والمال بالعمل معا بصورة منتجة وبكفاءة. تعاني الشركات الصغيرة والمزارع الصغيرة أكثر من غيرها نتيجة ضعف مناخ الاستثمار. وينبغي على البلدان التركيز على تحسين بيئة الاعمال من اجل أصحاب العمل الحر فيها لان نسبة 90% من الاستثمارات تأتي من مصادر محلية. كما من شأن تحسين بيئة الاستثمار اجتذاب المستثمرين الاجانب. علماً بأن البلدان التي تتلقى المزيد من الاستثمار الاجنبي ـ وهو قناة مهمة لنقل التكنولوجيا الجديدة والخبرة الادارية والقدرة على الوصول الى الاسواق ـ تنعم بمعدلات نمو أكثر سرعة مع ازدياد انخفاض الفقر فيها. كتب مصطفى عبدالعظيم:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات