السياسة الاستثمارية ومعضلة سوق الأسهم ـ بقلم: روبرت صامويلسون

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 تعتبر «السياسة الاستثمارية» من ضحايا سوق الأسهم المتدهور. والفكرة التي يؤمن بها المعلقون المحافظون بدرجة أساسية هي ان التوسع في تملك الأسهم في أواخر سنوات التسعينيات (حوالي نصف الأسر الآن تملك أسهما، من أصل الثلث في أواخر الثمانينيات) أحدث تحولا على السياسة والنفسية القومية. فالسياسة كانت تتحول باتجاه اليمين وذلك لان المزيد من الناس أصبح لديهم حصة في الرأسمالية. والأميركيون يفضلون سلطة حكومية أقل والمزيد من الشركات الحرة. ويبدو الأمر منطقيا ولكنه عكس الحقيقة تماما. فالمزيد من تملك الأسهم يقود إلى الزيادة وليس النقصان في النشاط الحكومي والقيود الحكومية. ويزيد ولا يقلل من الدافع السياسي للانشغال بنشاط الأعمال وسوق الأسهم. وتتصرف طبقة المستثمرين مثل الجماعات الأخرى المضطهدة من المزارعين وحتى عمال مصانع الفولاذ. وعندما تواجههم المشكلات، فانهم يلجأون إلى الحكومة من أجل كسب التعاطف والمساعدة. وإذا كان هناك ثلة فقط من ملاك الأسهم، فإن الأمر لا يهم. ولكن عندما يكون العدد حوالي الـ 80 مليونا ـ كما هو الآن ـ فان الأمر يكون بالغ الأهمية. إن نظرية المحافظين كانت تفتقر على الدوام إلى ما يثبتها. فإذا أصبح ملاك الأسهم رأسماليين صغارا، فان استطلاعات الرأي العام كان ينبغي أن تظهر زيادة في التوجهات المؤيدة لنشاطات الأعمال في التسعينيات. إلا انه، لم يكن هناك أي من هذه التوجهات، كما تظهر مراجعة للاستطلاعات أجرتها كارلين باومان من معهد المشروعات الأميركية. وبوجه عام، فإن الأميركيين يحبون نظام المشروعات الحرة ولكنهم يشككون بسلوك الشركات. وعلى مر العقود، ظلت هذه التوجهات مستقرة بشكل لافت. وقد سأل أحد الاستطلاعات ما اذا كان يتعين على الشركات أن «تجني أرباحا قصوى»، فأجاب 36% من الأشخاص الذين جرى استطلاع آراءهم في عام 2000 بـ «نعم». وكانت تلك النسبة أعلى من النسبة التي حصل عليها الاستطلاع في عام 1974 )24%) ولكنها كانت مماثلة تقريبا لنتيجة استطلاع عام 1981 (33%). وأحد الأسباب التي جعلت زيادة تملك الأسهم لا تغير الوعي القومي يتمثل في حقيقة أن الأسهم لم تكن يروج لها باعتبارها تمرينا في المخاطرة والتي هي طبيعة الرأسمالية. وعوضا عن ذلك، فان الأسهم كان يتم بيعها باعتبارها من مؤهلات المشروع الحر. واذا ما حافظت على استثمارك، فيجب أن تغنى. ولم يكن هناك وجود للمجازفة تقريبا، لان الأسهم تفوقت في أدائها على الاستثمارات المنافسة. وهذا أمر صحيح. فمنذ عام 1926، كان معدل العائد السنوي «الحقيقي» (المعدل بحسب التضخم) على الأسهم يبلغ 7% تقريبا، أي حوالي ثلاثة أضعاف العائد على السندات. ولكن الرسالة هذه حذفت العديد من الأوصاف الأساسية. ونذكر منها التالية: 1 ـ على الرغم من أدائها طويل الأجل، الا ان الأسهم أحيانا تهبط أو تبقى راكدة لسنوات عديدة. 2 ـ بعض الأسهم يكون أداؤها أفضل أو أسوأ بكثير من المتوسط. 3 ـ العديد من المستثمرين يكون أداؤهم أسوأ بكثير من متوسط السوق. وهذه النقطة الأخيرة تفهم بشكل سيء عادة. فقد وجدت احدى الدراسات ان الصناديق المشتركة حققت متوسط عائد سنوي بنسبة 13% من عام 1984 إلى عام 2000، ولكن مستثمري الصناديق المشتركة العاديين حققوا متوسط عائد سنوي لم يتجاوز 5% خلال الفترة نفسها. والسبب في ذلك هو سوء التوقيت. فالكثير من المستثمرين الفرادى اشتروا عندما كانت سندات الصناديق مرتفعة وباعوا عندما كانت منخفضة. وبينما كان سوق الثور (السوق الآخذ بالصعود) هائجا، لم تكن هذه الأوصاف ذات أهمية تذكر. فالكل خرج منتصرا مع ان حظ البعض كان أكثر من الآخر. ولكن المحافظين لم يسألوا ما الذي سيحدث عندما يهبط السوق، وهو ما حدث. الجواب هو ان السياسيين على اختلاف مشاربهم سيتراكضون لتهدئة ناخبيهم المشوشين. والكل يريد ان يعبر عن غضبه من أعمال الاحتيال المحاسبية واستغلال الشركات. وتضمن رد الفعل أيضا خطوات عملية. فقد لجأ الكونغرس الى تشكيل مجلس عام للاشراف على شئون المحاسبة في الشركات من أجل مراقبة أمانة وكفاءة مدققي الحسابات في الشركات. وقبل أن ينفض، قد يقوم الكونغرس أيضا بنسخ القوانين التي تتحكم بخط التقاعد. والتغير الرئيسي سيشمل قوانين تسهل على العمال بيع أسهم الشركة المساهم بها من قبل مستخدميهم. والمسألة هنا لا تتمثل في نقاش قيمة هذه الخطط. فالتدخل الاقتصادي الحكومي لا يعتبر ايجابيا أو سلبيا بصورة تلقائية. وقانون المحاسبة الجديد قد يحسن من البيانات المالية للشركات، أو انه قد يغلف الشركات باجراءات متشددة. ومن شأن التغييرات في القوانين الخاصة بخطط التقاعد ان تحمي المستثمرين ... أو تردع بعض الشركات عن تقديم مساهمات لصناديق التقاعد. والمسألة هي ان المزيد من الملكية للأسهم تدفع الى المزيد من التدخل الحكومي. وعلى نحو مماثل، فان هبوط الأسهم قد ألهم المطالبات باعفاء ضريبي للمستثمر كطريقة لانعاش السوق. ومن شأن أحد الاقتراحات المطروحة أن يضع حدا للازدواج الضريبي على أرباح الاسهم. (فأرباح الاسهم تفرض عليها الضريبة كأرباح للشركة وكدخل شخصي لدى حصول الافراد عليها). ويظهر الاقتراح مجددا ان الملكية الموسعة للاسهم تغري التحرك السياسي وليس الانضباط. ان السياسة الاستثمارية الجديدة ليست ما تخيله المحافظون. وبدلا من ذلك، فانها تجمع ما بين الشعور المجروح بالحقوق لدى المستثمرين والقدرة اللانهائية للسياسيين على التقمص العاطفي. والهدف الظاهري هو استعادة الاسعار العالية للأسهم، وهو ما يريده المستثمرون. والخط الفاصل بين الحق الاجتماعي والاستثمار الخاص يبدو غير واضح تماما. إن عدم الوضوح يعتبر تطورا خادعا وغادرا. وحتى هذه اللحظة، فان الضوابط الحكومية يمكنها ان تجعل السوق يعمل بصورة أفضل. ولكن محاولة جعل السوق «آمنا» للطبقة المتوسطة قد يستلزم فرض الكثير من القوانين لدرجة انها قد تؤدي بصورة غير صحيحة الى خنق عملية المجازفة الضرورية لوجود اقتصاد نشط وفعال. ويعتبر السوق معقد جدا بحيث يصعب على الحكومة السيطرة عليه، والهدف ـ حتى وان كان ضمنيا ـ الذي يرمي الى رفعه محفوف بالمخاطر. وفي نهاية الامر، فان الارباح الرأسمالية لا يمكن ان تكون حقا من الحقوق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات