رواتب وأجور أم مساعدات اجتماعية للموظفين بالدولة؟، بقلم: نجيب عبدالله الشامسي

الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 اذا كان الأجر او الراتب الذي يتقاضاه الموظف هو مقابل جهد ذهني وجسمي وثمنا للوقت الذي قضاه هذا الموظف لانتاج سلعة ما او خدمة ما للمجتمع، فماذا نفسر تلك المبالغ الشهرية، التي يتقاضاها بعض العاملين في وزاراتنا ومؤسساتنا دون مقابل او دون انتاجية حقيقية تنعكس على الفرد والمجتمع بشكل ايجابي؟!! وما الفرق بين تلك الاجور والرواتب التي يحصل عليها هذا (البعض) والمساعدات الاجتماعية التي تدفعها الدولة لذوي الاحتياجات الخاصة كالمعاقين والمسنين وغيرهم؟!!كيف نقيم اوضاعنا الادارية والوظيفية في وزاراتنا ومؤسساتنا فيما نشاهد تكدسا من الموظفين الحكوميين يقضون معظم اوقاتهم في قراءة الصحف والمجلات او الحديث عن التسالي وموضوعات بعيدة كل البعد عن مجال العمل؟! كيف نعلل دوافع بعض الموظفات اللائي يقضين وقتهن في قراءة مجلات الطبخ والمكياج وصرعات الموضة او قراءة الفنجان لهن ولزملائهن من الموظفين؟!! كيف نفسر قضاء بعض الموظفين اوقاتهم في التسلية مع بعضهم البعض او الانشغال بالهواتف او القيام بأعمالهم الخاصة او استخدام الحاسبات الآلية في التسلية والتخاطب مع اصدقائهم؟! كيف نعلل تحول مكاتب بعض الموظفين الى مطاعم وكافتريات وحلقات ومجالس للنكات والاحاديث الشخصية وتناول آخر موديلات السيارات والهواتف المحمولة؟!! وهل سوف نشاهد عما قريب مشاهد جديدة كتقطيع البصل والثوم واعداد الطبخ والاعمال المنزلية مثل تلك الصور التي نشاهدها في افلام عربية نشاهدها في السينما او التلفزيون؟!! لماذا لا نبحث او يبحث القياديون في الوزارات والمؤسسات عن اسباب ذلك؟! لماذا لا تقوم الاجهزة المعنية كمجلس الخدمة بدراسة اسباب هذه الظاهرة على الرغم من انها تعكس صورة سيئة عن بيئتنا الادارية والوظيفية؟! هل تعزى تلك الظاهرة الى غياب معايير دقيقة وموضوعية للادارة او واقع العمل الوظيفي في وزاراتنا ومؤسساتنا؟! هل يعود ذلك الى حالات اليأس والاحباط التي تعاني منها شريحة من موظفي الدولة بسبب عدم حصولهم على حقوقهم الوظيفية مادية كانت ام معنوية في ظل قناعتهم الاكيدة في تلك الحقوق؟! ام انه خلل كبير في التقييم ومحسوبية واضحة تتفشى في مؤسساتنا؟! ألا تعود تلك الظاهرة الى خلل حقيقي في الهيكل الوظيفي والاداري في جهازنا الحكومي؟! ان تلك التساؤلات تعكس حقيقة الوضع الوظيفي والاداري وتؤكد ان هناك ظواهر سلبية بدأت تبرز كافراز لظاهرة البطالة التي يعاني منها جهازنا الوظيفي والاداري، ثم الى خلل كبير وواضح في معايير التقييم والاداء الوظيفي حيث غابت المعايير الموضوعية وتفشت المحسوبية والواسطة في التعيين والتوظيف او الترقي، ثم عشوائية التوظيف واختيار العاملين من الكفاءات والقدرات البشرية وأيا كانت الاسباب المؤدية الى ذلك فإننا امام مواجهة صريحة لظواهر سلبية لم يكن يعرفها المجتمع الاداري وبالتالي الاقتصادي ومما يؤكد ذلك ضعف الانتاجية وتزايد الاعباء المالية على موازنة الدولة، ثم ضغوط نفسية واجتماعية يعاني منها موظفو الدولة. ان البطالة المقنعة في وزاراتنا ومؤسساتنا والاختلالات في الهيكل الاداري والوظيفي سوف يؤدي كل ذلك الى تراجع مستوى الانتاجية وتفشي ظواهر سلبية كالاتكالية واللامبالاة وبروز ظواهر سلبية اخرى كالبيروقراطية والروتين، وتعطيل مصالح الناس وباقي المؤسسات في المجتمع عامة والمجتمع الاقتصادي والتجاري خاصة. واذا كان جلُّ اهتمام المسئولين في وزاراتنا ومؤسساتنا ينصب على الالتزام بدخول الموظفين في بداية اليوم وعند ساعة معينة وخروجهم عند ساعة معينة فإن ذلك يشكل خللا كبيرا في الادارة وسوءا واضحا بفهم الادارة عند شريحة من المسئولين واذا كانت الاجور والرواتب تستأثر بالنسبة العظمى من موازنة الدولة وربما تصل الى 90% فإن ذلك يعني ان الدولة تدفع هذه الاجور والرواتب كل شهر دون مقابل حقيقي او انتاجية فعلية اي ان تلك الرواتب لا تختلف عن كونها مساعدات واعانات اجتماعية. واذا كان هذا هو حال الوضع الوظيفي والاداري في جهازنا الحكومي فكيف يمكننا ان نرى مستقبل هذا الوضع خلال السنوات المقبلة حينما تشهد سوق القوى العاملة في الامارات تدفقا في اعداد الخريجين الاماراتيين في ظل تراجع الايرادات المالية وتزايد حجم العجز في الموازنة الحكومية الاتحادية؟! وهل تصبح الدولة قادرة على توفير اعتمادات مالية لتغطية رواتب وأجور موظفين جدد سوف يبحثون عن فرص عمل لهم وسوف يطرقون أبواب الوزارات والمؤسسات العاملة في الامارات خلال السنوات المقبلة؟!! واذا كان هذا من جانب الدولة وموازناتها والتزاماتها فكيف هو حال الموظفين المواطنين العاملين في مؤسساتنا ووزاراتنا الذين اصبحوا مع مرور الوقت يشعرون بخيبة امل فعلية، بعد ان صدموا بجهازهم الاداري والوظيفي الذي غيب طموحهم في احداث تغيير ايجابي في هذه الوزارات والمؤسسات وبعد ان شعروا بأنه لا جدوى في ترجمة افكارهم وآرائهم وما تعلموه في الجامعات الى واقع حقيقي يخدم العمل الاداري والانتاجي في الدولة وبعد ان اصبحوا مكتوفي الايدي، وتراجع مستوى تفكيرهم بسبب ضعف التدريب والتأهيل وغياب الحوافز المادية والمعنوية. ومن الطبيعي وفي ظل هذه الوضعية ان تتفشى ظواهر سلبية في جهازنا الوظيفي كالفساد الاداري والمالي كالرشوة وسرقة المال العام والتجاوزات الادارية كالمحسوبية والاهمال والاتكالية، ومن الطبيعي ان تصبح رواتب وأجور الموظفين مجرد مساعدات واعانات اجتماعية وبالتالي فإنه لا يختلف الامر بين الموظف والمعاق او المسن، واذا ما استمر الوضع على هذا الحال فإن الامر لن يختلف فعليا حينما تصبح شريحة من الموظفين تعاني من اعاقة ذهنية ونفسية واجتماعية، ولا غرو في تحول الوقت الذي يقضيه الموظفون وهم جالسون على مكاتبهم دون فاعلية او انتاجية ليشكل هذا الوقت ضغطا نفسيا على الموظف، وربما سوف تتحول وزاراتنا ومؤسساتنا الى اندية اجتماعية يمارس فيها الموظفون كافة اشكال التسلية واللهو وحتى لعب الورق؟!! ان وجود اعداد من الموظفين العاملين في الوزارات والمؤسسات على هذه الوضعية سوف يترك آثارا سلبية على أوضاعنا الادارية والوظيفية واساءة مباشرة للتنمية البشرية في دولتنا، واذا كانت الامارات بمؤسساتها تسعى الى تعزيز اوضاعها الاقتصادية والتجارية والتواجد على الخريطة الاقتصادية والتجارية العالمية فإنه يتحتم عليها مراجعة تشريعاتها وانظمتها الادارية والوظيفية وصولا الى تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية دون تهميش لمؤسساتها وتغييب لأدوار وزاراتها عن المساهمة في تحريك الفعل الاقتصادي والتنموي. وحتى لا تصاب قدراتنا البشرية بالشلل الذهني والتشوه النفسي والاجتماعي وتخسر الدولة بالتالي استثماراتها البشرية فإنه يتحتم على الجهات المعنية وضع معايير دقيقة عند التقييم ودراسة الاوضاع الوظيفية لشريحة العاملين في مؤسساتنا ووضع صيغة جديدة للوائح والانظمة المعمول بها في وزاراتنا ومؤسساتنا

طباعة Email