قطاع التكنولوجيا الفائقة يحمي الاقتصاد الامريكي من الصدمات ، هدوء معدل النمو الاقتصادي دون آثار جانبية مؤلمة

ما يسبب القلق لرئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي (المركزي) الآن جرينسبان هو كيفية قيادة كبسولة الاقتصاد الامريكي السريعة لتحقيق الهبوط بأمان أو يهدأ النمو الاقتصادي السريع بلا آثار جانبية ضارة ومؤلمة, ويشاركه في هذه المهمة لورانس سومرز وزير الخزانة. وقد أثبت هذان المسئولان وفريق العمل معهما حتى الآن نجاحا كبيرا في تهدئة النمو الاقتصادي العارم, لكن الاستمرار في قيادة هذه الكبسولة في ظل الاضطراب الاخير في البورصة وأسواق البترول والعملة, لكن يكون مهمة سهلة, خاصة وان المستثمرين في الولايات المتحدة وخارجها لايزالون يتوقعون استمرار النمو الاقتصادي بنفس الوتيرة وقد يصابون بالاحباط الشديد. انها لحظة حاسمة وخطيرة في اطول طفرة اقتصادية في التاريخ الامريكي, من الواضح ان النمو الاقتصادي الامريكي بدأ يهدأ, لكن ليس بقدر كبير فلم يقدر الاقتصاد الامريكي يسجل معدل نمو 6% الذي كان عليه العام الماضي وهو معدل النمو الذي يحدث غالبا في الدول النامية. ويبدو ان معدل النمو الاقتصادي الامريكي يتراوح بين 3 و4 % خلال العام الجاري. ولايزال المستهلكون يشترون سيارات جديدة ومنازل جديدة, لكن ليس بنفس المعدل الذي سجله مطلع العام الجاري. ولاتزال الشركات الامريكية منتعشة ايضا لكنها مع ارتفاع الاجور وأسعار البترول بدأت تعاني من انخفاض عائداتها من اوروبا ومحدودية القوة السعرية لمنتجاتها, لذلك لا تستطيع ان ترفع الأرباح لأعلى الى المستويات العالية التي وصلتها خلال الاعوام القليلة الماضية. وأقرب مثال على ذلك ما أعلنته شركة انتل للحاسب الآلي عن انخفاض عائداتها عن الربع الثالث من العام الجاري مقارنة بالتوقعات وكذلك تخفيض توقعات شركة دوبونت بشأن العائدات والأرباح. حتى هذه التعديلات البسيطة يمكن ان يكون لها أثرها على اقتصاد يقوم على التوقعات المتفائلة والمستقبل الباهر. لقد خسرت شركة انتل ربع قيمتها السوقية في فترة وجيزة وانخفض سعر سهم دوبونت بنسبة 16% منذ كشفت عن انخفاض أرباحها المتوقعة, هذا هو الانعكاس الناتج عن انخفاض التوقعات, فقد كانت اسهم انتل تصل الى 10 الى 15 ضعف عائداتها في مطلع العام, وبلغت 45 ضعفا قبل ان تعلن شركات مثل سيسكو سيستمز تباع بسعر ضعف مئة مرة عن عائداتها والسر وراء هذا الارتفاع غير المسبوق هو توقعات الارباح وان الربح سوف ينمو بسرعة كبيرة حسب المتوقع. لكن هذه الاقتراحات قد تتعثر الآن, ويقول دوج كليجوت خبير الاستراتيجيات الاستثمارية في جي.بي مورجان ان الربع الحالي من العام هو الحد الفاصل, وسيكون أول ربع عام منذ خريف 1998 تنخفض فيه العائدات والارباح عن التوقعات. ويخفض المحللون توقعاتهم بشكل عام بالنسبة لمعدل نمو الارباح العام المقبل الى 6.10% مقابل 7.12% الذي توقعوه في يونيو من العام الجاري ومقارنة بنسبة 18% عن العام الجاري بأكمله. وكان لانخفاض توقعات نمو الارباح اثره بالفعل والمتوقع ان يكون العام الجاري أسوأ الاعوام بالنسبة للسوق الامريكية منذ عام ,1990 فقد انخفضت أسهم الشركات على مؤشر ستاندارد آند بور الذي يضم 500 شركة بما خفض المؤشر, في الوقت الذي خسر فيه كل من مؤشر ناسداك وداو جونز نسبة 6%. سعر الدولار ثم يأتي سعر الدولار الذي كان مرتفعا بشدة خاصة أمام اليورو حتى ان سومرز تعاون مع نظيريه من اوروبا واليابان للتدخل في اسواق العملة لرفع سعر اليورو, لقد فعل سومرز ذلك بعد رفضه لعدة نداءات بالتدخل واصراره السابق على ان يظل الدولار قويا. الحقيقة ان المسئولين الامريكيين يعرفون ان ما يمكن ان يرتفع قد ينخفض ايضا, فلم ينسوا تجربة الثمانينيات حيث اتسم نصفها الأول مثل الآن بارتفاع العجز التجاري وارتفاع قيمة الدولار في الوقت ذاته, ثم تميز نصفها الثاني بانهيار سعر الدولار مما أدى الى انهيار البورصة في اكتوبر 1987. مسألة الاستثمارات حتى الآن لايزال الدولار قويا لأن المستثمرين الاجانب يفضلون التركيز على محافظهم الاستثمارية في الولايات المتحدة, وأسوأ كابوس يمكن ان يهاجم سومرز هو ان تتحول هذه الفكرة الى عكس الاتجاه, خاصة وان المستثمرين ربما يعيدون التفكير في مستقبل طفرة التكنولوجيا الفائقة الامريكية, فاذا تغير الاقتناع بسيادة الاقتصاد الامريكي كما يقول كينيث روجوف استاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد سوف يهوى الدولار كجلمود صخر من علٍ. ومما يلقي بظلاله على المستقبل الاقتصادي ان اسعار البترول آخذة في الارتفاع في الوقت الذي يهبط فيه معدل النمو الاقتصادي. لكن مخاطر ارتفاع أسعار البترول أقل مما كانت عليه منذ عقدين من الزمان مع تضاؤل أهميته في الاقتصاد الامريكي. لكن ارتفاع اسعار البترول يعقد من مهمة سومرز وجرينسبان لأن الضغوط التضخمية المحتملة تجعل من الصعب على جرينسبان ان يخفض أسعار الفائدة اذا انخفض الطلب بشكل كبير. لكن الاضطراب الاخير بسبب ارتفاع أسعار البترول انتهى بسلام وارتفع مؤشر داو جونز 81 نقطة, وانخفض سعر الدولار بما يزيد على دولار وارتفع اليورو قليلا, لكن هذه الجهود تثبت ان محاولات الابقاء على معدل النمو الاقتصادي لن تكون سهلة ولم تكن سهلة في أي وقت من الاوقات. ويقول جورج بيري الخبير الاقتصادي ان الوقت الآن مناسب للتركيز على ما يمكن ان يفلت زمامه, وحان الوقت للتخلي عن الاعجاب بنظرية جولد يلوكس الاقتصادية والشعور بالقلق اذا كان هناك هبوط كبير متوقع. الاقتصاد الجديد وسوف يعتمد نجاح قيادة كبسولة الاقتصاد الامريكي الى حد كبير على مدى اعتماده على الاقتصاد الجديد, فقد كان النمو السريع في معدل الانتاجية (الناتج الاقتصادي لساعة العمل لكل فرد) هو المحرك الرئيسي لتروس الرخاء الحالي, مما يعكس فوائد التكنولوجيا الجديدة, فاذا استمرت هذه التكنولوجيا في اثرها التصاعدي قد يستمر معدل النمو الاقتصادي الامريكي في استقرار ويرضي مطالب البنك المركزي في مكافحة معدل التضخم وعدم ارتفاعه من ناحية وتوقعات وآمال المستثمرين في الاسهم الامريكية والدولار من ناحية اخرى, ومدى ارتفاع الانتاجية هو اهم القضايا التي تواجه الاقتصاد الأمريكي كما يعتقد الآن جرينسبان لقد ظل التفاؤل قويا رغم انه اهتز قليلا, ويبدو ان جرينسبان على الأقل متفائلا حيث يقول سوف نجني الكثير من ثورة الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات. وقد يعتمد مسار الاقتصاد الامريكي ايضا على استمرار الثقة في الذين يقودون قاطرته. مصانع السيارات وخفض الانتاج خفضت شركة جنرال موتورز للسيارات انتاجها خلال الربع الثالث من العام بنسبة 4%, فخفضت انتاجها من طراز كاديلاك بمقدار النصف وسرحت 200 عامل من مصنع لانسنج في ولاية ميشيجان. كما خفضت ايضا انتاجها من الشاحنات في مصنع لويزفيل في كنتاكي. كما تخفض شركة ديملر كرايزلر انتاجها من سيارات دودوج وجراند شيروكي. وتشعر مصانع ميكي لهياكل الشاحنات في نورث كارولينا بالبطء الاقتصادي اكثر من غيرها. فقد سجلت الشركة خلال السنوات الاربعة الماضية نموا في المبيعات بنسب تتراوح ما بين 20 و30%, لكن ارتفاع اسعار الفائدة وتكلفة الوقود والطاقة خفضت الطلب بنسبة 20% مقابل العام الماضي. ويقول دين سنيك رئيس الشركة انه يعمل في هذه الصناعة من وقت طويل وانه لم ير أبدا مثل هذا الارتفاع ثم الانخفاض بهذه السرعة. وبدأت التكلفة في الارتفاع في الوقت الذي تتراجع فيه معدلات نمو العائدات والارباح او حتى تنخفض بالنسبة لبعض الشركات. فقد تأثرت شركة يونيون باسفيك للسكة الحديد بارتفاع تكلفة الوقود والعمالة. فارتفع سعر وقود الديزل بنسبة 59% خلال النصف الأول من العام ثم ارتفاع آخر بنسبة الثلث خلال الصيف, مما رفع تكلفة التشغيل بنسبة 10%. كما تتوقع الشركة ان ترتفع تكلفة الرعاية الصحية للعمال بنسبة 14% ـ 20% خلال العام الجاري, وهو عبء يواجه كثير من الشركات الكبرى. أجور العمال من ناحية العمالة, يشعر العاملون بأن قوتهم التفاوضية في ارتفاع. فقد اضطرت شركة بريدجستون/ فايرستون (لاطارات السيارات) الى رفع اجور العمالة بنسبة 10% سنويا من اجل تجنب الاضرابات. وتفاوض الطيارون في شركة يونايتد ايرلاينز على رفع اجورهم بنسبة 20% أو أكثر قبل ان ترتفع علاواتهم الى 4% سنويا في السنوات التالية. وارتفع مؤشر تكلفة العمالة الذي تعيش به وزارة العمل المزايا والأجور للعاملين بنسبة 4.4% خلال العام المنتهي في 30 يونيو, وهو اكبر ارتفاع سنوي من تسع سنوات وعندما كان الطلب يرتفع في كل قطاعات الاقتصاد في وقت سابق من العام الجاري لم تستطع الشركات ان تتغلب على هذا الارتفاع في التكلفة. ورغم ارتفاع تكلفة عناصر الانتاج حاليا منعت الضغوط التنافسية غالبية الشركات من رفع الأسعار. والوضع الآن هو بطء الطلب في انحاء العالم وارتفاع في التكلفة وضعف القدرة على رفع الاسعار. قد يكون ذلك مؤشراً على انخفاض كبير في الارباح, كما كان دائما فيما سبق. طفرة متوقعة بعد انخفاض الحقيقة ان بطء نمو الاقتصاد التقليدي قد يؤدي الى ارتفاع الضغوط التنافسية والانفاق الاكبر على منتجات الاقتصاد الجديدة او التكنولوجيا الفائقة, لأن الشركات تفعل ما بوسعها من اجل رفع الانتاجية وخفض التكلفة وتعويض انخفاض الطلب. ولايزال اعلان انتل عن انخفاض عائداتها عن المتوقع يمثل احدى العلامات التي اتضحت مؤضرا وتثبت ان الطلب على لبنات اقتصاد الانترنت وكل التطبيقات التي تخدم الاقتصاد الامريكي بصفة عامة, قد يكون محدودا ولانهائي كما تشير البورصة. فقد انخفضت ا سهم شركة سيينا بسبب مخاوف من البطء في هذا القطاع, وتتوقع شركة كويست الدولية للاتصالات ان تعزز الانفاق على بنية الاتصالات ومعداتها خلال العام الجاري بمقدار 500 مليون دولار مقابل ارتفاع بمقدار ملياري دولار العام الماضي. وقالت شركة سبرينت ان هناك انخفاضا اكثر من المتوقع في عدد المشتركين في الهاتف المتحرك سوف يخفض العائدات ايضا, فأطلقت الرعب في السوق. وحتى في المجالات التي يرتفع فيها الطلب, قد لا يكون قويا بدرجة تبرر التوسع الكبير في الطاقة الانتاجية الذي يدفعه الحماس الاستثماري. ويقول فريد هيكي مدير تحرير نشرة التكنولوجيا الفائقة ان الرغبة في شراء اسهم شركات التكنولوجيا الفائقة بأي سعر ادت الى فائض في الطاقة الانتاجية وعدد كبير من المتنافسين في هذا المجال. فهناك شركات كثيرة تعمل في مجال الاتصالات اللاسلكية وكثير يحاولون الدخول فيه وكثير جدا يبنون شبكات من الألياف البصرية. ويراهن هيكي على ان الانخفاض في البورصة سوف يكون معتدلا كما يشير الواقع, مع البيع التدريجي للاسهم والدولار لكنه يعترف بأن الامر قد يسوء ايضا فيقول اذا لم يتقبل الناس انخفاض العائدات, يسقط كل شيء, وقد يكون الامر في غاية السوء. لكن كثيرا من المحللين يعتقدون ان الدائرة المفرغة لارتفاع الانتاجية المدفوعة بالتكنولوجيا الفائقة جعلت الاقتصاد الامريكي اقل عرضة لتهديد الانخفاض الفجائي. والمفاجأة في الاقتصاد العام الماضي كانت ان معدل الانتاجية ظل يرتفع وتتسارع مكتسباته حتى مقارنة بمستويات التسعينيات. وقد ساعدت هذه التطورات الشركات على امتصاص واستيعاب ارتفاع تكلفة العمالة والوقود دون ان تتأثر العائدات. فقد انخفضت تكلفة العمالة بالنسبة لوحدة في كل قطاعات الاقتصاد بنسبة 0.4% خلال الربع الثاني من العام, وهو اول انخفاض خلال هذا الربع مقارنة بنفس الفترة من العام السابق منذ 16 عاما, حتى مع ارتفاع تكلفة المنافسة بالنسبة لكل عامل. وقد اقنع مستقبل ارتفاع الانتاجية الشركات بالاستمرار في الانفاق على معدات التكنولوجيا الفائقة وساعد هذا الانفاق الاقتصاد الامريكي على النمو السريع, حتى مع ان القطاعات الاخرى غير التكنولوجيا الفائقة كانت بطيئة النمو. وقال اديارني الخبير الاقتصادي في دويتشه بنك ان الانتاج الصناعي في السلع غير منتجات التكنولوجيا الفائقة انخفض خلال العام الجاري في الوقت الذي يرتفع فيه انتاج معدات التكنولوجيا الفائقة. وارتفع انتاج الحواسيب واشباه الموصلات بنسبة 53% على اساس معدل سنوي. فإذا كان الاقتصاد الامريكي بدأ يهدأ من حيث معدل النمو فإن نمو قطاع التكنولوجيا الفائقة لايزال ينمو بسرعة وبذلك يمثل واقيات الارتجاج بالنسبة لمركبة الاقتصاد, فإذا هدأت سرعة النمو الاقتصادي, ليس من المتوقع ان يكون الانخفاض فجائيا بأثار جانبية مؤلمة, بفضل التكنولوجيا الفائقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات