عملية غسيل الأموال والسرية المصرفية

تعتبر ظاهرة غسيل الأموال من الظواهر الاقتصاية السلبية وهي بالتالي من المشاكل الاقتصادية الحديثة والمستعصية في ذات الوقت. ويوسع البعض من معنى ومفهوم غسيل الأموال ليشمل به كافة الانشطة الاقتصادية، التي يحرمها العرف والمباديء والقوانين (أي الانشطة غير المشروعة) والتي تدر دخلا غير مشروع لممارسيا مثل تجارة وتهريب المخدرات (باستثناء الاغراض الطبية والعلمية والامنية) والتهريب بوجه عام والرشاوى والاختلاسات والعمولات غير القانونية, والغش التجاري, والنصب والاحتيال, وتزييف العملات والدعارة والفساد المالي والاداري والسياسي وما يرتبط به من تحقيق ايرادات ودخل غير قانوني. ويضيق البعض من المفهوم ليقصره على انشط غير مشروعة محددة يأتي علي رأسها تجارة وتهريب المخدرات. حيث يلجأ الممارسون لتلك الانشطة الى اتخاذ سبل شتى لإيداع الايرادات المالية المتحصلة في المصارف والمؤسسات المالية بقصد خلطها بالاموال الاخرى لاخفاء معالم وخطوط الجريمة من ناحية ولتحويل تلك الاموال الى اموال مشروعة (اعتقادا منهم بذلك. وتختلف بالطبع مفاهيم ومصطلحات مشروعية الانشطة والممارسات الاقتصادية من دولة الى اخرى وقد يكون ذلك من المعوقات الكبيرة التي تحول دون التوحيد الدولي لتلك المفاهيم والمصطلحات. فقد يكون نشاطا ما (كالدعارة مثلا) مباحا في بلد ما ومحرما في اخرى. بل ان المفاهيم والمصطلحات تختلف في دقائقها وتفاصيلها في ذات النشاط الواحد وذلك نظراً لاختلاف القوانين والمباديء والمعتقدات والقيم الاجتماعية والاخلاقية وتباينها من دولة الى اخرى. وتبقى هذه من الصعوبات البارزة التي تحول دون توحيد الجهود الدولية لمكافحة تلك الجرائم الاقتصادية وعلى الرغم من ذلك التباين الواضح الا ان هناك اجماعا دوليا يكاد يكون واضحا على بعض الانشطة والممارسات غير المشروعة مثل تجارة وتهريب المخدرات. وتبقى السرية المصرفية كذلك من احدى الصعوبات البارزة في قضية مكافحة عملية غسيل الأموال. فالسرية المصرفية تعتبر من اهم السمات الجوهرية التي تميز اعمال المصارف. وهي امتداد لمبدأ حفظ اسرار المهنة واسرار العميل تماما مثلما يلتزم الطبيب بحفظ اسرار المرضى. وتحكم السرية المصرفية في الحقيقة ثلاثة نظريات: ــ نظرية المسئولية العقدية: وتعني بأن العقود المبرمة بين اطراف محددة لابد من ان تحكمها السرية. والمصرف تحكمه مع عملائه عقود واتفاقيات والتزامات فلابد لها من السرية. ــ نظرية النظام العام: وهي ترتبط بمبدأ سرية المهنة الذي اشرنا اليه. وهذا يقتضي بأن المصرفيين يجب ان يحافظوا على اسرار عملائهم حيث ان شرف المحافظة على اسرار المهنة يقتضي ذلك. ــ نظرية المصلحة الاجتماعية: وبمقتضاها فان المحافظة على اسرار العملاء في المصارف يعود بالنفع العام لكل افراد المجتمع طالما ان العرف قد استقر على ذلك وقبلته الناس واصبح محبوبا لديها بل انه اصبح مقننا ومنظما واكتسب سمعة دولية. وعلى الرغم من كل ما تقدم يبقى مفهوم ومصطح السرية المصرفية مختلفا ومتباينا بين الدول فهناك من يبالغ فيه وهناك من يعتدل. غير اننا نرى ان السرية المصرفية تبقى مبدأ لابد من الحفاظ عليه وهو من السمات الاساسية الجاذبة للعملاء الى البنوك والمنشطة بالتالي للاقتصاد ولذا فاننا نجد ان العملاء يفضلون بعض البنوك في دول معينة تسمى دول الملاذ او المأمن المصرفي مثل سويسرا ولكسمبورج والنمسا وغيرها. ومن هذا المنطلق فاننا نرى ان قضية مكافحة غسيل الأموال يجب عدم المبالغة فيها الى الدرجة التي تضر بنظام السرية المصرفية وان عملية غسيل الأموال تبقى قضية امنية اكثر منها اقتصادية. فهي طرف من اطراف الجريمة وتظل مسئوليتها الأمنية اكبر من المسئولية الاقتصادية. وبالتالي فان عملية المبالغة في ابعادها الاقتصادية على حساب الابعاد الامنية تبعدنا عن الواقعية وتجعل حلولنا وقراراتنا التنظيمية والاجرائية غير متقبلة من جانب الاطراف التي تعنيها (البنوك وعملائها) ولن نستبعد اطلاقا تحايل تلك الاطراف على تلك الانظمة والقرارات. فانا كاقتصادي لا ارى اي اضرار تذكر على الاقتصاد من تدفق رؤوس الأموال غير المشروعة وهكذا يرى المصرفي فلماذا اذن يتصدى لها وهي لا تعنيه. فالقضية في نظري تعني رجال الأمن اكثر مما تعني الاقتصاديين والمصرفيين وبالتالي لابد من التركيز على الجانب الأمني لها عند وضع اي نظام بشأنها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات