تحليل اخباري ، مستقبل التنمية في الخليج

نشر البروفيسور انتوني كوردسمان الذي يعمل الآن ضمن طاقم كبار باحثي مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن دراسة قبل أيام حول مرحلة التحول التي تشهدها دول الخليج في المرحلة الحالية على ضوء تطورات سوق النفط, وبالنظر الى سياسات التنمية التي تتبعها دول المنطقة. كوردسمان ــ أولا ــ هو احد الاصوات المسموعة في واشنطن, فقد سبق وان عمل في وزارات الخارجية والدفاع والطاقة, وشغل مواقع اخرى في ادارات امريكية متعاقبة. أما الدراسة ــ ثانيا ــ فإن خطها العام يمكن ان يلخص كالتالي: استقرار منطقة الخليج هو قضية تعني الولايات المتحدة بصفة مباشرة, لأن غياب هذا الاستقرار يهدد تدفق النفط الى أسواق العالم, ولأن هذا الاستقرار يرتبط بالتنمية الاقتصادية فإن على الولايات المتحدة ان تتابع جهود حكومات دول المنطقة في هذا المجال عن كثب.. الدراسة مصاغة من زاوية نظر أمريكية, وهو أمر طبيعي, فكاتبها امريكي يعمل في مركز امريكي للدراسات, مقره عاصمة الولايات المتحدة ليس من المتوقع اذن ان تكون الدراسة مصاغة من وجهة نظر فيجي مثلا, أو ــ بالاحرى ــ من وجهة نظر عربية. مع هذا فإن في دراسة كوردسمان اشياء كثيرة تدعو للاهتمام.. صحيح ان الولايات المتحدة لا تهتم بمنطقة الخليج بسبب انتشار أفكار القومية العربية في واشنطن, وإنما من زاوية المصلحة الامريكية المباشرة, ولكن ما يعنينا نحن ــ من زاوية نظرنا نحن ــ هو ما اذا كان تحليل كوردسمان يمكن ان يقدم بعض الحقائق التي تستدعي اما تأملها أو تفنيدها. وفي تحليل كوردسمان أمور كثيرة قد يختلف معها المرء, ولكن هناك أمور اخرى يجدر بنا بالفعل ان نتأملها, إذ انها تعكس واقعا لا يخفى على أحد. من هذه الامور ما قاله كوردسمان عن اعداد الشباب في تحليل هيكل السكان في منطقة الخليج على وجه العموم, إذ ذكر الباحث الامريكي انه بينما تشكو اوروبا والولايات المتحدة من شيخوخة سكانية, فإن الظاهرة اللافتة للنظر في منطقة الخليج هي ان 40% من السكان ــ كمتوسط عام بين دول المنطقة ــ تقل اعمارهم عن 14 سنة. ثم يوضح الباحث الامريكي مجموعة من الحقائق التي يجب ابرازها. على الرغم من معدل زيادة عدد السكان والاعداد الكبيرة من العمالة المستوردة فإن معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي كانت سلبية خلال الثمانينيات, أما خلال التسعينيات فإن زيادة عدد السكان كان يمضي بنسبة تتجاوز 3 أضعاف النمو الاقتصادي. بعبارة اخرى كان عدد السكان المواطنين والوافدين يزداد في الثمانينيات دون ان يسفر ذلك عن زيادة في الناتج المحلي الاجمالي, ثم العدد واصل زيادته في التسعينيات ولكن دون ان يؤدي ذلك الى زيادة مماثلة في الناتج المحلي الاجمالي, إذ لم يزد هذا الناتج الا بنسبة ثلث معدلات النمو السكاني. إن النسبة الكبيرة للشباب في الهيكل السكاني لدول الخليج تستدعي ايجاد وظائف منتجة تساهم في تمويل هذه القوة الى رافد للناتج المحلي الاجمالي. إلا ان غياب المرونة من زاوية القدرة على توليد هذه الوظاف أو من زاوية اشغالها بمهاجرين جدد قد يسفر عن ضغوط لاحقة. إن أي حديث عن الثروة النفطية يجب ان يعتمد على قياسها على أساس حصة الفرد الواحد من هذه الثروة, فإذا كانت دولة ما تبيع 3 ملايين برميل في اليوم فيما ان سكانها يتجاوزون 40 مليون نسمة ــ مثلاً ــ فإن نصيب الفرد من الثروة النفطية يقل كثيرا عن نصيب فرد يعيش في دولة تبيع مليوني برميل في اليوم فقط فيما لا يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة. وحساب الامور على هذا النحو يدلل على ان حصة الفرد في أية دولة خليجية الآن من (الثروة النفطية) يقل بنسبة 40% عما كانت عليه حصته في العام 1980 وذلك على الرغم من الارتفاع الحالي في اسعار النفط. من جهة اخرى فإن هذه الثروة تتراجع على نحو منتظم. ويقول كوردسمان (إن دخل أوبك في العام 2000 سيزيد بنحو 59% عما كان عليه في العام ,1999 رغم ان دخل 1999 كان يزيد ــ بدوره ــ بنسبة 34% عن دخل 1998). مع هذا ــ حسب قول الباحث الامريكي ــ فإن دخل 2000 لا يمثل من ناحية قوته الشرائية الا 37% مما كان عليه دخل المنظمة عام 1980. إن الزيادة السكانية تطرح مشكلات اخرى قد لا تكون واضحة الآن, ولكنها ستصبح واضحة في لحظة لاحقة, منها مثلا امدادات مياه الشرب والطعام المستورد وتوسعة البنية التحتية. ويقول كوردسمان ان الامر يجب ان يحسب على النحو التالي: ما هي الاضافة الحقيقية التي يضيفها كل عامل جديد يأتي الى سوق العمل للناتج المحلي الاجمالي وما هي التكلفة التي يتحتم دفعها لاستيعاب هذه الزيادة في القوة العاملة. والواضح ان ارقام كوردسمان أي (الحسبة) غير مقنعة, ذلك ان محصلتها النهائية سلبية كما توضح ارقام الثمانينيات التي انخفض فيها هذا الناتج رغم زيادة السكان, والتسعينيات التي زاد فيها هذا الناتج بمقدار ثلث الزيادة التي طرأت على عدد السكان. الأرقام ــ بكل أسف ــ ليست متوفرة الآن لتدقيق ما يقوله انتوني كوردسمان, الا ان الاطار العام لوجهة نظره يبدو مقنعا, بل ومتفقا مع ما يبدو في الواقع. ويشير كوردسمان في دراسة الى ان بعض مناطق الخليج قطعت شوطا في تنويع مصادر الدخل ومرتكزات الاقتصاد الوطني, وهو يرى ان هذا ينبغي ان يكون أحد أهم الاهداف في المرحلة المقبلة بالنسبة لمن لم يبدأوا بعد في تطبيق رؤية متماسكة لتنويع مصادر الدخل. وبصفة عامة فإن أية دراسة متزنة للقضايا التي أثارها كوردسمان يجب ان تعتمد على المعادلة التي يعتمدها الجميع والتي ذكرها الباحث الامريكي, أي يجب ان تعتمد على المقارنة بين رقمين, زيادة عدد العاملين وزيادة الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي. ذلك ان الملاحظة الوحيدة على ما قاله كوردسمان تتلخص في ان زيادة عدد السكان بصفة عامة قد لا تبرهن ــ بنفس الوضوح على الأقل ــ على ان العمالة الوافدة في دول الخليج تذهب الى المنطقة بصورة عشوائية, ولا تقدم زيادة موازية في الناتج المحلي الاجمالي. هذه المسألة تحتاج الي دراسة (باردة) علمية حقا, أي يخلو ذهن واضعها من أية نتائج مسبقة يحاول فرضها على الأرقام. مع ذلك فإن الحال ــ أغلب الظن ــ هو ان استنتاجات كوردسمان صحيحة, وان هناك (خسارة صافية) في الناتج المحلي الاجمالي مع الزيادة المطردة في قوة العمل, خصوصا التي تأتي لتفعل.. لا شيء. فالارقام تعزز الاقتناع بوجود هذه الخسارة من زاوية عدم مساواة الزيادة في الناتج المحلي الاجمالي لزيادة عدد السكان, ومن زاوية الانفاق الحكومي المتزايد على تطوير موارد مياه الشرب واستيراد الاطعمة وتوسعة البنية التحتية. تعرضت هذه القضية في دول الخليج لعدد من الدراسات الجادة والرصينة وهي دراسات أوضحت جميعها ان هناك مشكلة على صعيد مستقبل التنمية في هذه المنطقة, ولعل بالامكان ادراج دراسة كوردسمان ضمن مصادر البحث في هذا المضمار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات