التقرير العربي للتنمية البشرية يسيطر على اعمال الجلسة الاولى، غياب الحريات وتهميش دور المرأة وانعدام الحكم الرشيد أبرز معوقات التنمية الشاملة

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 تركزت الجلسة التي حملت عنوان «مواجهة تحديات التطور والتنمية في المنطقة» على النتائج التي وردت في تقرير التنمية البشرية في العالم العربي والذي وضعته الأمم المتحدة بمشاركة عدد من خبراء التنمية العرب، وشارك في الجلسة التي ادارها ريز خان المذيع التلفزيوني السابق في شبكة السي إن إن عدد من واضعي التقرير وهم الدكتورة ريما خلف نائب الامين العام للمنظمة الدولية ورئيس فريق الخبراء، والدكتور كلوفيس مقصود عضو مجموعة الاستشاريين، والدكتور نادر فرجاني المحرر الرئيسي للتقرير العربي للتنمية البشرية. أثيرت خلال المناقشات قضايا حيوية انضمت إلى عاصفة من الاحتجاجات كانت قد واجهت التقرير عقب صدوره في عدد من العواصم العربية التي اتهمت التقرير بموالاة الغرب خصوصا وانه صدر عقب احداث 11 سبتمبر وهو ما نفاه واضعو التقرير خلال ردودهم على اسئلة المشاركين. في البداية اوضحت الدكتورة ريما خلف مساعد الامين العام للامم المتحدة ورئيس فريق الخبراء الذي اعد تقرير التنمية الانسانية العربية السبب في توقيت اصدار التقرير وابرز عناصره، قالت ان التقرير الذي شارك فيه 30 شخصا منهم 20 من الخبراء المهتمين بقضايا التنمية البشرية تعرض للعديد من المشاكل والتحديات التي تواجه العرب، كما انه يجيب على التساؤلات التي تثار في ذهن كل عربي الامر الذي يعطيه المصداقية كونه صدر ايضا في توقيت تتعرض فيه المنطقة لانتقادات من جانب الغرب. وهنا يتدخل الدكتور كلوفيس مقصود عضو مجموعة الاستشاريين للتقرير لتوضيح ابرز ما جاء في التقرير ويعتبر ان التجاوب مع نتائجه دل على انه حصيلة توافق وليس اجماع الامر الذي يجعله يعبر عن تيار متنام في الوطن العربي يطالب بضرورة تجاوز حالة الاحباط كما ان التقرير صدر قبل وقوع احداث 11 سبتمبر ويثبت من خلال واضعيه ان هناك فئة طليعية في الأمة العربية تدعو لأهمية التنمية الشاملة والتكامل بين الدول العربية من منظور قومي ويلبي ايضا حاجة ماسة لمشاريع نهضوية تشارك فيها الحكومات والمجتمع الاهلي والمدني. واشار د. كلوفيس إلى ما وصفهم باعداء الأمة المتربصين بها والذين اتخذوا من السلبيات التي اشار إليها التقرير عن الوضع العربي كدليل ادانة على تبرير السلوكيات التي ادت للاحداث الاخيرة، يقول ان التقرير تعرض للعديد من السلبيات التي يعاني منها المجتمع العربي مثل نقص الحريات والمعرفة الامر الذي اعتبره اعداء الامة دليلاً على تخلف الامة وهذا غير صحيح لان التقرير اعد قبل احداث 11 سبتمبر بأشهر وفاجأهم التقرير بان هناك طلائع عربية قادرة على ان تأتي بمشروع نهضوي لا يعرض للامراض فقط بل يشخصها ويقترح حلولا لعلاجها. ويرجع التقرير هذه الامراض والنواقص في جانب منها إلى الاستعمار والتحدي الصهيوني الذي اعتبره التقرير أهم العوائق الرئيسية لتنافر المنطقة، واقترح التقرير العديد من الوسائل والآليات التي تضمن التعاون والتنسيق الملزم بين الدول العربية لتتمكن من المناعة المطلوبة لمواجهة تحديات العولمة غير ان الدكتور نادر فرجاني المحرر الرئيسي للتقرير وخبير التنمية البشرية ركز على بعض المفاهيم التي وردت بالتقرير وقال انه يركز على ان البشر سواسية لهم كافة الحقوق كما يرفض كافة اشكال التهميش سواء تم ذلك لمجموعة من الاقليات أو للنساء في اي مجتمع علاوة على تناوله لمفهوم الرفاهية الاقتصادية كبداية للتنمية الاقتصادية الشاملة التي يجب الا تقتصر على توفير بعض الاحتياجات الاساسية فقط بل للحاجات والاحتياجات غير الاساسية ايضا. كما يركز التقرير ايضا على اساليب الادارة الرشيدة بمعنى ألا تكون هناك تنمية اقتصادية شاملة حقيقية في ظل ظروف مجتمعة وادارة غير رشيدة، وهنا يحدد التقرير 3 فجوات تتعلق بالتنمية في العالم العربي. الفجوة الاولى تتعلق بممارسة الحكم، ويعتمد الحكم الجيد الرشيد على 4 امور هي المؤسسة والمشاركة والشفافية وقدرة الشعب على محاسبة الحكومة، ويخلص التقرير إلى وجود فجوة كبيرة في هذا الامر في كافة عالمنا العربي. الفجوة الثانية تتعلق بمشاركة المرأة بشكل فعال في الشئون الاقتصادية والسياسية في العالم العربي في حين تتعلق الفجوة الثالثة باكتساب المعرفة، والحقيقة ان هناك قدراً معقولاً في العالم العربي بشأن اكتساب المعرفة في حين توجد فجوة عميقة في مجال ابحاث التنمية، وحسب هذه المعايير كما يقول فرجاني قسم التقرير العالم إلى مجموعات، فالبلدان التي لديها حرية وتشارك فيها المرأة بفعالية ورغبة قوية في اكتساب المعلومات تصنف ضمن قائمة الدول التي تتمتع بالتنمية الشاملة بعكس البلدان التي تعاني من فجوات في هذا المجال حيث تصنف في اسفل اللائحة وهنا يتدخل ريز خان بطرح سؤال على د. ريما خلف لماذا تفوت المنطقة العربية فرصة مشاركة المرأة في التنمية رغم انها تشكل نصف الموارد البشرية؟ ترد د. ريما بالقول بان هناك عدة اختلافات بين الدول العربية فيما يتعلق بمشاركة المرأة، فهناك بعض التحيز ضد المرأة واجحاف بحقوقها الامر الذي يجعل المجتمع يهمش نصف موارده البشرية، وهذا هو الوضع السائد في عدد من الدول العربية لكن هناك بلدان عربية تشارك فيها المرأة بشكل فعال وتمكنت من الوصول إلى درجات عالية من التعليم ويكاد يكون دور المرأة في هذه الدول مماثلا لدور الرجل، على سبيل المثال فان مشاركة المرأة في دول الخليج تعد الاقل في العالم، وفي كثير من برلمانات العالم العربي لا وجود للمرأة بل لا تتمتع المرأة في بعض البلدان بحق الاقتراع والتمثيل في الحكومة، وفي رأيي ان قضية مشاركة المرأة من عدمه مرتبطة بالحريات بشكل عام. ويفتح الباب للحوار والمناقشة حيث وجه احد المشاركين من قطر سؤالا إلى د كلوفيس مقصود حول توقعاته في ان ترث المنطقة العربية بعد احداث 11 سبتمبر عقلية متطرفة بعد ان عاشت مع ما اسماه بادارات فاسدة، ويرد د. مقصود بالقول بان الاميركيين طرحوا عقب الاحداث الاخيرة سؤالا لماذا يكرهوننا؟ والحقيقة ان هذا السؤال وضع في اطار غير صحيح ومشوه، ونحن لا ننكر ان هناك بعض الاشخاص على الهامش يكرهون الاميركيين لكن العالم الاسلامي لا يكره الاميركيين لان الكراهية تعني وقف الحوار. وفي رأيي انه نتيجة لهذا السؤال الذي وضع في غير اطاره من جانب الاميركيين أدركت الادارة الاميركية قوتها لكن في نفس الوقت وعت على هشاشتها ونتيجة لهذه الازدواجية سمحت الادارة الاميركية للاحتلال الاسرائيلي بممارسة كل وسائل التعذيب والاضطهاد بحق الشعب الفلسطيني والضغط على الامم المتحدة لاعطائها الحق في ضرب العراق على الرغم من معارضة الدول الاخرى، ولم تستوعب الولايات المتحدة هذا الوضع بما فيه الكفاية لكن المؤكد ان هناك توجهاً نحو السيطرة والهيمنة وان بدت محاولات الاعتراض على الحرب في أميركا تتحول إلى معارضة قوية واخشى ألا يكون هذا التحول قد جاء متأخرا لكبح جماح التمادي في تحدي العالم العربي والاسلامي. ويتدخل ريز خان بالتعقيب على د. مقصود بسؤاله عن كيفية قيام الدول العربية بتغيير المفاهيم السائدة عند الاميركيين من ان العرب يكرهونهم؟ يقول: يجب اعادة اكتشاف هوية العالم العربي، فهناك بالطبع خلاف وتنوع بشأن التعامل مع العالم الخارجي، مثال: هناك بعض الدول التي تفضل مثلا التعامل التجاري مع الهند وباكستان كما في الخليج عن التعامل مع دول اخرى، وهذا شيء لا خلاف عليه لكن علينا مواجهة السوق العالمية وتطوير مستوى الحصانة في المجتمعات العربية من خلال تنمية العلاقات البينية ومن ثم العلاقات مع العالم الخارجي، وهي عناصر مهمة لتعزيز النمو الاقتصادي ويجب ألا يكون ذلك على حساب تعزيز العلاقات فيما بيننا خصوصا من الناحية التجارية. وحسب الرسومات البيانية التي عرضها د. فرجاني فان المنطقة العربية تبدو ثرية من ناحية اكتساب المعارف والقدرة على التعلم كما ان لديها وضع اًافضل من ناحية الدخل مقارنة بالامية، وهناك فئة كبيرة من الاطفال في العالم العربي محرومة من فرص التعليم، كما انه حسب المؤشرات تأتي المنطقة العربية في المؤخرة فيما يتعلق بالحريات. وطرح سؤالاً حول ايهما افضل لتحقيق التنمية في ظل حكم ديمقراطي أو في ظل حكم استبدادي، هنا يرى د. فرجاني في رده على ان الحكم الرشيد هو الافضل لتحقيق تنمية شاملة لانه يوفر الشفافية ويمكن مساءلته، وهناك على حد قوله جانبان للحكم الرشيد الاول التمثيل الواسع والثاني القدرة على مساءلة الحكومة، وللاسف هناك قصور في هذا المجال في كافة المجتمعات العربية. وبدا د. مقصود منحازا لتنمية اقتصادية في وجود قائد قوي أقل ديمقراطية غير انه يحدد القائد القوي بقدرته على ان يكون واعيا وقادرا على فهم التحديات الاستراتيجية، كما ان القائد القوي يمكن ان يحرك الموارد المختلفة ويسمح بالتنوع في المجتمع ويقوم باثراء طاقاته في الحكم، وهنا يجب ان ندرك الحاجة للقيادة القوية لكن بالطبع نحن ضد القائد المستبد لان هناك فارقاً كبيراً بين القائد القوي والقائد المستبد. وهنا يتدخل د. فرجاني معقبا بقوله: اذا نظرنا للتنمية من منطلق اقتصادي بحت لا يمكن ان يكون هناك تنمية مستدامة في ظل قيادة مستبدة ذلك ان انعدام الحريات لا يؤدي للابتكار وبالتالي لا يمكن افراز تنمية على المدى الطويل. ولهذا السبب كما تقول د. ريما خلف يطالب التقرير العربي للتنمية البشرية بتعزيز الحريات في كافة الدول العربية وكذلك مكافحة الفساد وسيادة القانون وبدون هذه العناصر لا يمكن ان تكون هناك تنمية أو نمو لان المستثمر لن يغريه الاستثمار في بلد يفتقد لهذه العناصر، وقد يقال ان هناك نمواً اقتصادياً في بلد مستبد لكن هل يتحقق ذلك ايضا في بلد يرزخ تحت الاستعمار المستبد؟ هل هناك مستوى افضل للحياة في ظل الاستعمار أو في ظل فقد رب العائلة أو في ظل ظروف انعدام الكرامة؟ ويأتي السؤال من احد المشاركات التي تدعو للتركيز اكثر على تعليم المرأة واشراكها في العمل، ويرد د. فرجاني بأن المرأة لا تستطيع الحصول على حقوقها ما لم تكن متعلمة، واكثرية الاطفال المحرومين من التعليم في العالم العربي هم من الاناث لذلك يتعين بالطبع تعليم النساء وتمكينهم من بناء قدراتهن، فهناك من الدراسات التي ترى المرأة افضل للجميع من الرجل من منطلق انها تتمتع بامكانيات عقلية تخولها الابداع والنجاح ولذلك يتعين اعطاءها الحق في المشاركة وهذا امر مقبول به عالميا. كيف يبدو المستقبل في ضوء ما ورد في التقرير العربي للتنمية البشرية، هذا هو السؤال الذي وجه إلى واضعي التقرير وبادرت رئيس فريق الخبراء الذي اعد التقرير بالقول بان واضعي التقرير لم يتوقفوا عند حد تشخيص المشاكل بل وضعوا توصيات يمكن ان تأخذ بالمجتمعات العربية إلى المستقبل لكن هناك مجموعة من التحديات ركز عليها التقرير وهي المعنية بالحريات واهمية الاخذ بها لتحقيق التنمية البشرية، وكذلك لابد من التزام سياسي من قبل الحكومات للاخذ بما ورد في التقرير، وهنا استطيع القول ان 4 دول عربية التزمت بتطبيق ما ورد في التقرير كما تلقينا بيانات من دولتين اخريين خلال اجتماع الجمعية العمومية في اطار التعقيب على التقرير. والحقيقة انه ليس امام صانعي القرار في العالم العربي خيارات اخرى فاما ان نبدأ مرحلة وعملية التغيير الان والامساك بالامور أو ينفلت الوضع كما يجب ان نسير بصورة متوازنة في اتجاه الاخذ بالحكم الرشيد الذي سيحرر طاقات الناس ويؤدي إلى بناء القدرات والبحث والتطوير واستغلال التكنولوجيا والانترنت. ونحن نحتاج بالفعل إلى قرار سياسي هو في يد صانعي القرار، الكثيرون يرون حتمية التغيير وما نطلبه هو التغيير وان تتخذ القيادة الاساليب الصحيحة في اتجاه ذلك سواء على مستوى القيادة أو الشعب. زاد الدكتور فرجاني على ذلك بالدور الرائد الذي يمكن ان تلعبه مؤسسات المجتمع المدني والمثقفون وزيادة جرعة المشاركة الشعبية وان يفعل نشاط الجامعة العربية لتكون جامعة ليس للحكومات فقط بل لشعوب ايضا. وطرح على الدكتور مقصود سؤال حول عدم فعالية الجامعة العربية وانعكاسات القرار الليبي بالانسحاب منها، اكد ان الجامعة لم تطور آلية وقائية ولو كانت نجحت في ذلك لامكن استيعاب بعض الصدمات التي تعرض لها العالم العربي، نحن بحاجة إلى مؤسسة تضمن وحدة الامة العربية لمواجهة التحديات لذلك يتعين على الجامعة الان اتخاذ اجراءات حاسمة تتعلق بالعراق وفلسطين والدول الساعية للنمو، النموذج الاماراتي يمكن الاحتذاء به وهو دليل على امكانية الالتحام من اجل تحقيق التنمية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات