العراق.. ليس نفطاً ـ بقلم: الدكتور صابر فلحوط

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 يجمع المحللون والمراقبون، في مراكز السياسة والرأي على ان الادارة الأميركية عازمة على شن الحرب على العراق، حتى لو سمح بتفتيش كل شيء حتى حشوات الاسنان في أفواه الرجال، وحبات العقود في أعناق النساء. وتتمحور التحليلات، حول الذرائع الأميركية جاعلة من النفط ـ حيث المخزون الثاني على سطح الكوكب ـ سبباً رئيسياً لهذه الحرب، وذلك من اجل اعتقال «أوبك» والتحكم بالسوق العالمية لهذه المادة الاستراتيجية في الصناعة حتى القرن المقبل على الأقل. كما تستهدف أميركا، من وجهة نظر هؤلاء المحللين، صب الماء البارد، على وجوه الدول الكبرى، التي لاتزال تتباطأ في تنفيذ التعليمات الأميركية في الهيئة العامة للأمم المتحدة أو مجلس أمنها، محتجة باستقلالية القرار، وحرية الموقف بعيداً عن الاملاءات الأميركية، غير ان المتعمق في دراسة تاريخ الصراع العربي الصهيوني والعارف بتأثير اللوبي اليهودي على وضع قرارات البيت الأبيض، يدرك ان النفط على أهميته ودوره، يأتي في مرتبة متأخرة في سلم أولويات الحرب الأميركية ضد العراق. وذلك ان لأميركا كما لغيرها بل أكثر، نصيب وافر من نفط العراق منذ ولد أول بئر بترولية فيه، وان العراق لن يشرب نفط، بل يبيعه لطالبيه، وان السوق الأميركي العملاق وكذلك أسواق المتحالفين معه هي زبائن قديمة لهذا النفط بامتياز بما يحفظ للعراق حقوقه. وهذا يؤكد ان قرار ضرب العراق لم تتخذه الشهوة الأميركية للنفط بل اتخذه الثأر من التاريخ القومي للأمة العربية، والاصرار على تطويب المنطقة واغلاقها لصالح الكيان الصهيوني العنصر وفق المخططات التي تحدثوا عنها مراراً تصريحاً، أو تلميحاً في واشنطن، وتل أبيب، بهدف انهاء الصراع في المنطقة على حساب ابنائها، أرضاً، وكرامة، وارادة من خلال ـ سايكس بيكو جديدة تستبدل الخرائط القديمة وتستدرك ما فاتها في مطلع القرن المنصرم من تمزيق وشرذمة للأرض العربية. ولعل مخطط طرد الفلسطينيين الى الاردن، واقامة عرش هاشمي في أرض الرافدين هو السيناريو ـ الألصق، والأقرب للعقل والقرار الأميركي والذي تعمل على تنفيذه الحشود التي تزدحم بها أرض المنطقة، وبحرها، وسماؤها، منذ اسابيع. ولان العراق ليس نفطاً فحسب بل هو عمق لأمته، وهو إرادة رافضة حتى العظم للهيمنة الأميركية الصهيونية في الوطن العربي، ولانه منطلق حضارة عربية عمرت الدنيا في التاريخ السحيق لكل هذا، ولأهميته النفطية، تشد صوبه رحال الصواريخ وقاذفات الدمار والموت، فهل تستمر الامة العربية، واقفة على رأسها، تنتظر وصول الحريق الى غرف نومها حتى تصرخ، وتسرع الى اتخاذ موقف موحد، أو قرار يؤكد وجودها، وغضبها؟ وهل هناك عاقل واحد يصدق ان الوحش الباديء بالعراق سوف تتوقف شهيته، قبل ان ينتقل الى الولائم الاخرى على امتداد الدار العربية؟ لماذا لا نتعلم من عدونا الذي يهييء للضربة ـ الاستباقية ـ ضد العراق فنمارس الرفض الاستباقي، وهذا أضعف الايمان، من خلال اعلان الغضب القومي في المعامل، والمزارع والجامعات والشوارع، والموانيء والمطارات، فنقاطع العدوين الأظلمين والأشرسين أميركا والكيان الصهيوني، كي تشعر المصالح الأميركية في المنطقة ولو لساعات بالوجع والصداع الذي يمكن ان يصيبها عند ارتكابها الحماقة الكبرى ضد العراق. انه العصر الأميركي الذي يمارس أبشع أنواع الارهاب في فلسطين ضد شعبنا وانتفاضته الباسلة وهو نفسه القادم من خلف الأطلسي فهل نحقق الصحوة القومية ونمارسها بمسئولية الرجال، أم نتبارى في شهر السكاكين وتقديمها مع رقابنا الى أيدي أعدائنا الذين استهانوا بنا بعدما لمسوا صمتنا الرهيب وهم يستهدفون ترابنا، وتراثنا، وهويتنا؟ انها اسئلة لا يجيب عليها نفط العراق، بل ارادة الأمة العربية التي ترفض الانحناء الذي يقطع، الجذور، ويلغي الوجود ولا يبقي في الديار سوى الندم والدموع؟ فهل يستمر العرب بلا غضب حتى ولو وصلت النار الى ثيابهم الداخلية؟ اسألوا تشرين والمقاومة الوطنية اللبنانية والانتفاضة البطلة. مازلت رغم الاسئلة المرة، والأجوبة الأمر محكوماً بل مسكوناً بالتفاؤل.. وسنرى

طباعة Email
تعليقات

تعليقات