أسباب سياسية للتقلصات العصبية في وول ستريت

ليس من الصحيح توقع ان تنتهي معركة الرئاسة الامريكية على اعتاب المحكمة العليا في ولاية فلوريدا. ذلك ان الحكم هو مجرد مقدمة لمسلسل آخر من القضايا القانونية التي يمكن ان تطيل هذه المواجهة السياسية ـ كما توقعنا بعد الانتخابات مباشرة ــ إلى فترة اطول مما قيل آنذاك. فالمعركة التي تدور الآن على الساحة السياسية في الولايات المتحدة معقدة بحق, انها اكثر تعقيداً من مظهرها الخارجي الذي يبدو من آلاف التقارير التي تتناقلها الآن اجهزة الاعلام, ذلك ان ما يحدث الآن على ارض الانتخابات الرئاسية الامريكية ـ للمرة الاولى منذ اكثر من قرن كامل ـ هو مجرد انعكاس لشرخ اكبر في المؤسسة السياسية الامريكية رغم ان هذه المؤسسة اعادت لعقود طوال (ضبط) خلافاتها الداخلية. وابقاءها (داخلية). وبورصة نيويورك ـ من حسن الحظ ـ تفهم في السياسة اكثر مما يفهم كثيرون. ذلك انها تقرأ ما يحدث الآن في سياقه الصحيح. ان التقلبات الحادة الاخيرة على مؤشري داوجونز وناسداك تبرهن على حساسية مفرطة. ليس تجاه حكم المحكمة العليا في فلوريدا, ولكن تجاه الانقسام الحالي في المؤسسة السياسية الامريكية على وجه العموم. وواقع الحال ان موقف البورصة ـ بدوره ـ لا يمكن ان يوضع في معادلات حسابية مبسطة ايضاً. فوول ستريت تحبذ قدراً من الانقسام بين الساسة الامريكيين اذ ان ذلك يؤدي دور نظام الانذار المبكر لاية سياسات اقتصادية جديدة فيحول دون تطبيقها, بسبب معارضة احد الفريقين, حتى تحدد سوق الاوراق المالية موقفهاً منها. ولكن هذا الانقسام مفيد في هدوء, وليس بلا حدود. اما ما يحدث الآن فإنه انقسام لا يؤخر اية سياسات لبعض الوقت حتى يحدد وول ستريت موقفه منها, وانما يؤخر هذه السياسات لكل الوقت, حتى تلك التي ترغب السوق المالية في تطبيقها. فهناك الآن مثلاً انتقادات علنية لآلان جرينسبان من قبل المعسكر الجمهوري, وذلك على الرغم من ان رونالد ريجان هو الذي عين الرجل حاكماً للاحتياطي الفيدرالي. ويرجع سبب الانتقادات إلى قرارات جرينسبان برفع نسبة الفائدة ست مرات على التوالي خلال هذا العام وحده. ويقول الجمهوريون ان جرينسبان تحول إلى (ديمقراطي) خلال سنوات رئاسة بيل كلينتون وذلك بسبب علاقته الشخصية الوطيدة بالرئيس الامريكي. وانه رفع نسبة الفائدة حتى يبطىء من معدلات النمو ـ وهو ما حدث فعلاً ـ استعداداً لما بعد بيل كلينتون. فإذا اتى جور فإن التفاهم بين الاحتياطي الفيدرالي والادارة سيظل على ما كان عليه. اما اذا اتى بوش فإن السياسات المالية للادارة الجمهورية ستكون اسيرة لهذا (المرتد) الذي بدأ جمهورياً ـ او ذو ميول جمهورية ـ وانتهى ديمقراطياً. ثم ان الانقسام في المؤسسة السياسية الامريكية لا يهدد (قلعة) الاحتياطي الفيدرالي ـ التي يفترض ان تكون مستقلة ـ فحسب, بل انه يهدد بمنع الادارة ـ اياً كانت ـ من اتخاذ اية مبادرة لدعم سوق الاوراق المالية اذا تعرض لاية هزة مفاجئة كما حدث ثلاث مرات خلال العقد الماضي وحده. فتحرك الادارة يجب ان يلقى دعماً من الكونجرس. والكونجرس منقسم بدوره وذلك باعتباره احد المكونات الرئيسية للمؤسسة السياسية الامريكية ويعني ذلك شل قدرة الادارة على التحرك المرن. لقد تبدت اولى ملامح الانقسام في المؤسسة السياسية الامريكية في محاولات (خلع) بيل كلينتون بسبب فضائحه, فالجميع هنا في واشنطن, لهم فضائحهم على اي حال. إلا ان الشرخ الذي ظهر واضحا آنذاك اتسع خلال الشهور الاخيرة لينعكس على الرأي العام, الذي انشق الى نصفين متساويين تقريبا في ظاهرة تحدث للمرة الأولى في اية انتخابات رئاسية أمريكية. ويدرك وول ستريت مغزى هذا بأكثر مما يدركه مئة محلل سياسي تليفزيوني ممن يبدون احيانا ــ للمستثمرين ــ من الهواة الذين يثيرون الضحك احيانا. لقد اغلق ناسداك بعد انتهاء تعاملات الاثنين بخسارة صافية بلغت نحو 4% من قيمته الاجمالية, او بالاحرى ما يزيد قليلاً على 151 نقطة, وخسر داو جونز 167 نقطة, وخسر ستاندارد آند بورز 25 نقطة. ورغم ان هذه الخسائر قد تكون خسائر ليوم واحد, اي رغم ان الاسواق قد ترتفع في ايام لاحقة, إلا ان نمط تصرف سوق الأوراق المالية ــ وخاصة ناسداك ــ كان (عصبياً) بصورة ملحوظة خلال الاسابيع القليلة الماضية, وهو امر يكشف ان لدى السوق اسبابا وجيهة لهذه العصبية. احد اهم هذه الاسباب يتلخص في قوات المؤشرات التي تؤكد ان الاقتصاد الامريكي يدخل بالفعل مرحلة تباطؤ نسبي بالمقارنة مع ما كان عليه الحال حتى وقت قريب لا يتجاوز الصيف الماضي مثلا. وحين ينظر المستثمرون الى هذا التباطؤ, ثم ينظرون الى الانقسام العميق داخل المؤسسة السياسية الامريكية فإنهم يسحبون اموالهم من السوق.. هناك حالة عدم ثقة لا تتعلق بأزمة انتخابات الرئاسة إلا من ناحية كون هذه الازمة تعبيرا عن ظاهرة اكثر تعقيدا بكثير. بعد ذلك فإن لكل مؤشر من مؤشرات سوق الأوراق المالية ـ او بالاحرى لكل قطاع ــ اسبابه الخاصة التي تدعوه للقلق, ولهذه التقلصات العصبية بين صعود كبير وهبوط اكبر. ان كافة ارقام شركات التجارة الاليكترونية, او ما يسمى شركات الـ(دوت. كوم) تدعو للاحباط. هذا القطاع يتعرض الآن لعملية تقلص واسعة النطاق ربما ترجع الى ان النفخ في صورته تم عبر مبالغات واسعة النطاق ايضا. ولا يساند قطاع الانترنت ــ على وجه العموم ـ (ابنه) الشرعي, اي شركات الدوت. كوم ذلك ان قطاع الانترنت يواجه بدوره صعوبات كبيرة, وان كانت تقل عما يواجهه (الابن). ثم ان قطاع شركات الكمبيوتر, وهو (جد) الجميع, يتعرض ايضا لصعوبات متزايدة تتبدى في ارقام ارباح الشركات الكبيرة. المستثمرون يميلون الآن الى الانسحاب من هذا المضمار, خصوصا من شركات التجارة الالكترونية, ونعتقد في واقع الامر انه ميل منطقي, وصحيح, وسوف نعرض في مناسبة لاحقة أسباب ومظاهر المحنة التي يتعرض لها هذا القطاع على نحو منفصل لانها قصة طويلة امتزجت فيها الاوهام بالميل العصابي نحو المقامرة بمبالغات اجهزة الاعلام والمحللين. والخلاصة ان على مستثمرينا ممن يوظفون قدراً من اموالهم في شركات ناسداك ان يخرجوا الان, وان يضعوا استثماراتهم في اسهم داو جونز, خصوصاً الاسهم ذات المدى الطويل, هذا اذا كان لابد من البقاء في نيويورك من الاصل. ما يحدث على الساحة السياسية الامريكية ليس بسيطاً انه ظاهرة معقدة لها جوانب متعددة, ثم انه ليس عرضاً طارئاً أو سطحياً, انه اعمق من ذلك. وعلى الرغم من ان سوق الأوراق المالية الأمريكية ستبقى الأكثر اغراء في العالم, الا انها ستصبح ايضاً الاعلى مخاطرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات