الديمقراطية الأمريكية والاقتصاد ، بقلم: روبرت صامويلسون

ما كان اليكسيس دي توكفيلي (1805 ـ 1859) ليفاجأ بضرواة الحملة الانتخابية الامريكية التي اعتبرت احد المرشحين وهو آل جور كذاباً واعتبرت الآخر وهو جورج بوش معتوهاً. وكان من الممكن ان يكون لدى توكفيلي تفسيراً مثيراً للاهتمام لانه وعلى الرغم من انه كان فرنسياً, الا انه فهم الولايات المتحدة كأي شخص آخر سبقه او جاء بعده. ويقول العالمان السياسيان هارفي مانسفيلد وديلبا ونثروب في ترجمتهما الجديدة لكتاب توكفيلي (الديمقراطية في امريكا) ان هذا الكتاب (يظل افضل كتاب كتب على الاطلاق حول الديمقراطية وافضل كتاب على الاطلاق وضع عن امريكا). ان ظهور هذه الترجمة يبدو تصادفياً وهو بمثابة فرصة مع انتهاء الحملة الانتخابية, لتقدير اسباب نجاح الديمقراطية الامريكية على الرغم من عيوبها العديدة. كان توكفيلي قد وصل إلى الولايات المتحدة في عام 1830 وهو في منتصف العشرينات من عمره. لقد مكث في البلاد تسعة اشهر سافر خلالها إلى نيويورك وبوسطن وبافالو وبتسبيرج وممفيس ورليانز وواشنطن والمناطق الامامية في ميتشجان وويسكونسين. وتحدث إلى الرئيس اندرو جاكسون والرئيس جون كوينسي ادامز ودانييل وبستر وآخرين عديدين. وكان توكفيلي يهدف إلى معرفة ما ينتظر فرنسا التي وعلى الرغم من ثورتها ظلت منقسمة بشدة حول قيمة الديمقراطية. ان ما اكتشفه تمثل في حقيقة ان الديمقراطية الامريكية لم تكن مجرد حكومة وسياسة. فلقد كانت عبارة عن مجموعة من المعتقدات والقيم والعادات المتعلقة بما يتعين على الناس توقعه من الحياة. تأمل السطور التالية التي افتتح بها كتابه (مختصرة على نحو طفيف): (من بين الاشياء الجديدة التي جذبت اهتمامي خلال اقامتي في الولايات المتحدة, واستوقفتي كثيراً هي المساواة في الظروف. واكتشفت دون صعوبة التأثير الهائل لهذه الحقيقة الاساسية على سير المجتمع, فهي تعطي توجيهاً معيناً للروح العامة وتحولاً معيناً للقوانين.. وهي تصنع آراء وتعدل كل شىء لا تنتجه). وفي كتاب (الديمقراطية في امريكا) الذي نشر في مجلدين في عام 1835 وعام 1840 اظهر توكفيلي كيف تخللت الاحاسيس الامريكية المرهفة الجديدة المجتمع من السياسة إلى الشعر. وما عناه بـ (المساواة في الظروف) كان قريباً من مفهومنا لـ (المساواة في الفرص) اكثر من قربه من مفهوم (المساواة في النتائج). ويقول في كتابه انه (الحق في العيش في الاسلوب نفسه والسعي لاكتساب الثروة بالوسائل نفسها). هنا كانت تكمن الحداثة الامريكية اي الافتراض بعدم وجود شخص متفوق على اي شخص آخر بشكل تلقائي. وهذا فصل امريكا عن الميراث الارستقراطي للعالم القديم. ففي العالم القديم, كانت الاملاك تورث ولا تكتسب. وكانت المكانة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تنشأ بشكل قوي من الولادة وليس بالموهبة او العمل. والناس عرفوا مكانهم. لقد غيرت رهافة الحس الامريكية العلاقات العائلية. وحتى في ذلك الحين, توسعت ادوار النساء مقارنة باوروبا. ومال الفن نحو (الاسرع أو الارخص) لانه لم يعد هناك مجرد فئة قليلة من الزبائن الاغنياء كمشترين. وفوق كل شىء, كان الامريكيون طموحين ومولعين بالاكتساب. واعترف توكفيلي كيف ان ميل الامريكيين للمساواة ولد المادية التي وبعيداً عن ارضاء الناس جعلتهم اكثر قلقاً: (انه لامر غريب رؤية مدى الحماسة التي يسعى بها الأمريكيون للحفاظ على صحتهم وكيف يظهرون انفسهم معذبين باستمرار بخوف غامض لعدم اختيارهم اقصر طريق يمكن ان يقود إلى الصحة. وبالاضافة إلى السلع التي يمتلكها الامريكي, فإنه يتخيل في كل لحظة آلافاً اخرى من السلع التي قد يحول الموت بينه وبين الاستمتاع بها اذا لم يسرع). والامر المذهل هو ان توكفيلي استخلص هذه الاستنتاجات من بلد يبدو مختلفاً تماماً عما هو عليه الآن. وتتلخص الرؤى الثابتة لتوكفيلي في ان مزايا عديدة في الشخصية الوطنية هي في الواقع غير قابلة للتخريب او الاتلاف. وعلى الرغم من اعجابه بامريكا الا ان توكفيلي كان منتقداً لها. فقد اعتقد ان القيم الديمقراطية شجعت في الغالب على الخضوع لاعراف الكنيسة الانجليزية بخاصة. ووصف بانتقاد لاذع معاملة الامريكيين الاصليين وشعر بأن العبودية قد تقود إلى حرب عرقية. وفيما يتعلق بالسياسة, اشار إلى ان الانتخابات الهمت (المكائد) و(الاضطرابات). وربما يكون قد قلل من اهمية القضية. وتبين المؤرخة جويس ابلباي من جامعة كاليفورنيا في كتابها (توارث الثورة) ان السياسة التي سادت في بداية القرن التاسع عشر كان من الممكن ان تكون مريرة على نحو لا يصدق. وظلت النزاعات طريقة لتسوية الحسابات. وتقول ابلباي في كتابها ان: (اندرو جاكسون.. قتل خصماً سياسياً شاباً بدم بارد) (الآن هذا ما نسميه سياسة التدمير الذاتي). لكن عيوب السياسة لم تكن من النوع الذي يصيب بالشلل لان الديمقراطية الامريكية لم تعتمد بشكل حصري على السياسة والحكومة في اكتساب حيويتها. فقد كان هناك متنفسات اخرى للطاقات الديمقراطية. وقد كان للتجارة جاذبية كبيرة. والاتحادات المدنية من مختلف الانواع كثر عددها. وازدهر الدين من جديد باشكاله المتعددة. وحجم البلاد بحد ذاته قدم فرصاً وافرة. وكان هذا احدى رسائل توكفيلي المركزية وهي ان الديمقراطية قد تنجح في امريكا لانه يمكن استيعاب انفعالاتها بطرق عديدة مختلفة. ولم تكن السياسة والحكومة وحدهما سبب هذا النجاح بل هناك اشياء اخرى مهمة. وحذر توكفيلي معبراً عن قلقه من احتمال ان يتحول هوس الامريكيين بالنزعة الفردية إلى انانية وعزلة مدمرتين. فإذا ما فكر الناس بانفسهم وبعائلاتهم فقط, فقد يكونوا متحررين جداً لدرجة انهم يصبحون عرضة (للاستبداد) حتى من حكومة ديمقراطية. وشأن العديد من رؤى توكفيلي فإن هذه الرؤية تبقى وثيقة الصلة بالموضوع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات